أعادت العملية الأخيرة التي على إثرها فككت أجهزة الأمن المغربية خلية إرهابية تابعة لتنظيم داعش في منطقة الساحل، التنبيه على خطورة الإرهاب بالنسبة للأمن القومي المغربي، فرغم الضربات القوية التي تلقتها أغلب مراكز التنظيمات الإرهابية على المستوى الدولي، والتفكيك الواسع النطاق للخلايا الإٍرهابية على المستوى الوطني في السنوات الأخيرة، فإن هذه العملية أثبتت أن خطر الإرهاب لا يزال قائما.
هذه النتيجة التي ثبتت من خلال الخلية الخطيرة التي جرى تفكيكها في المغرب، سواء على مستوى المعدات، أو التنظيم، أو مستوى التخطيط، هي نفسها التي ثبتت في مناطق أخرى عبر العالم، حيث راح في العام الماضي فقط وإلى حدود الربع الأول من هذا العام، آلاف القتلى من الأبرياء كضحايا للعمليات الإرهابية في جنوب وغرب آسيا، خاصة في باكستان وإيران.
في هذا السياق، لا تكشف هذه الخلية عن المستوى المتقدم في التنظيم والتخطيط وحسب، ولكنها تبين أيضا حجم القدرة على الإسقطاب الذي تتميز به التنظيمات الإرهابية في الساحة المغربية من خلالها عدد أعضائها المرتفع، والذي وصل لعشرة متهمين. فإذا كانت هناك خلية إرهابية من عشرة أشخاص تولت تنفيذ أجندات معينة بالتنسيق مع قيادة تنظيم داعش في الساحل، فإن هذا يعني أنه جرى اختيار العناصر بناء على معايير دقيقة من دائرة أوسع من المؤهلين للقيام بهذا النوع من العمليات، والذين بدورهم تم انتقائهم من دائرة أوسع نطاقا، وهذا يعني أننا أمام أعداد كبيرة من المتشبعين والمتأثرين بأفكار تنظيم داعش.
إن المقاربة الأمنية الإستباقية التي تنتهجها المؤسسات الأمنية في المغرب، لا ريب أنها أثبتت فعاليتها الكبيرة في حماية الأمن الداخلي للبلاد، ولكن محاربة الإرهاب الفعالة لا تقتصر على البعد الأمني الذي تتولاه الأجهزة، ولكنها تمتد لتشمل مساحات أخرى سياسية واجتماعية واقتصادية، تروم خلق البيئات غير المنتجة للإرهاب من خلال القضاء على الفقر، والتفاوتات الإجتماعية، والإرتقاء بالتربية والتعليم، وتوفير مختلف حقوق الإنسان الأساسية، والأكثر أهمية من ذلك هي المساحة الدينية والعلمية، حيث أثبتت التجارب السابقة في العديد من الحالات أن أعضاء الشبكات الإرهابية لا يعانون بالضرورة مشاكل مادية، وأنهم ذووا مستويات تعليمية مختلفة، ولكنهم يتبنون أفكار دينية خاطئة مستندة للتأويلات الفاسدة.
في هذا السياق، بذل المغرب مجهودات كبيرة على مستوى تجديد ومراقبة الخطاب الديني، وقد تجلى هذا من خلال عدد من البرامج والسياسات التي تنتهجها وزارة الأوقاف وغيرها من المؤسسات الدينية الرسمية، لكن هذه المجهودات تبين اليوم مع العدد الكبير للخلية التي تم تفكيكها، أنها غير كافية، وهي مسألة طبيعية، حيث أن أصول الفكر المتطرف تتسرب عبر وسائل مختلفة من كتب ومحاضرات مرئية ومسموعة وغيرها بشكل عادي، وتصل لمجموعات واسعة من الناس في بيئة إسلامية هشة تربويا وعلميا واجتماعيا. إنك لا تزال اليوم تجد فئات واسعة تنتقد بخطاب حاد بعض الممارسات العادية التي أصل لها العلماء الراسخون في العلم، وتعتبر ممارسات دينية عادية جدا من قرون خلت، وأصولها واضحة عقليا ودينيا، لكنهم ينبذونها بشكل صارم، ويكفرون بشكل علني، أو يتهمون بالشرك من يقوم بها، وخير دليل على ذلك، وأشهره، مسألة التبرك بمقامات الأولياء والصالحين، واتخاذ الأضرحة وما شاكل هذا من الأمور التي يهاجمها الفكر السلفي الوهابي، وهو ما يبين حجم الإنحراف والضلال الذي يتميز به هذا الفكر، فرغم أن هذه مسألة لها أدلتها الشرعية القاطعة التي فصلها المتخصصون، إلا أنها فضلا عن ذلك تنطوي على مغالطة كبيرة قائمة على القول بالفناء الكلي للروح بعد الموت وانعدام أثرها، وهذا لم يقل به أحد من العالمين من العقلاء وكبار الفلاسفة والمفكرين من سقراط وأفلاطون وأرسطو وصولا لابن سينا والفارابي وغيرهم، حيث قال أغلبهم بخلود الجوهر الروحاني، وأقاموا عليه الحجج والبراهين المفصلة، هذاعدى تطاول هذا الفكر المنحرف على الذات الإلهية المتعالية وقوله بالتجسيم صراحة، وهو ضلال بعيد، إلى غير ذلك من الأمثلة.
في هذا السياق، اتخذت هذه الفئات في السنوات الأخيرة سياسة تبني الخطاب الوطني، حيث إنك تجدهم يقولون بالوطنية على خلاف أسلافهم إلى عهد قريب، ولا يهاجمون بحدة الأنظمة السياسية التي كانوا بالأمس يكفرونها جملة وتفصيلا ويخرجونها من الملة، بل أصبحوا نظريا متصالحين معها إلى حد بعيد، وتحت هذين الغطائين يعملون بقوة على نشر الفكر المتطرف مستندين إلى نفس المصادر والمنابع التي يمتح منها تنظيم داعش، والتي تبقى متوفر ومتداولة في المواقع وفي المكتبات وما إلى ذلك، وهذا في النهاية يوفر قاعدة بشرية واسعة مؤهلة لتبني المخططات المتطرفة وتنفيذ الأجندات الخارجية بكل سهولة تحت شعارات دينية براقة. وإنه لا يمكن النجاح في القضاء على هذه القاعدة البشرية، إلا بتجفيف المصادر التي تصنعها وتؤطرها.
من ناحية أخرى، لا تنبع المسؤولية في محاربة هذا الفكر فقط من دواعي الأمن الداخلي، ولكنها تنبع أيضا من مسؤولية حماية الملة والدين، ومن ضرورة حماية الفئات الواسعة من أطفال وشباب ورجال هذه الأمة من الوقوع في الضلال، ومن أن يكونوا ضحايا لهذه التنظيمات الخطيرة التي تستخدمهم كحطب لتنفيذ الأجندات ذات البعد الإستراتيجي للقوى الدولية الكبرى والفاعلة في النظام الدولي، حيث أثبتت التجارب السابقة في أفغانستان وسوريا بشكل قاطع للناظرين ولأولي الألباب، أن صناعة الإرهاب هي عمل القوى الكبرى التي لا علاقة لها بالدين أصلا، وإنما محض حسابات استراتيجية، تستهدف خلق البيئات الملائمة لها. ففي أفغانستان، تمت صناعة الجماعات المتشددة ودعمها من قبل الولايات المتحدة وحلفائها في العالم الإسلامي بشكل علني لمحاربة الإتحاد السوفياتي سابقا، وعرقلة غزوه وسيطرته على هذه البقعة الإستراتيجية، وهو ما نجح بشكل باهر، حيث حاربت تلك الجماعات المخدوعة بالشعارات الدينية الإتحاد السوفياتي، وتلقت ضرباته بدل الولايات المتحدة، وأوقفت عملية الغزو، ثم لم تبرح الولايات المتحدة أن حلت محله في احتلال أفغانستان، فكانت هي المسيطر على تلك البلاد بأقل تكلفة. وفي الوقت الذي كانت ترفع فيه شعارات الجهاد في سبيل الله والشعارات البراقة، كان الجهاد في الحقيقة في سبيل المصالح الإستراتيجية الأمريكية.
أما في سوريا، فقد تم استعمال الجماعات المتشددة بشكل لم يسبق له مثيل، حيث حُشرت من مختلف أنحاء العالم، واستخدمت لتمزيق نسيج الدولة الوطنية في سوريا، وتمزيق الجيش السوري وإنهاكه، ثم بعد أن أدت المهمة بنجاح، نفت عنها الولايات المتحدة وحلفائها الصفة الإرهابية، ودفعوا بها إلى سدة الحكم، وخلعوا على أعضائها الصفات الرسمية لرجال الدولة، وهم كانوا بالأمس فقط أعضاء مطاردين ومشهورين بانتمائهم لتنظيم القاعدة وتنظيم داعش، وقد استهدفوا من ذلك بشكل أساسي تحييد أحد أعداء إسرائيل، وتمزيق محور المقاومة للوجود الصهيوني الذي كان ممتدا من بيروت حتى طهران كحلقات متصلة، وقطع خط الإمدادات عن المقاومة اللبنانية التي تقف سدا حتى لا تبتلع إسرائيل لبنان، بل أكثر من ذلك، استهدفوا توفير هامش عريض من الأمن والراحة لإسرائيل، حيث صرح الرئيسي الأمريكي دونالد ترامب مرارا، بأن مهمة محاربة المقاومة اللبنانية لإسرائيل والقضاء عليها، تقع على عاتق الجماعة التي وُضعت في سدة الحكم في سوريا. ومرة أخرى، في الوقت الذي رفعت فيه شعارات الجهاد في سبيل الله، والشعارات الدينية البراقة، كان الجهاد في حقيقته في سبيل الصهيوينة العالمية، والمصالح الأمريكية في المنطقة.
من جهة أخرى، تلعب الزوايا والمؤسسات الصوفية في المغرب دورا كبيرا في حفظ الأمن القومي، وخاصة من خطر الإرهاب، فهي بمناهجها الفريدة في السلوك والتربية، وبقدراتها التنظيرية العالية، والمستوى الرفيع للقائمين عليها في المحاججة، فهي تذيب جذور الفكر المتطرف، وتساهم في التأطير الديني الإيجابي والفعال على نطاق واسع، وتحمي استمرارية الإسلام كدين رسمي بأساليب فعالة وواقعية وملائمة للعصر، وهي في الوقت نفسه رأسمال معنوي ثمين للأمة المغربية، وقوة ناعمة مهمة، حيث تبقى بعض الزوايا المغربية رائدة على المستوى العالمي في تقديم صورة إيجابية عن البلاد، وفي الدعوة الإسلامية، وفي توسيع مساحات النفوذ الروحي وما إلى ذلك. لذلك فإن هذه المؤسسات يجب أن تحظى بالكثير من الدعم والرعاية والحماية من التفكك، فهي تبقى رقم مهم في معادلة الأمن القومي للمغرب، وحماية الملة والدين في ظل التحديات الراهنة.
وإضافة إلى هذا، فإنه مهما كانت محاربة التشدد والتطرف الديني مسألة مهمة وحيوية، فإنه لا يجب إغفال مسألة محاربة التشدد والتطرف اللاديني، فهذا الأخير هو عامل هدم خطير، وهو أيضا أحد العوامل الأساسية التي تذكي التشدد الديني وتفتح المجال للدعاية التي تمارسها التنظيمات المتشددة. فالتعرض للذات الإلهية المقدسة، والتعريض بالأنبياء والرسل والتطاول عليهم، والتعرض للكتب السماوية بمختلف أشكال الأذى والإستهزاء، ولمختلف الرموز الدينية بالسب والشتم وبما لا يليق، هي أمور غير مقبولة في المجتمعات المتحضرة، ولا يقوم بها إنسان عاقل، وهي مضرة كثيرا بالأمن القومي للدول ذات الشعوب الإسلامية، ومخالفة لمنطق الدولة. فحرية الفكر والتعبير لا تبيح السب والشتم والتعريض في هذا السياق، فالعقلاء يبحثون حقائق الأمور والأفكار في ظل الإحترام المتبادل بالبراهين والحجج المعقولة، وحينما تنزلق الأمور للسب والشتم وما إلى ذلك، فهذا يدل على كون الإنسان مريض يحتاج للإصلاح وإعادة التأهيل في مؤسسات خاصة للعيش في المجتمع البشري.
هذا، ويبقى من الناحية الإنسانية، أن المتشبعين بالفكر المتطرف، هم في الأغلب ضحايا في نهاية المطاف، فليس كل الناس لديهم القدرة والوقت للجلوس وتفكيك الخطابات المختلفة والبحث في حقائق الأمور، لذلك يسهل استقطابهم بالشعارات، وعليه تبقى مسألة احترام الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة بمعاييرها العالمية مسألة مهمة جدا، بحيث لا يظلم أحد، ولا تخرج الأمور عن سياقها وتنزلق نحو أمور أخرى، هذا فضلا عن بذل الجهود في إصلاح الضحايا وإعادة تأهيلهم ليكونوا أعضاء صالحين ومنتجين في المجتمع.
باحث في الدراسات السياسية والقانونية






تعليقات الزوار ( 0 )