لا يبالغ من يرى أن المقاهي في المغرب تحولت إلى ثقوب سوداء تبتلع الأعمار والوقت والصحة والمال. وخلال فعاليات ما يسمى كأس العالم كل واحد فينا، شبان وكهول، برمجنا يومنا الفارغ أصلا حول مواعيد المباريات.
بل هناك من يغوص في التحليل القبلي يشرح الخيارات التكتيكية ثم يغرق في التحليل البعدي للكرات الضائعة وتغييرات المدربين، ويبلغ العبث ذروته حين يعيدون مشاهدة المباراة ذاتها في الإعادات التلفزيونية.
وكأن القنوات الرياضية تدرك تماما أن هناك زبونا وفيا ومدمنا على استهلاك اللاشيء. لم تعد تكفي التسعون دقيقة بل امتد ذلك لما قبل المباراة وما بعدها فيضيع الوقت والوقت الضائع وما بعد الوقت الضائع..يا له من ضياع !
حتى نساؤنا شابات وسيدات خرجوا في المدن فرادى ومجموعات من كل فج عميق ملبين نداء صافرة الحكم حتى في أوقات متأخرة وكأن في المباراة رخصة شرعية للتبرج والاختلاط.
واليوم وبعد انتهاء هذا العبث الذي أخذ طابعا رسميا ماذا سيشاهد هؤلاء المغيبون ؟! مع ذلك ومن حسن حظهم يوجد ذلك الحصان الذي يجري طول الوقت على إحدى القنوات الخليجية، كما توجد بالوعة الهواتف الذكية.
حيث أدركت الخوارزميات بذكائها الاصطناعي البارد طبيعة هذه العقول المستقيلة فباتت تغذيها بوجبات سريعة من التفاهة المتتالية التي تقتل الوقت وتغتال الإرادة. لقد تحول المواطن إلى كائن لاهث وراء الترفيه وغارق في التفاهة، وكأن الهدف الأسمى من الحياة هو تصريف الوقت.
وهنا يبرز عالم الاجتماع زيجمونت باومن في تفكيكه لواقع الحداثة السائلة حيث تحول الإنسان المعاصر إلى مجرد مستهلك نهم يبحث عن الإشباع الفوري واللذة المؤقتة ليهرب من قلق الوجود ومسؤوليات الواقع. لتصبح الشاشات بمثابة مخدر فعال يذيب الإرادة ويحول الترفيه من محطة للاستراحة إلى غاية تبتلع العمر بأسره.
ولفهم أعمق لهذا الاستلاب الحضاري يجب استدعاء الرؤى الثاقبة لرواد الفكر والنهضة في عالمنا الإسلامي والمغاربي. فقد حذر عالم المستقبليات المهدي المنجرة مرارا من ظاهرة الإهانة الحضارية وتسطيح الوعي.
معتبرا أن هذا الالتفاف الجماعي حول شاشات المقاهي يمثل شكلا من أشكال التخلف المبرمج الذي يراد من خلاله تخدير الجماهير وإبقاؤها في حالة من الاستهلاك السلبي الذي يغيب أي فعل حضاري حقيقي.
وهو نفس المسار الذي مضى فيه المفكر محمد عابد الجابري حين تحدث عن استقالة العقل العربي إذ تحول الفرد من كائن فاعل يطرح الأسئلة الكبرى حول واقعه ومستقبله إلى مجرد متلق منفعل. يفرغ طاقته النقدية في تقييم أداء لاعب أو تكتيك مدرب تاركا واقعه السياسي والاجتماعي المأزوم دون أي مساءلة.
ومن منظور أخلاقي أعمق يضعنا الفيلسوف طه عبد الرحمن أمام حقيقة التشوه الائتماني الذي يعاني منه الإنسان اللاهث خلف الشاشات. ففي الرؤية الإسلامية المقاصدية ليس الوقت زمنا ميكانيكيا يقتل بدم بارد بل هو أمانة ربانية وميدان للعمل التزكوي ومناط للتكليف.
وإهدار العمر في تفاصيل عبثية يمثل خيانة لهذه الأمانة وانقطاعا تاما عن فقه العمل الذي يبني به الإنسان دنياه لآخرته. وتتجسد هذه المعاني الجليلة في تأملات الشيخ محمد متولي الشعراوي حين أكد أن الله استخلف الإنسان في الأرض ليعمرها لا ليلهو فيها.
وأن من أشد الغفلة أن ينشغل المرء بالنعمة عن المنعم محذرا من تحويل محطات الترويح عن النفس إلى فلسفة حياة للهاربين من معركة الوجود الحقيقية.
لم ينشأ هذا الخلل البنيوي من فراغ بل هو نتاج استثمار مدروس من قبل القائمين على شؤون البلدان على مستوى العالم بأسره، ما يفسر كل هذا الاهتمام وضخ أموال بدون سقف في لعبة سلبت العقول !
والنخب المتحكمة في دوائر النفوذ تجد في هذه التشوهات المجتمعية ضالتها المنشودة، فمجتمع غارق في الجدل حول تسلل كروي أو مهووس بفضائح المشاهير وتفاهات الخوارزميات هو مجتمع آمن ومسالم يسهل تمرير السياسات والقرارات المصيرية في غفلته.
كما أن الابتعاد عن الفطرة السليمة والمنهج الإسلامي القويم يعود بنا بشكل درامي إلى الأزمنة الغابرة وتحديدا إلى زمن الكولوسيوم الروماني. حيث كان الأباطرة يلقون بالعبيد والمجالدين ليتقاتلوا حتى الموت أمام مدرجات تعج بعوام الناس لضمان انشغالهم بالخبز والسيرك عن فساد الإمبراطورية.
واليوم تغيرت الديكورات فاستبدلنا المدرجات الحجرية بكراسي المقاهي البلاستيكية واستبدلنا دماء المجالدين بعرق اللاعبين وصراخ المحللين وضجيج المؤثرين، بينما تظل الحقيقة المرة ثابتة وهي أن هناك جماهير تستنزف أعمارها طواعية ونخبا تواصل إحكام قبضتها على الواقع في هدوء تام وسط تصفيق المغيبين.






تعليقات الزوار ( 0 )