ليس معرض الرباط الدولي للنشر والكتاب مجرد تظاهرة ثقافية تُضاف إلى رزنامة المواسم، بل هو لحظة اختبار لصلابة العلاقة بين الإنسان والكتاب في زمنٍ يُغري بالاستغناء عنه. ففي الوقت الذي تتكاثر فيه الوسائط الرقمية، وتتسارع فيه الأجوبة الجاهزة التي تنتجها الخوارزميات، يعود المعرض ليطرح سؤالًا عميقًا: هل ما يزال الكتاب ضرورة معرفية أم أصبح أثرًا من الماضي؟
إن الجواب لا يُبنى على الحنين، بل على التحليل. فالكتاب، في أصله، ليس وسيطًا لنقل المعلومات فقط، بل هو بنيةٌ معرفيةٌ قائمة بذاتها، تؤسس للثقة، وتضبط الفهم، وتبني الوعي. ومن هنا نفهم أن أول خطاب وُجِّه إلى الإنسان في الوحي لم يكن أمرًا بالفعل أو بالامتثال، بل كان أمرًا بالقراءة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، ثم جاء التأكيد على أن العلم لا ينفصل عن أداة حفظه وتدوينه: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾، ليترسخ أن الكتابة والكتاب ليسا مجرد وسيلة، بل هما جزء من ماهية العلم ذاته. فحين يُستدعى “الكتاب” في القرآن، يُستدعى بوصفه مرجعيةً وميزانًا: ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، أي أنه وعاء اليقين لا وعاء الاحتمال.
ومن هذا المنطلق، فإن حضور الكتاب الورقي اليوم لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه بقاءً عاطفيًا أو نوستالجيًا، بل بوصفه استمرارًا لوظيفة لا تزال قائمة. فالكتاب الورقي يحقق ما لا تحققه الوسائط السريعة: يمنح القارئ زمنًا للتفكير، ويؤسس لعلاقةٍ حميمة بين الإنسان والنص، حيث لا تكون القراءة استهلاكًا عابرًا، بل مصاحبةً ومساءلةً واستعادة. إن الصفحة الورقية ليست مجرد سطحٍ مكتوب، بل فضاءٌ يُدرَّب فيه العقل على التدرج، وتُربّى فيه النفس على الصبر، ويُعاد فيه تشكيل الوعي بعيدًا عن ضغط اللحظة.
وقد تنبّه الفكر العربي القديم إلى هذه الوظيفة، حين جعل الجاحظ من الكتاب “جليسًا لا يُطريك، وصاحبًا لا يُغريك”، فهو لا يبيعك وهمًا، ولا يفرض عليك رأيًا، بل يفتح لك مجال النظر. وفي الفكر العربي المعاصر، نجد لدى مفكرين كعبد الله العروي تأكيدًا على أن الكتاب هو الأداة التي تُمكّن من بناء الوعي التاريخي، إذ لا يمكن فهم التحولات دون الرجوع إلى نصوص مؤصلة تُقرأ في سياقها، لا في اختزالها.
أما من جهة علم الاجتماع الثقافي، فإن الكتاب يُعد عنصرًا مركزيًا في ما يمكن تسميته بـ“أنسنة المعرفة”. فالوسائط الرقمية، رغم سرعتها واتساعها، تُنتج معرفةً مجزأة، بينما يُنتج الكتاب معرفةً متماسكة، لها بداية ونهاية، ومقدمات ونتائج، وسياق يضبطها. وهذا ما يجعل القراءة الورقية فعلًا يُعيد للإنسان توازنه المعرفي، في عالمٍ يختزل المعرفة في شذرات متفرقة.
وفي هذا الإطار، يكتسب معرض الرباط الدولي للكتاب أهمية خاصة. فهو ليس مجرد فضاء لعرض الإصدارات الجديدة، بل هو مناسبة لإعادة الاعتبار لفعل القراءة بوصفه فعلًا حضاريًا. إن الإقبال الكبير الذي يعرفه المعرض يعكس أن المجتمع المغربي، ومعه القارئ العربي، لا يزال يرى في الكتاب أداة للفهم، لا مجرد سلعة. كما أن تنوع المشاركات الدولية، وتعدد الندوات واللقاءات الفكرية، يجعل من المعرض منصة لتبادل الرؤى، ومجالًا لتدافع الثقافات، لا لإلغائها.
وإذا استحضرنا تعريف الثقافة كما ورد في إعلان مكسيكو لليونسكو سنة 1982، حيث تُعرّف الثقافة بأنها “مجموعة السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية التي تميز مجتمعًا، وتشمل الفنون والآداب وأنماط الحياة ومنظومات القيم والتقاليد والمعتقدات”، فإن الكتاب يظهر بوصفه الحامل الأبرز لهذه السمات. فالثقافة لا تُحفظ إلا بالنص، ولا تُنقل إلا بالكتاب، ولا تُناقش إلا بالقراءة.
غير أن أهمية المعرض تتضاعف حين نضعه في سياق الأزمات التي يعيشها العالم العربي. فالمثقف العربي اليوم يقف أمام تحولات عميقة، تتعلق بالسياسة والهوية والمرجعية، في ظل صعود تيارات عابرة للحدود لا تؤمن بخصوصيات الثقافات، بل تدفع نحو نماذج كونية قد تذيب الفوارق بدل أن تُثريها. وهنا يصبح الكتاب ضرورةً لا ترفًا، لأنه الأداة التي تمكّن من قراءة هذه التحولات قراءةً نقدية، تستند إلى أصول ومبادئ، لا إلى انفعالات آنية.
إن معرض الرباط، في هذا المعنى، ليس حدثًا عابرًا، بل هو تعبير عن مقاومة هادئة: مقاومة اختزال المعرفة، ومقاومة تسليع الثقافة، ومقاومة إلغاء الخصوصيات. وهو في الوقت نفسه دعوة مفتوحة إلى إعادة بناء العلاقة مع الكتاب، لا بوصفه بديلاً عن التكنولوجيا، بل بوصفه أصلًا تُبنى عليه كل معرفة جادة.
وعليه ، يمكن القول إن الكتاب، مهما تغيرت الوسائط، سيبقى ضرورة معرفية وأنثروبولوجية. فالعقل الذي لا يقرأ، يضعف؛ والذاكرة التي لا تُوثق، تضيع؛ والثقافة التي لا تُدوَّن، تذوب. ومن هنا، فإن معرض الرباط الدولي للكتاب ليس احتفاءً بالكتاب فقط، بل احتفاء بالإنسان القارئ، وبقدرته الدائمة على أن يبحث، وأن يفهم، وأن يعيد بناء العالم من خلال صفحة.






تعليقات الزوار ( 0 )