تتربع كرة القدم على عرش الرياضات الأكثر شعبية في العالم بفضل بساطة قوانينها، وتكلفتها المنخفضة التي تتيح للجميع ممارستها بأقل الإمكانيات، فضلاً عن طبيعتها الحماسية المليئة بالمفاجآت التي تخلق حالة من الانتماء والترابط المجتمعي. وتتعدد الأسباب التي تجعل “الساحرة المستديرة” اللعبة الأولى جماهيرياً، حيث تشمل البساطة والوضوح التي تتمثل في أن قواعدها سهلة الفهم ولا تتطلب تعقيدات حسابية، مما يجعل متابعتها ممتعة لجميع الفئات. كما لا تحتاج هذه اللعبة سوى إلى كرة ومساحة فارغة، مما يجعلها الرياضة الشعبية الأولى في الأحياء الفقيرة والدول النامية. بالإضافة إلى الإثارة والتشويق حيث أن نتائج المباريات غالباً ما تكون غير متوقعة، وهدف واحد قد يقلب مجريات اللقاء في أي دقيقة، مما يبقي المشاهد في حالة ترقب دائم. كما تمنح الجماهير فرصة التعبير عن هويتهم الوطنية أو المحلية والافتخار بها، متجاوزة بذلك حدود المستطيل الأخضر. كما ساهمت في إبراز قصص ملهمة للاعبين نشأوا في ظروف صعبة ثم أصبحوا أيقونات عالمية، كالنجم البرازيلي بولي والأرجنتين ماردونا وميسي…. مما يمنح الشباب حافزاً وطموحاً كبيراً. كما أن التغطية الواسعة للمباريات عبر مختلف القنوات والإنترنت جعلت الوصول إليها ومتابعة نجومها أمراً متاحاً في كل مكان.لكن خلف كل هذه الأسباب ، ترجع هذه الشعبية بالإضافة إلى عمقها التاريخي في طبيعتها الحربية ، ووظيفتها التنفيسية.
– 1-العمق التاريخي لكرة القدم
يمتد العمق التاريخي لكرة القدم لأكثر من 2500 عام قبل الميلاد، حيث يعود أقدم شكل بدائي ، حيث ظهرت هذه اللعبة في القرنين الثاني والثالث قبل الميلاد، وكانت تعتمد على ركل كرة جلدية محشوة بالريش نحو شبكة معلقة بين قصب الخيزران. وقد ظهرت لعبة كرة القدم في الصين القديمة تحت اسم “تسوجو” (Cuju)، وهي أقدم نسخة بدائية موثقة تاريخياً اعترف بها الاتحاد الدولي لكرة القدم حيث تعني كلمة “تسو” الركل بالقدم، بينما تعني “جو” الكرة المصنوعة من الجلد. وقد تطورت هذه اللعبة عبر التاريخ الصيني وفق محطات رئيسية جعلتها جزءاً من ثقافة الإمبراطورية:فقد استخدمها القادة العسكريون كـتمرين بدني صارم للجنود لرفع لياقتهم البدنية، واختبار قوتهم، وتدريب أقدامهم على الحركة السريعة.وفي عهد (سلالة هان – 206 ق.م إلى 220 م) انتقلت اللعبة من معسكرات الجيش لتصبح الرياضة المفضلة للأباطرة والطبقات النبيلة. حيث أقيمت ملاعب مخصصة داخل القصور الإمبراطورية تسمى “جوتشينغ”. تميزت هذه الملاعب بوجود ستة أهداف على شكل هلال عند كل طرف، ووُضعت قواعد تحكيمية محددة للمباريات التنافسية بين الفرق. أما في عهد (سلالة تانغ وسونغ)فقد شهدت اللعبة طفرة كبيرة باستبدال الريش بـ مثانة حيوانية منفوخة بالهواء مغطاة بـ 8 إلى 12 قطعة من الجلد المقوى. جعل هذا التعديل الكرة أخف وزناً وأكثر قدرة على الارتداد والدوران.حيث أصبحت اللعبة شعبية لدرجة تأسيس فرق نسائية محترفة برعت في تقديم عروض مهارية واستعراضية بالكرة.ا لكن انتهت هذه اللعبة تدريجياً خلال عهد سلالة مينغ بسبب تغير الاهتمامات السياسية والاجتماعية، لكنها ظلت في السجلات التاريخية كالجذر الأول الذي ألهم العالم فكرة ركل الكرة نحو الهدف.
كما ظهرت لعبة كرة القدم في اليابان القديمة تحت اسم “كيماري” (Kemari)، وهي لعبة تقليدية عريقة يعود تاريخها إلى القرن السابع الميلادي (حوالي عام 600م) خلال فترة “أسوكا”. وقد تأثرت اللعبة تاريخياً بلعبة “تسوجو” الصينية، إلا أن اليابانيين منحوها طابعاً فريداً يختلف تماماً عن أي لعبة كرة قدم أخرى في العالم. فقد تميزت النسخة اليابانية من اللعبة بخصائص ومحطات تاريخية فريدة جعلتها جزءاً من الهوية الثقافية للبلاد.فعلى عكس كرة القدم الحديثة أو النسخة الصينية، لم تكن “كيماري” تحتوي على أهداف أو رغبة في الفوز على الخصم. فكان الهدف الوحيد للاعبين (الذين يتراوح عددهم عادة بين 6 إلى 8 لاعبين) هو التعاون معاً لإبقاء الكرة معلقة في الهواء لأطول فترة ممكنة باستخدام الأقدام والركاب فقط، دون أن تلمس الأرض ؛ فاللاعب البارع هو من يمرر الكرة لزميله بطريقة مريحة وسهلة تتيح له استقبالها بأناقة ودون عناء.2. محطات تطور اللعبة عبر العصورالبلاط الإمبراطوري والنبلاء (عصر هييان 794-1185): بدأت اللعبة كـ نشاط حصري لأفراد العائلة الحاكمة والنبلاء في العاصمة القديمة كيوتو. وكان أول توثيق رسمي لها في المخطوطات التاريخية اليابانية (مثل كتاب “نيهون شوكي”) يعود لعام 644 ميلادي.وامتدت اللعبة لتصبح شعبية جداً بين مقاتلي الساموراي. حيث استخدمها المحاربون كوسيلة ممتازة لتدريب خفتهم، وسرعة ردود أفعالهم، ومرونة أقدامهم.ومع انفتاح اليابان على الغرب ودخول كرة القدم الحديثة، تراجعت لعبة الـ”كيماري. حيث شهدت إنجلترا الولادة الحقيقية لكرة القدم الحديثة، بعدما تحولت من لعبة شوارع عنيفة وفوضوية في العصور الوسطى إلى رياضة منظمة بقوانين رسمية في القرن التاسع عشر بفضل المدارس والجامعات الإنجليزية. حيث مرت اللعبة في إنجلترا بثلاث مراحل تاريخية رئيسية شكلت هويتها الحالية:
1- كرة قدم الغوغاء (القرون 12 – 18) حيث كانت اللعبة تُعرف باسم “كرة قدم القرية” أو “كرة الغوغاء” (Mob Football).) وبدون قواعد. إذ لم يكن هناك حد أقصى لعدد اللاعبين، وكان الهدف هو إيصال مثانة خنزير منفوخة إلى مكان محدد في القرية المجاورة بأي وسيلة (الركل، اللكم، أو الحمل).و بسبب الإصابات البالغة، وأعمال الشغب، وتدمير الممتلكات، أصدر الملوك الإنجليز (مثل الملك إدوارد الثاني والملك هنري البعث) أكثر من 30 ملكية لحظر اللعبة لقرون، لكن الشعب استمر في ممارستها سراً.
2- التنظيم داخل المدارس العامة (القرن19 ): في أوائل القرن التاسع عشر، تبنت المدارس الإنجليزية الشهيرة (مثل إيتون، وهارو، وراغبي) اللعبة لتوجيه طاقات الطلاب الذكور والتحكم في سلوكهم العنيف.حيث كانت كل مدرسة تلعب بقوانينها الخاصة؛ بعض المدارس سمحت بحمل الكرة باليد (والتي تحولت لاحقاً إلى رياضة الـRugby)، بينما فضلت مدارس أخرى الاعتماد على الأقدام فقط Football) ) . لذا اجتمع ممثلو المدارس في جامعة كامبريدج في سنة 1848 ووضعوا أول لائحة مكتوبة لمنع حمل الكرة باليد وتوحيد القواعد، وهي الأساس الأول للعبة الحالية.
3- التأسيس الرسمي والاحتراف (1863 وما بعدها): ففي 26 أكتوبر 1863، اجتمع ممثلو الأندية والمدارس الإنجليزية في حانة “Freemasons’ Tavern” في لندن، وأسسوا الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم (The FA)، وهو أقدم اتحاد في العالم. وفي هذا السياق رسم هذا الاتحاد الحدود وقواعد التسلل حيث صاغ الاتحاد القوانين الرسمية الأولى (مثل منع مسك الكرة باليد، وتحديد أبعاد المرمى، ووضع قاعدة التسلل البدائية) .وهكذا تأسسكيف انتشرت هذه الله نادي شيفيلد (أقدم نادٍ في العالم) عام 1857، وانطلقت بطولة كأس الاتحاد الإنجليزي (FA Cup) كأول مسابقة رسمية عام 1871، مما أدى إلى تحول اللعبة سريعاً إلى الاحتراف التجاري وانتشارها عالمياً عبر السفن والتجار البريطانيين.
وقد انتشرت كرة القدم الإنجليزية وتحولت من لعبة محلية بريطانية إلى الرياضة الأولى عالمياً بفضل الإمبراطورية البريطانية والثورة الصناعية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين؛ حيث نقلها البحارة، والتجار، والمهندسون، والجنود البريطانيون إلى مختلف الموانئ والدول التي عملوا بها. وقد توزعت طرق انتشار اللعبة عالمياً عبر أربعة مسارات رئيسية:
1.التجارة والمهندسون البريطانيون حيث نقل العمال البريطانيون الذين بنوا السكك الحديدية اللعبة إلى الأرجنتين والبرازيل. ويعود الفضل في نشرها بالبرازيل إلى “تشارلز ميلر” (ابن مهندس بريطاني) الذي جلب معه كرتين وكتاب قوانين إلى ساو باولو عام 1894. كما أسس البحارة والتجار الإنجليز أندية في مدن الموانئ الأوروبية؛ فعلى سبيل المثال، تأسس نادي “ريكرياتيفو هويلفا” (أقدم نادٍ في إسبانيا) على يد مهندسي مناجم بريطانيين، وتأسس نادي “ميلان” في إيطاليا كـ “نادي كريكيت وكرة قدم بدعم إنجليزي”.
2.البحارة والجيش البريطاني: حيث كان البحارة الإنجليز يركلون الكرة في الموانئ وأرصفة السفن أثناء فترات الاستراحة، مما جذب السكان المحليين لتقليدهم ومشاركتهم اللعب. كما نشر الجنود البريطانيون اللعبة في دول مثل مصر أثناء فترة الحماية، وجنوب إفريقيا، والهند، حيث أقيمت مباريات بين جيش الاحتلال والفرق المحلية.
3.الطلاب والجامعات والبعثات الدراسية: حيث كان الطلاب الأجانب الذين يدرسون في الجامعات والمدارس العامة الإنجليزية يتعلمون اللعبة، وعند عودتهم إلى بلدانهم الأصلية (مثل سويسرا، وألمانيا، وفرنسا) ينقلون القواعد ويؤسسون أندية محلية.
4. التدويل وتأسيس الفيفا (1904) وكسر الاحتكار البريطاني: فرغم أن الإنجليز هم من اخترعوا اللعبة ونشروها، إلا أن فرنسا وست دول أوروبية أخرى هي من أسست الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) ) في في باريس عام 1904 لإدارة اللعبة عالمياً، مما ساعد على تنظيم مسابقات دولية مثل كأس العالم (1930) وجعل اللعبة مستقلة وعالمية تماماً.
أما في المغرب فقد انتشرت كرة القدم مع بداية القرن العشرين إبان فترة الحماية الفرنسية والتحكم الإسباني في الشمال؛ حيث نقلها الجنود والمستوطنون الأوروبيون، وسرعان ما تحولت من رياضة أجنبية إلى سلاح للمقاومة السياسية وأداة للتحرر الوطني لدى المغاربة. حيث تطورت مراحل انتشار اللعبة في ربوع المملكة عبر المحطات التاريخية التالية:
1-. أندية المعمرين (1907 – 1916): حيث يعود أول ظهور للملاعب إلى عام 1907 داخل معسكرات الجيش الفرنسي بمدينة وجدة (الملعب العسكري جاك روز). تلتها إقامة أول مباراة موثقة بين المستوطنين عام 1913 بقرية عين تاوجطات (بين فاس ومكناس).كما أطلق المستعمر الفرنسي في سنة 1916″العصبة المغربية لكرة القدم” تحت وصاية الاتحاد الفرنسي. حيث تأسست حينها أندية فرنسية بالكامل مثل الراسينغ الرياضي (1917) وسطاد المغربي (1919)، وكان اللعب فيها مقتصراً على الأوروبيين فقط.
2. نشأة الأندية الوطنية كأداة للمقاومة في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي: حيث رفض المغاربة تهميشهم، وبدأوا بتأسيس أندية وطنية خالصة لمقارعة أندية المستوطنين وتأكيد الهوية الوطنية.وهكذا تأسس نادي الوداد الرياضي عام 1937 (فرع كرة القدم 1939) على يد محمد بنجلون، وتبعه نادي الرجاء الرياضي عام 1949 على يد نقابيين مغاربة. وقد تحولت مباريات هذه الفرق ضد أندية المعمرين (مثل “اليوسام” USM) إلى ساحات نضال سياسي ومظاهرات شعبية ضد الحماية. حيث برز في هذه الحقبة، الأسطورة العربي بن مبارك الذي انطلق من أحياء الدار البيضاء ليصبح أحد أشهر لاعبي العالم في الأربعينيات وأول نجم عربي يتألق في الملاعب الأوروبية (مع أتلتيكو مدريد ومارسيليا).
3. مرحلة الاستقلال ومأسسة اللعبة (1956 وما بعدها): ففور نيل المغرب استقلاله، تأسست الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم وحلت محل العصبة الفرنسية. حيث أُطلقت أول بطولة وطنية رسمية وتوج بها نادي الوداد الرياضي.وقد انضم المغرب إلى الفيفا عام 1960. وبصم على تاريخ مشرّف كونه أول منتخب أفريقي وعربي يتأهل للدور الثاني في كأس العالم (المكسيك 1986)، وصولاً إلى الإنجاز التاريخي غير المسبوق باحتلال المركز الرابع في كأس العالم قطر 2022.
2-العمق الحربي لكرة القدم
تختزن كرة القدم في عمقها شحنة حربية وصراعية تنعكس من خلال تصاميم ملاعب الكرة التي تجرى فيها المباريات وكذا في القاموس العسكري المستعمل
-ملاعب كرة كامتداد هندسي ومعماري للمدرجات الرومانية
يعد تصميم ملاعب كرة القدم الحديثة امتداداً هندسياً ومعمارياً مباشراً لـ المدرجات الرومانية القديمة (Amphitheaters)،) وعلى رأسها مدرج “الكولوسيوم” الشهير في روما. حيث] تتجلى عبقرية المحاكاة الهندسية بين ملاعب اليوم ومسارح المصارعة الرومانية في النقاط التالية:
. 1-الشكل البيضاوي والدائري: حيث اعتمد الرومان الشكل البيضاوي بدلاً من المستطيل لضمان تقريب الجمهور من الساحة المركزية، ومنع وجود “زوايا ميتة” تحجب الرؤية عن المشاهدين . و قد تتبنت ملاعب كرة القدم هذا المنحنى الدائري أو البيضاوي للمدرجات لضمان رؤية بانورامية واضحة لكل زوايا المستطيل الأخضر.
2. التدرج الطبقي (الهيكل الطبقي للمقاعد)قديماً (Gradus): كانت المدرجات الرومانية ترتفع بشكل تدريجي حاد إلى الأعلى ومقسمة إلى طبقات (تسمى Cavea) )بناءً على الطبقة الاجتماعية وحديثاً: تستخدم الملاعب نفس التدرج العمودي لتقريب المقاعد العليا من أرضية الملعب، مع تقسيمها إلى فئات (مقاعد عادية، مقاعد متميزة، ومقصورات كبار الشخصيات VIP).).
3 .نظام التدفق والإخلاء السريع عبرالممرات الرومانية: إذ كان الكولوسيوم يحتوي على أكثر من 80 بوابة تسمى Vomitoria” وتعني الممرات القاذفة). والتي صُممت لتسمح بإخلاء 50 ألف متفرج خلال 5 دقائق فقط لمنع التدافع وتعتمد الملاعب الحديثة: معايير الاتحاد الدولي لكرة القدم للأمن والسلامة على نفس هذه الممرات والأنفاق لتسهيل دخول وخروج الجماهير في دقائق معدودة لتفادي الكوارث.
4.الساحات السفلية المخفية (Hypogeum)قديماً: كان تحت أرضية الكولوسيوم شبكة معقدة من الأنفاق والغرف المخفية لخروج المصارعين والحيوانات فجأة إلى الساحة عبر رافعات. وحديثاً: تحتوي أسفل مدرجات الملاعب الحديثة على غرف ملابس اللاعبين، نفق دخول وخروج الفريقين، غرف الفحص الطبي، والمنطقة الإعلامية، مما يبقي كواليس التحضير معزولة تماماً عن أعين الجماهير.
.5. الأسقف المتحركة وأنظمة التظليل (Velarium)المظلة الرومانية: كان الكولوسيوم مزوداً بنظام ظل عملاق يُدعى “Velarium”، وهو عبارة عن قماش كتان ضخم يتم تحريكه بالحبال بواسطة بحارة محترفين لحماية المتفرجين من أشعة الشمس الحارقة أما الملعب الحديث فقد تطور هذا المفهوم إلى الأسقف القابلة للطي والمتحركة الكترونياً (مثل ملعب سانتياغو برنابيو في مدريد أو ملعب توتنهام في لندن) للتحكم في الطقس، وحماية العشب والجمهور من المطر والشمس.
ويساهم هذا التصميم الهندسي بشكل مباشر في ترسيخ الطابع الحربي لكرة القدم الحديثة؛ فالمدرجات المستوحاة من مسارح المصارعة الرومانية لم تُبْنَ لمجرد الجلوس، بل صُممت هندسياً ونفسياً لعزل اللاعبين داخل ساحة مواجهة أشبه بـ “المعركة العسكرية الديمقراطية”. ويتجلى هذا البعد الحربي المدعوم بالتصميم المعماري في النقاط التالية:
. -تأثير “صندوق الصدى” والضغط السمعي وتجميع الصوت وتوجيهه. حيث أن التصميم الدائري والمغلق للملاعب يعمل كـ مضخم صوتي عملاق. ف تهتف الجماهير، يرتد الصوت من السقف والمدرجات الحادة ليتجمع بقوة هائلة فوق أرضية الملعب مما يشكل نوعا من الترهيب الحربي. فهذا الضغط السمعي يُستخدم كـ “سلاح معنوي” لترهيب الفريق الخصم (وهو ما يُعرف بـ أجواء الملاعب المرعبة). يشعر اللاعب الخصم وكأنه محاصر من جميع الجهات بجيش من الأعداء، تماماً كما كان يشعر المصارع في روما القديمة وسط صيحات الجماهير التي تطالب بإسقاطه.
– محاصرة اللاعبين في “ساحة معزولة و”الفصل الحاد: حيث كان التصميم الروماني يفصل بين الجماهير والساحة عبر خنادق، حواجز، أو فروق ارتفاع حادة، مع وجود نفق سفلي ضيق يدخل منه اللاعبون.فهذا العزل التام يضع اللاعبين تحت مجهر الآلاف من المتفرجين والمتفرجات. وتصبح أرضية الملعب (المستطيل الأخضر) هي “جبهة القتال” الوحيدة التي لا مفر منها، حيث يُجبر اللاعب على القتال دفاعاً عن شعار ناديه أومنتخب بلاده، وتتحول المباراة إلى مسألة “حياة أو موت” رياضيا.
– تقسيم المدرجات إلى “فصائل جيوش” أومنطقة الألتراس. ففي الملاعب الحديثة، يتم تخصيص مدرجات معينة (المدرج الجنوبي أو الشمالي) للمشجعين الأكثر تعصباً حيث تتصرف هذه المجموعات داخل التصميم الدائري كـ كتائب عسكرية منظمة: فيرتدون زياً موحداً،ويرفعون لافتات عملاقة ( Tifo ) تشبه رايات الحروب، ويتحركون ويغنون بشكل جماعي موحد طوال 90 دقيقة لإثارة حماس “محاربيهم” على أرض الملعب.
– حماية كواليس “غرفة العمليات”الأنفاق والسرية: وجود غرف الملابس والأنفاق أسفل المدرجات (المستوحاة من الـ Hypogeum الروماني) يحافظ على سرية التكتيكات. إذ تخرج الفرق من النفق بكامل عتادها وتركيزها فجأة نحو أرض الملعب، مما يمنح لحظة الدخول طابعاً استعراضياً حربياً يرفع الأدرينالين لدى الجمهور واللاعبين على حد سواء.
لذلك، فإن العمارة الرياضية الحديثة تعيد إنتاج نفس الغرائز البشرية القديمة من خلال تحويل قطعة أرض إلى ساحة معركة منظمة، وتحويل المشاهدين إلى جيوش مشحونة عاطفياً لدعم مقاتليها.
3- القاموس العسكري المستعمل في كرة القدم
شهدت كرة القدم منذ نشأتها استعارة مكثفة للمصطلحات العسكرية من الحروب والجيوش، حتى أصبح المعلقون والمحللون الرياضيون يستخدمون “قاموساً عسكرياً” بالكامل لوصف ما يحدث داخل المستطيل الأخضر، مما يرسخ فكرة أن المباراة هي “معركة سلمية” بين كتيبتين. وهكذا ، فمن أبرز المصطلحات العسكرية المستخدمة في كرة القدم وتفسيرها الرياضي:
1.جبهات الملعب وتقسيمات الفريق الدفاع والهجوم (Defense & Attack): )هما المصطلحان الأساسيان في أي حرب؛ الدفاع لحماية المرمى (المعقل)، والهجوم لاختراق صفوف الخصم (العدو).خطوط المواجهة: يُقسم الفريق إلى “خطوط” (خط الدفاع، خط الوسط، خط الهجوم) تماماً كتقسيم الفصائل العسكرية في جبهة القتال. كما يستخدم لقب الجنرال الذي يُطلق غالباً على مدرب الفريق (قائد المعركة) أو لاعب خط الوسط القائد الذي يدير التحركات ويوجه زملائه في الميدان.
2. التكتيكات والخطط الميدانيةStrategy & Tactics) ) وهي مصطلحات عسكرية بحتة تعني وضع استراتيجية بعيدة المدى للمواجهة، وتكتيكات سريعة للتعامل مع مجريات المعركة. والهجمات المرتدة (Counter-attack): )رد فعل عسكري سريع وفوري يتم شنه مباشرة بعد امتصاص هجوم العدو، لاستغلال تقدمه المندفع وضرب خطوطه الخلفية المكشوفة. والهجوم الانتحاري / الاندفاع الكاسح: يُطلق على الهجوم الشامل بكامل لاعبي الفريق في الدقائق الأخيرة للتعادل أو الفوز، دون التفكير في العواقب الدفاعية. وحائط الصد The Wall)) و هو مصطلح يُستخدم عند وقوف اللاعبين بجانب بعضهم لمنع الكرة في الركلات الحرة، وهو مستوحى من الدروع العسكرية المتراصة لحماية الحصون.
3.مصطلحات القوة والتهديف قذيفة / صاروخ حيث : تُطلق على التسديدات القوية والسريعة جداً نحو المرمى والتي يصعب على الحارس التصدي لها. فبالاضافة إلى مصطلح المدافع المقاتل تطلق كلمة القناص على المهاجم الذكي الذي يتمركز في المكان المناسب داخل منطقة الجزاء ويستغل أنصاف الفرص لتسجيل الأهداف بلمسة واحدة قاتلة.
4. أحداث المباراة ومجرياتها واختراق الخطوط: حيث يتداول المعلقون الرياضيون وواصفوا مباريات كرة القدم بعض المصطلحات والكلمات العسكرية كعملية نجاح المهاجمين في تمرير الكرة أو الركض خلف خط دفاع الخصم وتفكيك تنظيمه. أوالاستبسال والدفاع المستميت كتعبير يُستخدم عندما يقاتل المدافعون ببسالة لمنع دخول هدف، ويُشبه بالدفاع عن القلعة الأخيرة قبل السقوط. كما توصف منطقة وسط الملعب دائماً بأنها “ساحة المعركة الكبرى”؛ فمن يسيطر عليها ويهيمن على معاركها الثنائية، يسيطر على مجريات الحرب كاملة.
ولعل هذا الطابع الحربي والعسكري قد أدى إلى اشتهار العديد من المدربين في تاريخ كرة القدم بـالصرامة العسكرية المطلقة، حيث أداروا غرف ملابس أنديتهم بقوانين صارمة تشبه الانضباط العسكري، معتمدين على العقوبات الصارمة، والتحكم في تفاصيل حياة اللاعبين، والتدريبات البدنية الشاقة لفرض هيبتهم وتحقيق الانتصارات.ومن أبرز هؤلاء الاسكتلندي السير أليكس فيرغسون المدرب الأسطوري لمانشستر يونايتد، الذي كان يصرخ في وجه اللاعبين المقصرين من مسافة قريبة جداً وبكلمات غضب شديدة وطرد كبار نجوم الفريق دون تردد بمجرد شعوره بأنهم يهددون سلطته أو يتحدون انضباطه، أو المدرب الإيطالي فابيو كابيلو الذي كان يمنع الضحك في غرف الملابس، ويفرض حظراً للتجول، ويمنع استخدام الهواتف المحمولة تماماً أثناء المعسكرات مستخدما مقولته الشهيرة: “أنا لست صديقاً للاعبين، أنا مدربهم”. وقد اشتبك مع نجوم كبار مثل أنطونيو كاسانو والظاهرة رونالدو في ريال مدريد بسبب عدم التزامهم بالوزن المثالي والنظام الصارم. كما أن المدرب الهولندي لويس فان خال كان يتعامل مع أنديته كأنها ثكنة عسكرية. حيث يفرض على اللاعبين تناول الوجبات معاً في نفس الدقيقة، ويمنع البدء بالأكل قبل أن يجلس هو، ومن يتأخر عن موعد التدريب بدقيقة واحدة يتم تغريمه واستبعاده. وكان لا يقبل بأي خروج عن النص التكتيكي، وكان يدون كل شاردة وواردة في دفتره الشهير لمعاقبة المخطئين في التحركات.
كما اشتهر كونتي بتدريباته البدنية القاسية جداً التي تجعل اللاعبين ينهارون أرضاً من التعب. في الفترات التحضيرية، وكان يفرض على اللاعبين الركض لمسافات طويلة مكررة بشكل جنوني. وكان يطالب لاعبيه بـ “الاستعداد للموت على أرض الملعب” من أجل الفوز، ويمنعهم من تناول بعض الأطعمة والصلصات (مثل الكاتشب والمايونيز) للحفاظ على لياقتهم القتالية. وهناك المدرب الألماني فيليكس ماغات الذي لقب ب”صَدّام” و يُعتبر المدرب الأكثر رعباً في تاريخ الدوري الألماني. وقد اشتق اللاعبون لقبه من كلمة “العذاب” بسبب تدريباته الوحشية. وبالتالي ، فرغم الاستعمال الجديد لكلمة “كوتش” . فهذا لا يخفي الطابع العسكري الذي ما زال يميز هذه اللعبة الشعبية والتي تظهر من خلال التداريب والاستعدادات التي عادة ما تتخذ طابع معسكرات . فستخدام كلمة “مُعَسْكَر” (Training Camp / Boot Camp ) في كرة القدم هو أحد أوضح الأدلة على تأثر الرياضة بالثقافة العسكرية، حيث تم نقل هذا المصطلح حرفياً من ثكنات الجيوش وجبهات القتال إلى عالم الساحرة المستديرة.ففي الثقافة العسكرية، “المعسكر” هو مكان معزول يُجمع فيه الجنود لإعدادهم بدنياً ونفسياً وتكتيكياً قبل إرسالهم إلى الجبهة. وفي كرة القدم، يؤدي المعسكر التدريبي نفس الوظيفة تماماً .فعلى غرار عزل الجنود في المعسكرات لقطع صلتهم بالحياة المدنية والتركيز الكامل على التدريب العسكري وطاعة الأوامر، يدخل الفريق في “معسكر مغلق” (خاصة قبل البطولات الكبرى مثل كأس العالم)، ويتم عزل اللاعبين في فنادق أو مراكز تدريب مخصصة. يُمنع الخروج، وتُحدد مواعيد صارمة للنوم والاستيقاظ، وتُفرض قيود على استخدام الهواتف الذكية أو استقبال الزيارات، بهدف إبعاد اللاعبين عن أي “مشتتات” ذهنية والتركيز فقط على “المعركة” القادمة. كما يخضع اللاعبون لتدريبات بدنية شاقة وقاسية جداً تصل أحياناً لثلاث حصص تدريبية في اليوم، بهدف رفع لياقتهم البدنية إلى أقصى حد، تماماً كما يتم إعداد المجندين الجدد في معسكرات الجيش. وإذا كان الهدف من جمع الجنود في المعسكر هو جعلهم يتناولون الطعام معاً، وينامون في نفس المكان، ويتشاركون المصاعب، مما يبني بينهم رابطة أخوة قوية تجعلهم يدافعون عن بعضهم في الميدان، فيهدف مدربو كرة القدم من المعسكرات المغلقة إلى خلق هذا التلاحم؛ حيث يعيش اللاعبون كـ “عائلة واحدة” لأسابيع، مما يذيب الخلافات ويزيد من التفاهم والانسجام التكتيكي والروحي بينهم داخل أرض الملعب. في حين تتحول قاعة المحاضرات إلى غرفة العمليات والتخطيط داخل المعسكر الكروي، حيث يقضي اللاعبون ساعات طويلة في غرف الفيديو والمحاضرات التكتيكية مع المدرب (الجنرال)، يتم خلالها دراسة نقاط قوة وضعف “العدو” (الخصم)، وتوزيع المهام العسكرية على اللاعبين (من يراقب من، وكيف يتم اختراق الخطوط).
وهو محاكاة كاملة لما يفعله القادة العسكريون في خيم المعسكرات قبل الهجوم. وبالتالي، فاستخدام كلمة “معسكر” ليس مجرد مصطلح عابر، بل هو تعبير دقيق عن بيئة انضباطية صارمة تحول فريق كرة القدم من مجرد مجموعة لاعبين إلى “كتيبة عسكرية” منظمة ومستعدة للقتال الرياضي. وهذا يعيد كرة القدم ةإلى وظيفتها العسكرية الأولى . فقد ارتبط البعد الحربي بكرة القدم ارتباطاً وثيقاً منذ نشأتها الأولى، حيث لم تكن مجرد وسيلة للترفيه، بل أداة عسكرية لإعداد الجنود، وسلاحاً معنوياً في المعارك، وحتى سبباً مباشرًا لنشوب صراعات مسلحة بين الدول.ويتجلى هذا البعد الحربي والعسكري عبر التاريخ فقد ظهرت لعبة “تسوجو” البدائية في القرن الثالث قبل الميلاد كجزء أساسي من التدريب العسكري الصارم لجنود الإمبراطورية.و كانت تُستخدم لرفع اللياقة البدنية، وتقوية الأقدام، وتعزيز العمل الجماعي بين المقاتلين. كما مارس الجنود الرومان لعبة “هارباستوم” (Harpastum)،) وهي لعبة كرة عنيفة تشبه مزيجاً بين القدم والرغبي، وكان الهدف منها الحفاظ على الجاهزية القتالية للجيوش في المعسكرات وتدريبهم على المواجهات البدنية العنيفة.كما أنه خلال الحرب العالمية الأولى، وقعت واحدة من أشهر الحوادث الإنسانية؛ حيث أوقف الجنود البريطانيون والألمان القتال مؤقتاً في ليلة عيد الميلاد، وخرجوا من خنادقهم إلى “المنطقة المحرمة” لتبادل الهدايا وخوض مباراة كرة قدم شهيرة أوقفت آلة الحرب لبضع ساعات. وخلال الحرب العالمية الثانية واحتلال ألمانيا لأوكرانيا، خاض لاعبو نادي دينامو كييف (تحت اسم فريق البدء “Start”) )مباراة ضد فريق من الطيارين والجنود الألمان. ورغم تهديدهم بالقتل في حال الفوز، انتصر اللاعبون الأوكرانيون بشرف، مما أدى إلى اعتقال بعضهم وإعدامهم لاحقاً، وتحولوا إلى رموز للمقاومة الوطنية.و تعد “حرب كرة القدم” Football War) )بين السلفادور وهندوراس المثال الأبرز لتحول الرياضة إلى شرارة حرب حقيقية. حيث كانت الأوضاع السياسية والحدودية متوترة جداً بين البلدين، وفجرت مباريات تصفيات كأس العالم 1969 بين المنتخبين أعمال شغب واسعة، تطورت سريعاً إلى غزو عسكري واشتباكات مسلحة استمرت لأربعة أيام وأدت إلى مقتل الآلاف.
4- كرة القدم والتنفيس عن الكبت الاجتماعي والسياسي
كان الأباطرة الرومان يرفعون شعار Panem et Circenses” (الخبز والألعاب) لتقديم طعام ومبارزات مجانية للشعب بهدف تشتيت انتباههم عن الأزمات السياسية والاقتصادية.ولعل نفس الدور أصبحت تقوم به مباريات كرة القدم التي تُتهم أحياناً بلعب نفس الدور؛ حيث تُستغل البطولات الكبرى والمباريات الحماسية لشغل الجماهير وتفريغ شحناتهم العاطفية والسياسية داخل المدرجات بدلاً من الشارع. إذ تعد مباريات كرة القدم في العصر الحديث واحدة من أكبر صمامات الأمان الاجتماعي والسياسي، حيث تحولت المدرجات إلى ساحات بديلة ومحمية تتيح للجماهير التنفيس عن الكبت، وضغوط الحياة، والإحباطات السياسية بطريقة جماعية وصاخبة لا تسمح بها القوانين في الفضاءات العامة الأخرى. حيث يلعب المستطيل الأخضر ومدرجاته دور “المُعالج النفسي والسياسي” للجماهير عبر عدة آليات:
– تفريغ الشحنات العاطفية والكبت الاجتماعي والهروب من الواقع المأزوم حيث توفر مباراة كرة القدم (لمدة 90 دقيقة) ملاذاً مؤقتاً ينفصل فيه المشجع عن همومه اليومية، وضغوطه الاقتصادية، ومشاكله الشخصية. فالملعب هو المكان الوحيد الذي يمنح الفرد “رخصة اجتماعية” للصراخ، والقفز، والبكاء، والشتام، والتعبير عن الغضب العارم دون أن يتعرض للوم الاجتماعي أو يُنظر إليه كشخص مضطرب. هذا التنفيس الجماعي يقلل من مستويات التوتر والقلق المتراكم داخل المجتمعات.2
-المدرجات كـ “منبر سياسي بديل” (صوت من لا صوت له) من خلال الشعارات والأهازيج الملتزمة. ففي الدول التي تشهد تضييقاً على حرية التعبير أو غياباً للمنابر السياسية الحرة، تتحول مدرجات “الألتراس” إلى برلمانات شعبية مفتوحة. حيث يطلق المشجعون أغاني جماعية ذات دلالات سياسية واجتماعية عميقة تنتقد الفساد، والبطالة، والظلم الاجتماعي (مثل الأغنية الشهيرة لجمهور الرجاء المغربي “في بلادي ظلموني”، أو أغاني جماعية أخرى في تونس، ومصر، وأمريكا اللاتينية).حيث يصعب على الأجهزة الأمنية في كثير من الأحيان اعتقال أو معاقبة آلاف الأشخاص الذين يغنون نفس الشعار السياسي في نفس اللحظة، مما يمنح الفرد شعوراً بالأمان والقوة وسط الحشد (سيكولوجية الجماهير).
– كرة القدم كأداة لإلهاء الشعوب: فتاريخياً، ومنذ عهد الرومان، استغلت السلطات السياسية الرياضات الكبرى لتشتيت انتباه الرأي العام عن الأزمات الكبرى، أو القرارات الاقتصادية الصعبة، أو قضايا الفساد. حيث يُشغل المجتمع ببطولة كروية أو بمباراة ديربي حاسمة لتفريغ طاقته الغاضبة في صراع كروي بدلاً من توجيهها نحو الاحتجاج السياسي.
– تعويض الفشل القومي بالانتصار الرياضي: فنظرا لما تعانيه بعض الشعوب من إحباطات سياسية أو اقتصادية أو تراجع في مكانتها الدولية، تمنح كرة القدم “انتصارات وهمية أو بديلة”؛ فعندما يفوز المنتخب الوطني على دولة كبرى، تشعر الجماهير بـ نشوة الانتصار التاريخي واستعادة الكرامة، وكأنها انتصرت في معركة حقيقية، مما يرمم جزءاً من الانكسار النفسي الجماعي. إذ تُعد كرة القدم اليوم أقوى أداة لـ “الهندسة النفسية للشعوب”، حيث تمتلك القدرة على تحويل المستطيل الأخضر إلى ساحة حرب بديلة ومضمونة النتائج، تمنح الشعوب المهزومة عسكرياً أو الضعيفة سياسياً “انتصارات تعويضية” تداوي بها انكسارها النفسي وتستعيد عبرها كبرياءها الجريح. حيث يرى علماء الاجتماع السياسي أن هذه الانتصارات الكروية تعمل كآلية دفاع نفسي جماعي عبر عدة صور تاريخية فبعدما هُزمت الأرجنتين عسكرياً أمام بريطانيا في “حرب جزر الفوكلاند”، وتسبب ذلك في جرح وطني عميق للأرجنتينيين ، قاد الأسطورة دييجو مارادونا الأرجنتين للفوز في ربع نهائي كأس العالم في سنة 1986 بهدفين تاريخيين على المنتخب الإنجليزي (منهما هدف “يد الله” والهدف الأسطوري الآخر). مما كان له أثر نفسي وتعويضي كبير. فقد كتب كتب مارادونا في سيرته الذاتية: “لقد كانت مباراة حرب، كنا نلعب من أجل أمهات الضحايا الأرجنتينيين، لقد هزمنَا دولة وليس مجرد فريق كرة قدم”. كان هذا الانتصار الرياضي تعويضاً وجدانياً كاملاً عن الهزيمة العسكرية.
-إثبات الوجود ومقارعة القوى العظمى وتعديل ميزان القوى: ففي السياسة الدولية، عادة ما تتحكم الدول الكبرى بالاقتصاد والقرار السياسي، وتجد الدول الصغيرة أو النامية نفسها تابعة ومهمشة. لكن داخل الملعب تكسر كرة القدم هذا التسلسل الهرمي؛ فداخل الملعب تتساوى الفرص (11 لاعباً ضد 11 لاعباً). وبالتالي ،فعندما ينجح منتخب من العالم النامي أو دولة تعاني من حصار وسياسات دولية مجحفة في هزيمة دولة عظمى (مثل فوز الجزائر على ألمانيا 1982، أو السنغال على فرنسا 2002)، تنفجر فرحة عارمة تتجاوز الرياضة، لأن الشعوب تشعر أنها انتزعت اعترافاً دولياً وهزمت جلادها السياسي في ساحة عادلة. إذ تمنح الانتصارات الكروية الأنظمة والشعوب على حد سواء فرصة لرفع الأعلام والنشيد الوطني بكبرياء أمام شاشات العالم، وهو ما يعوض غياب هذا الثقل أو التأثير في المحافل السياسية والاقتصادية الدولية (مثل هيئة الأمم المتحدة أو قمم المناخ والاقتصاد). حيث يصبح الفوز باللقب أو إقصاء دولة كبرى بمثابة “إعلان سيادة” ورفعة وكرامة وطنية مجانية وسريعة المفعول. لذلك، فإن كرة القدم هي الساحة الوحيدة التي تتيح “لداود أن يهزم جالوت” في العصر الحديث، مما يجعلها متنفساً سيكولوجياً لا غنى عنه للشعوب التي تعاني من انكسارات على أرض الواقع المعاش.
– ترميم الهوية الوطنية المتشظية: فقد كان العراق في عام 2007 يعيش ذروة حرب أهلية طائفية طاحنة، وتمزقاً سياسياً واجتماعياً كاملاً تحت وطأة الاحتلال والاضطرابات.لكن بمجرد نجاح المنتخب العراقي (الذي كان يضم لاعبين من كافة الطوائف والمكونات) في تحقيق معجزة الفوز بكأس أمم آسيا 2007، خرجت الملايين في شوارع بغداد والمدن الأخرى للاحتفال معاً تحت علم واحد. وعوّض هذا الكأس الشعب العراقي عن غياب الدولة والأمان، ووفر “لحظة وحدة وطنية” عجزت عنها كل التوافقات والحلول السياسية والعسكرية لسنوات.4
. قناع “السيادة الوطنية” المؤقت لذلك، لم تعد كرة القدم مجرد لعبة ترفيهية، بل هي أداة توازن سيكولوجي وسياسي خطيرة؛ يراها علماء الاجتماع وسيلة ذكية لامتصاص الغضب الشعبي ومنع الانفجارات الاجتماعية، بينما تراها الشعوب مساحتها الحرة الأخيرة للتعبير والوجود.
– صناعة الأبطال والنجومية: فكما كان المبارزون الرومان (رغم كونهم عبيداً في الأصل) يتحولون عند الفوز إلى أبطال شعبيين تُنحت تماثيلهم وتُكتب بأسمائهم الأشعار. تكرر كرة القدم نفس الظاهرة؛ حيث يتحول اللاعبون إلى نجوم عالميين يتمتعون بنفوذ وشهرة وثروات هائلة، ويُنظر إليهم كـ “محاربين” يدافعون عن شعار النادي أو الوطن . فتحول لاعبي كرة القدم المنحدرين غالبا من أحياء فقيرة ومنحدرات قاسية إلى نجوم وأبطال عالميين يعتبر كأحد أقوى الأسباب النفسية التي تجعل هذه اللعبة معشوقة الجماهير. فهي تمثل تجسيداً حياً لـ “الحلم الأمريكي” ولكن بنسخة كروية عالمية، حيث تُثبت اللعبة للشعوب أن الموهبة والجهد يمكنهما كسر الحواجز الطبقية والاجتماعية التي تعجز السياسة عن كسرها. وهكذا يتحول هؤلاء اللاعبون إلى “أيقونات وأبطال شعبيين” عبر عدة أبعاد سيكولوجية واجتماعية:
– اللعبة كـ “مصعد اجتماعي” وحيد في المجتمعات التي تعاني من الفقر والبطالة، حيث تكون فرص الصعود الطبقي عبر التعليم أو التجارة شبه مستحيلة بسبب المحسوبية أو غياب الفرص. لتأتي كرة القدم كـ “مصعد اجتماعي عادل وسريع”؛ فالكشّافون والأندية لا يكترثون بخلفية اللاعب العائلية أو رصيده البنكي، بل بمهارته فقط داخل الملعب. فنجاح لاعب واحد في الانتقال من الفقر المدقع إلى الثراء الفاحش (مثل دييجو مارادونا في عشوائيات بوينس آيرس، أو كريستيانو رونالدو في ماديرا، أو نيمار في البرازيل) يمنح ملايين الأطفال في الأحياء الشعبية أملاً حقيقياً في تغيير واقعهم.
– التوحد النفسي مع البطل (Identification) ) حيث تعشق الجماهير هؤلاء النجوم لأنهم “يشبهونهم”. فعندما يرى مشجع من حي فقير لاعباً عالمياً يتحدث بنفس لهجته، وله نفس ملامحه، وذاق نفس مرارة الجوع والحرمان في طفولته، فإنه لا يرى فيه مجرد لاعب، بل يرى فيه نفسه محققة للنجاح.ففوز هذا اللاعب بالبطولات وتحقيقه للمجد يُترجم نفسياً لدى المشجع البسيط على أنه “انتصار شخصي له ولطبقته الاجتماعية” ضد الأثرياء والنخب.
. -أساطير معاصرة وقصص ملهمة (الميثولوجيا الحديثة) حيث تتحول مسيرة هؤلاء اللاعبين إلى ما يشبه قصص الأساطير القديمة التي تتناقلها الأجيال، ومن أبرز الأمثلة:ساديو ماني (السنغال): الذي هرب من قريته الصغيرة “بامبالي” دون حذاء، ليصبح بطلاً لأوروبا، لكنه لم ينسَ أصله، فقام ببناء مستشفيات ومدارس وبنية تحتية كاملة لقريته، مما جعله بطلاً قومياً حقيقياً يتجاوز وصفه كلاعب كرة.وأشرف حكيمي الذي صرح علناً وبافتخار بأن والدته كانت تنظف البيوت ووالده كان بائعاً متجولاً في مدريد ليوفرا له ثمن حذاء رياضي. حيث تحول حكيمي إلى أيقونة للبر بالوالدين والكفاح، والتقاطه الصور مع والدته في كأس العالم قطر 2022 لمس قلوب الملايين حول العالم وأعطى درساً في الوفاء للجذور.
-.تكسير نرجسية النخب السائدة ، حيث تمنح كرة القدم أبناء الطبقات الكادحة والمسحوقة نفوذاً وسلطة يعجز أعتى رجال الأعمال عن شرائها؛ فعندما يقف رئيس دولة أو ملك ليصافح لاعباً نشأ في أحياء قصديرية وينحني لتقليده وساماً رفيعاً، تشعر الجماهير بنوع من العدالة الإلهية المؤقتة، حيث تفرض الموهبة النظيفة احترامها على الجميع. لذلك، فإن اللاعبين الذين خرجوا من رحم المعاناة هم الذين يملكون الرصيد الأكبر من الحب الجماهيري الجارف؛ لأنهم يمثلون “الأمل” في أن المستحيل يمكن ركله وتغييره بالقدم.
وعموما ، تعد كرة القدم في العصر الحديث أكثر من مجرد لعبة رياضية؛ إنها ظاهرة جيوسياسية واجتماعية معقدة تختزل بداخلها صراعات البشرية وغرائزها، وتعمل كمرآة تعكس القوة والنفوذ خارج حدود المستطيل الأخضر. حيث يمكن تلخيص هذا العمق الحركي، والنفسي، والسياسي للعبة في ثلاثة أبعاد رئيسية:
أولا : العمق الحربي (المعركة البديلة السلمية)محاكاة الحروب: حيث تتبنى كرة القدم بنية هندسية وتكتيكية مستوحاة من الحروب والمبارزات الرومانية القديمة (مثل التصميم الدائري للملاعب الشبيه بالكولوسيوم لفرض الضغط النفسي وعزل المحاربين).ويُترجم هذا البعد من خلال “قاموس عسكري” كامل يطغى على التحليل والتعليق (هجوم، دفاع، قذائف، اختراق الخطوط، معركة خط الوسط، جنرال، قناص).كما أثبت التاريخ أن اللعبة قد تكون امتداداً لصراعات مسلحة، أو ساحة لرد الاعتبار ومداواة الانكسارات الوطنية عسكرياً وسياسياً (مثل مباراة الأرجنتين وإنجلترا 1986 بعد حرب الفوكلاند)، مما يجعلها “حرباً ديمقراطية شريفة” تُسفك فيها العزيمة بدل الدماء.
ثانيا :. البعد التنفيسي والمعالج السيكولوجي: حيث تمنح الملاعب الجماهير رخصة اجتماعية نادرة لتفريغ الكبت، والضغط الاقتصادي، والإحباط اليومي عبر الصراخ والتشجيع الجماعي الصاخب. كما تتحول مدرجات الأندية (خاصة مجموعات الألتراس) إلى منابر سياسية حرة للتعبير عن مطالب الشعوب وتوجيه انتقادات للفساد أو الأوضاع الاجتماعية عبر أهازيج ملتزمة تعجز الفضاءات العامة الأخرى عن استيعابها.بالاضافة إلى ذلك تقدم اللعبة ترياقاً لليأس التنموي؛ فتحوّل اللاعبين من أحياء فقيرة وعشوائية إلى أساطير عالميين (مثل مارادونا، ماني، أو حكيمي) يرسخ فكرة “العدالة والمساواة بناءً على الموهبة”، ويعطي ملايين الشباب أملاً حياً في الصعود الطبقي.
ثالثا : القوة الناعمة وسلاح الدول في التنافس الدولي وإعادة تشكيل الصورة الذهنية (Nation Branding): ) حيث تستخدم الدول كرة القدم لإعادة تسويق هويتها وقيمها للعالم. فتنظيم البطولات الكبرى (مثل كأس العالم) أو الاستثمار الضخم في شراء الأندية الأوروبية الكبرى يمنح الدول نفوذاً سياسياً وثقافياً واقتصادياً هائلاً يتجاوز قوتها العسكرية التقليدية. كما يمنح الانتصار الرياضي الدول الصغيرة أو النامية فرصة لفرض احترامها وعزف نشيدها الوطني برأس مرفوع أمام القوى العظمى، مما يجعل المستطيل الأخضر المساحة الوحيدة في العالم التي تتساوى فيها موازين القوى (11 لاعباً ضد 11 لاعباً) بعيداً عن الهيمنة السياسية.
من هنا نستخلص بأن كرة القدم هي “السياسة الحربية” في ثوبها السلمي الأكثر ذكاءً؛ فهي تتيح للشعوب المتنافسة أن تتقاتل وتنتصر، وللجماهير الكادحة أن تصرخ وتتنفس، وللدول الطموحة أن تهيمن وتكسب النفوذ، كل ذلك دون إطلاق رصاصة واحدة.





تعليقات الزوار ( 0 )