يُعدّ كتاب Muhammad and the Empires of Faith للباحث الأمريكي Sean W. Anthony مساهمة أكاديمية بارزة في تجديد دراسة التاريخية النبوية ونشأة الإسلام في سياقها المتوسطي الواسع. صدر الكتاب سنة 2020 عن University of California Press، ويقترح مقاربة نقدية تسعى إلى تجاوز ثنائية القبول المطلق أو الرفض الجذري للمصادر الإسلامية المبكرة، عبر إدراجها ضمن الإطار الثقافي والسياسي للعصور المتأخرة.
يعكس عنوان الكتاب تركيزًا مزدوجًا: من جهة، البحث في شخصية محمد التاريخية، ومن جهة أخرى، دراسة “إمبراطوريات الإيمان” التي شكّلت الفضاء الديني والسياسي المحيط بظهور الإسلام، وعلى رأسها الإمبراطوريتان البيزنطية والساسانية، إلى جانب التيارات اليهودية والمسيحية في الشرق الأدنى. بهذا الطرح، يتحدى أنتوني السرديات التي تعزل نشأة الإسلام عن محيطه الإمبراطوري، مؤكّدًا أن البدايات الإسلامية تشكّلت في حوار وتفاعل عميقين مع تلك العوالم.
الركيزة المنهجية الأساسية للكتاب تقوم على المقارنة بين المصادر الإسلامية (السيرة، المغازي، التقاليد المبكرة) والمصادر غير الإسلامية (السريانية والبيزنطية وغيرها). ويرى المؤلف أن قراءة هذه النصوص في توازٍ، بدل عزلها عن بعضها، تسمح بإعادة تركيب أكثر دقة لعالم القرن السابع في شبه الجزيرة العربية وشرق المتوسط. كما يدمج القرآن، والروايات العربية، والشهادات المعاصرة ضمن شبكات الفكر والثقافة في العصور المتأخرة، واضعًا السيرة ضمن سياقها التاريخي الأوسع.
يتوقف الكتاب عند أقدم الأدلة المتوفرة حول حياة النبي قبل تدوين السير الموسعة، محللًا النقوش، والمصادر الخارجية، والروايات الإسلامية الأولى. ويواجه إشكالية الفاصل الزمني بين الأحداث وتدوينها، داعيًا إلى إعادة تقييم افتراضات سابقة حول مسألة المصداقية الزمنية، دون الوقوع في نزعة إنكارية شاملة.
أحد أهم محاور العمل هو التمييز بين إعادة البناء التاريخي والطبقات السردية اللاحقة ذات الطابع الرمزي أو اللاهوتي. يسعى أنتوني إلى مقاربة متوازنة تُقرّ بقيمة المصادر الإسلامية، مع إخضاعها لتحليل نقدي يأخذ في الاعتبار سياقات تدوينها وتحولاتها. وبهذا، يقدم نموذجًا يتفادى التطرف بين الشك الراديكالي والقبول التقليدي.
يضع المؤلف النبي محمد ضمن شبكات التجارة والسياسة والإمبراطوريات، لا باعتباره معزولًا عن محيطه، بل فاعلًا ضمن عالم متشابك. ويبرز كيف أن التوسعات الإسلامية الأولى تفاعلت مع البنى البيزنطية والساسانية القائمة، في مسار تداخلت فيه الديناميات الدينية مع التحولات الإمبراطورية.
كما يفكك الكتاب فكرة أن الإسلام كان تطورًا عربيًا صرفًا، مبرزًا أثر التفاعلات العابرة للثقافات في صياغة الذاكرة المبكرة عن حياة محمد. وبهذا، يوسّع أفق دراسة أصول الإسلام ليشمل التداخل الحضاري بين العرب وجيرانهم.
ويخصص أنتوني حيزًا مهمًا لتحليل تدوين السيرة والمغازي في القرنين الثامن والتاسع، مبرزًا تأثير التحولات السياسية والثقافية، خاصة في العصر العباسي، على كيفية صياغة الرواية النبوية وحفظها. فالسيرة، بحسب هذا الطرح، ليست مجرد سجل أحداث، بل نتاج تفاعل بين الذاكرة الدينية والظرف السياسي والأدبي.
يتجاوز الكتاب تقديم سيرة تقليدية، ليغدو بيانًا منهجيًا حول طبيعة البحث التاريخي ذاته. يدعو المؤلف إلى “قراءة جانبية” عابرة للمصادر والحقب، تأخذ بعين الاعتبار السياق الأدبي ونوع النص وشبكة الإحالات المتبادلة. وهو لا يدّعي حسم كل الجدل حول أصول الإسلام، لكنه يقترح إطارًا أكثر نضجًا لتفسير الأدلة وتعزيز الحوار الأكاديمي.
على المستوى الفلسفي، يبرز العمل العلاقة المعقدة بين التاريخ والذاكرة، وبين الشخصية التاريخية والصورة التي تبنيها عنها الأجيال اللاحقة. فالسيرة، كما يلمح أنتوني، لا تنفصل عن الإمبراطوريات والثقافات التي حفظتها وأعادت تشكيلها.
نبذة عن المؤلف
يشغل شون ويليام أنتوني منصب أستاذ مشارك في لغات وثقافات الشرق الأدنى بجامعة ولاية أوهايو، ومتخصص في التاريخ الإسلامي المبكر ودراسات العصور المتأخرة. عُرف بأبحاثه التي تجمع بين تحليل المصادر العربية وغير العربية، وبسعيه إلى إدراج التاريخ الإسلامي ضمن سياقه الإمبراطوري والثقافي الأوسع. أسهم في عدد من المجلات العلمية، ويُنظر إليه كأحد الأصوات البارزة في تجديد المنهج التاريخي في الدراسات الإسلامية المعاصرة، عبر مقاربة نقدية متوازنة تتجنب القطعيات وتفتح أفقًا لحوار علمي رصين.





تعليقات الزوار ( 0 )