عزز المغرب، في الآونة الأخيرة، حضوره في منطقة الساحل الأفريقي من خلال مقاربة دبلوماسية وتنموية تقوم على بناء الشراكات وتوسيع مجالات التعاون في مجالات البنية التحتية والتكوين الديني والوساطة السياسية، في سياق إقليمي يشهد تحولات متسارعة.
ووفق ما أوردته مجلة “جون أفريك”، فإن التحركات المغربية في منطقة الساحل باتت تعكس تقاطعا متزايدا مع توجهات دول تحالف دول الساحل، في ظل إعادة تشكيل موازين النفوذ بعد تراجع أدوار تقليدية لعدد من القوى الخارجية في المنطقة.
وتشير المعطيات إلى أن الرباط تعتمد استراتيجية قائمة على أدوات غير عسكرية، من خلال الاستثمار في المشاريع التنموية وتعزيز شبكات التعاون الديني والتعليمي، إلى جانب لعب أدوار وساطة في بعض الملفات الإقليمية.
ويبرز هذا النهج في علاقات المغرب مع دول مثل مالي، التي سجلت تطورا في مواقفها السياسية المرتبطة بقضايا إقليمية حساسة.
واستنادا إلى المصادر ذاتها، فإن هذه الدينامية تأتي في إطار توجه أوسع للمغرب نحو تعميق حضوره داخل القارة الأفريقية، عبر نموذج يركز على التدرج في بناء النفوذ وتوسيع الروابط الاقتصادية والدبلوماسية بدل الاعتماد على أدوات القوة الصلبة، في بيئة إقليمية تتسم بتعدد الفاعلين وتغير التحالفات.
وتراهن المملكة المغربية على مشروع استراتيجي ضخم يعرف بـ”المبادرة الأطلسية”، يهدف إلى ربط دول الساحل الإفريقي المحاصرة جغرافيا بالمحيط الأطلسي عبر إقليم الداخلة، في خطوة لا تقتصر على البُعد الاقتصادي فقط، بل تمضي عميقًا نحو ترسيخ السيادة المغربية على الصحراء وتعزيز نفوذ الرباط كقوة إقليمية صاعدة.
ويقوم المشروع، الذي أعلنه الملك محمد السادس نهاية 2023، على إنشاء ميناء “الداخلة الأطلسي” بمنطقة “الگرݣوب”، باستثمار يناهز 1.3 مليار دولار، ويوفر منفذا بحريا حيويا لكل من مالي، بوركينا فاسو، والنيجر، وهي دول عانت في السنوات الأخيرة من انقلابات عسكرية، وانهيار الثقة في الشركاء التقليديين، وتوترات متزايدة مع المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (ECOWAS) والاتحاد الإفريقي.
ويأتي هذا المشروع في وقت تعيش فيه منطقة الساحل تقلبات عميقة، بعد أن اختارت الأنظمة العسكرية الجديدة في مالي وبوركينا فاسو والنيجر الانفصال عن المحور الفرنسي والانفتاح على شركاء جدد، أبرزهم روسيا والمغرب.
وجاءت هذه التحولات عقب فشل باريس في القضاء على الجماعات الجهادية المسلحة، واضطرارها إلى سحب قواتها من قواعدها هناك.
وفي ظل العقوبات الاقتصادية التي فرضتها كل من ECOWAS والاتحاد الإفريقي على هذه “الثلاثية العسكرية”، ظهرت الرباط بسرعة كحليفٍ غير متوقع.
فقد وصف وزير خارجية النيجر، بكاري ياوو سانغاري، المشروع المغربي بأنه “نعمة إلهية”، مضيفا خلال زيارته للرباط قبل سنة:”وجدنا في المغرب تفهما ودعما عندما كانت دول المنطقة تستعد لإعلان الحرب ضدنا”.
ويسعى المغرب من خلال هذه المبادرة إلى التموقع كجسر استراتيجي بين أوروبا والساحل الإفريقي، وفقا لما تؤكده أستاذة العلاقات الدولية في جامعة الرباط الدولية، بياتريس ميسا، التي ترى في الخطوة استثمارا ذكيا في فشل الغرب في تأمين المنطقة.
كما يشير التقرير إلى أن المشروع يحظى بدعم سياسي واقتصادي من قوى دولية وازنة، على رأسها الولايات المتحدة، فرنسا، ودول الخليج، ما يعزز إمكانية تأمين تمويلات كبرى تسرّع التنفيذ.
ورغم الزخم السياسي، إلا أن تحويل المشروع من فكرة إلى واقع لا يزال يواجه تحديات بنيوية ضخمة، أبرزها غياب شبكة طرق وسكك حديدية تربط المغرب عبر الصحراء بموريتانيا ثم مالي والنيجر وصولا إلى تشاد، في مسار يفوق طوله 3,000 كيلومتر.
ويقدر المعهد المغربي للاستخبارات الاستراتيجية تكلفة الممر البري وحده بحوالي مليار دولار إضافية. كما يحذر الخبراء من أن التهديدات الأمنية المتواصلة في الساحل، ووجود جماعات مسلحة كتنظيم “القاعدة” و”داعش”، قد يعرقلان السير المنتظم للمبادرة، أو يجعل استدامتها صعبة.
ولا تغيب السياسة عن هذا المشروع، خاصة في ظل الانتقادات المستمرة من الجزائر والبوليساريو، اللذَين يعتبران المبادرة محاولة لتكريس “الاحتلال المغربي للصحراء”، فيما تصر الرباط على أنها جزء من رؤية تنموية لتثبيت الأمن والسلام والاستقرار في المنطقة.
وقد استهدفت عناصر من جبهة البوليساريو، في وقت سابق، أجزاء من الطريق البري الرابط بين الصحراء وموريتانيا، في محاولات للتشويش على تقدم المشروع، وهو ما دفع المغرب إلى تشديد إجراءاته الأمنية في المعبر الحدودي الكركرات.




تعليقات الزوار ( 0 )