لا يمكننا الحديث عن تاريخ شعب أو أمة بدون الحديث عن تاريخ آدابها. وإذا كان التاريخ يعنى عادة بتشكل الدول وتطورها، فإن تاريخ آدابها يعكس روح الشعب ورؤيته للعالم والأشياء. ولا يمكن أن يتم ذلك إلا باللغة التي أنتج بها هذا الأدب، وقد تحولت إلى الكتابة التي هي وليدة تطور اجتماعي وحضاري يتحقق من خلال الدولة المركزية. أما الشعوب التي لم تعرف الكتابة، ولا اللغة الموحدة فإن إبداعاتها الشفاهية معرضة للزوال، ويعني ذلك أن أدبها بلا تاريخ لأنه لم يتجسد من خلال آثار مادية دالة عليه، شأنه في ذلك شأن تاريخها لغياب مكونات الدولة ومستلزماتها. ولا يبقى عادة مما أبدعته الشعوب التي لم تعرف الكتابة سوى ما يترسخ في الذاكرة الجماعية، وهو معرض للزوال والانقراض مع الزمن.
عندما ننطلق من هذا التأطير العام للحديث عن الأدب المغربي، نجد أن مؤرخي الأدب المغربي في العصر الحديث درجوا، بدءا من عبد الله كَنون إلى عباس الجراري، على تقسيم الأدب المغربي المكتوب بالعربية حسب العصور السياسية لتشكل الدولة في المغرب، إسوة بما كان شائعا في تأريخ الأدب العربي، من جهة. ومن جهة أخرى لم يكونوا يهتمون بالأدب الشعبي بالدارجة المغربية أو الأمازيغية على غرار ما هو معروف ومتداول في كتابة تاريخ آداب الأمم الأخرى الذي يهتم بالآداب التي ارتبطت بالكتابة، ولها تاريخ قابل للمتابعة. أما الأدب الشعبي الذي لم يدون فمن الصعوبة بمكان إنجاز تاريخ له بالمعنى الحقيقي للكلمة لغياب ما يمكن الاستناد عليه لمعاينة تشكله وتطوره.
لكن الأدب الشعبي بالأمازيغية فقد اهتم به الفرنسيون الذين انشغلوا أكثر بالأدب الشفاهي الأمازيغي، وخاصة في الجزائر والمغرب، فعملوا على جمع بعض متونه بحسب الجهات الجغرافية التي اعتنوا بها، وخاصة ما اتصل بالحكايات وبعض الأشعار. ولم يكن بإمكانهم كتابة تاريخ لهذا الأدب. ومن مجهودات هنري باسي، ولاوست، وكَلان، إلى عبد الله بونفور، نجدهم يتحدثون عن الأدب باللهجات الأمازيغية المغربية والقبايلية باعتباره أدبا شفاهيا. ولم يصلنا منه تراث غير ما كان متداولا إبان الاهتمام به مع الفرنسيين. ولم يبحث في الشعر الشفاهي بالدارجة المغربية سوى أقلية من الفرنسيين الذين أثارهم على جه الخصوص سيدي عبد الرحمن المجذوب، وإن كان التراث الشعبي بالدارجة المغربية، وخاصة الملحون مدونا، وله رواته وحفظته الذين كانوا يؤدونه في النزهات والمناسبات الخاصة.
إن الأدب الشعبي بالدوارج العربية في كل شمال أفريقيا كان متداولا على نطاق واسع، وله تراث تشهد الدراسات المونوغرافية المغاربية العربية على وجوده، وتوفر مواد مهمة كانت مدونة ومخطوطة. ويذكر ابن خلدون الكثير من النصوص الشعبية، وخاصة الملاعب التي كان يحفظ بعض متونها، أو أجزاء من السيرة الهلالية التي ظلت متداولة في ليبيا وجنوب تونس. ولما كان الأدب المعترف به هو «الأدب الرسمي» ظل الموضوع الذي يجتهد الباحثون فيه وفق ما كان متوفرا لديهم لقلة عناية المغاربة بآدابهم عكس ما نجد في المشرق العربي. ولم يبدأ الأدب الشعبي يثير الاهتمام إلا في السبعينيات من القرن الماضي في كل دول المغرب العربي.
إن سؤال: ما هو الأدب المغربي؟ وسؤال ما علاقة الشفاهة فيه بالكتابة؟ يفرضان نفسيهما ليس فقط على المغرب، ولكن أيضا على كل دول المغرب العربي. لذلك كانت الدعوة إلى كتابة تاريخ هذا الأدب تفرض نفسها علينا بإلحاح. أما الأدب الأندلسي فله وضع مختلف لاختلاف الظروف التي تشكل فيها، وتطور. وبطرد العرب والمسلمين من الأندلس توقف هذا الأدب، وإن حفظ لنا التاريخ الكثير من النصوص الشعبية التي ألفت بعد انقضاء الوجود الأندلسي. غير أن كتابة هذا التاريخ تطرح أمامنا مشاكل أخرى، ونحن ندرج ضمن هذا الأدب ما كان منه كتابيا أو شفاهيا لأننا نريد أن تكون لنا صورة شاملة عن هذا الأدب، وذلك بسبب التمايز الكبير بين هذين الأدبين.
إذا كان الأدب «الرسمي» المغربي العربي يندرج ضمن الأدب العربي بصفة عامة أيا كانت الأقاليم التي برز فيها، فإن ذلك يتجلى لنا بوضوح على مستوى أغراضه وموضوعاته وأوزانه. بينما نلفي الأدب الشعبي المغاربي مختلفا باختلاف اللهجات الأمازيغية والعربية في كل البلدان المغاربية، وذلك لأن الآداب الشعبية وليدة الحياة اليومية، وكل منها تشكل في ضوء البيئة الاجتماعية والثقافية التي نشأ فيها، وقد يكون قد تطور بمنأى عن أصوله التاريخية، بل ومن خلال القطيعة معها.
ولكي نضرب مثالا من المغرب، فما تحدث عنه ابن خلدون بخصوص شعر «الملعبة» في العصر المريني نجده قد توقف، ولكن الملحون كان قد ظهر منذ العصر الموحدي في تافيلالت وسجلماسة، وانتشر في مناطق أخرى، وما يزال يبدع فيه إلى الآن. وما هي علاقة الملحون بالعيطة في زعير والشاوية وعبدة؟ وهل الطقطوقة الجبلية في شمال المغرب ذات علاقة بالعيطة؟ وما الذي يجمع بين شعر الروايس بسوس وشيوخ الأطلس؟ ويمكننا تعداد الأمثلة عن الملحون والمألوف في الجزائر وتونس؟ وما هي علاقة المجذوب بالأخضر في الجزائر وابن عروس في تونس؟
وقد نضرب الكثير من الأمثلة التي تبين لنا التنوع والتعدد الذي عرفه الإبداع الشعبي في المنطقة المغاربية. لكن الأدب الرسمي العربي ظل يدور في فلك الأغراض المعروفة في الشعر العربي، فكان المدح والهجاء والرثاء، وظلت بحور الشعر التقليدية هي التي سار عليها الشعراء المغاربة.
إن هذا التمايز بين الكتابي والشفاهي يبين لنا أن الأدب المكتوب في المغرب بلا جذور شفاهية لأنه امتداد للأدب العربي في أصوله السابقة حتى على الإسلام. وعندما صنف أبو العباس الجراوي (609 هـ) كتابه الحماسة، على غرار كتب الحماسة العربية، أسماها «المغربية»، مما يدل على أن هذا الأدب المغربي، في كل أقطار المغرب العربي، سليل تراث أدبي مشترك. فلا فرق بين ابن رشيق، وحازم القرطاجني والمقري التلمساني، والسجلماسي وابن البناء المراكشي. إنهم جميعا امتداد لقدامة بن جعفر، والسكاكي والجرجاني…
إننا عندما نتحدث عن الأدب العربي في المغرب العربي ننطلق من التاريخ المشترك والجامع بين مختلف الإبداعات الأدبية، والنقد والبلاغة، وغيرها من العلوم، والتي يمكننا أن نبحث في تشكلها وتطورها في المنطقة بكاملها. وليس في هذا أي زعم قومي أو وحدوي أو اشتراكي. لا فرق في الإبداع العربي بين مهيار الديلمي، وأبي فراس الحمداني. وما كتبه المغاربة، تبعا لذلك، في المغرب أدب عربي بغض النظر عن أصول الأدباء الإثنية أو العرقية. أما الأدب الشعبي فيمكن ربطه باللهجات الخاصة التي يتلفظ بها، وهي مختلفة باختلاف المناطق المغربية. وحين نقول اللهجات نقصد «اللغات الخاصة « (Sociolectes) بالجماعة الاجتماعية. وكل جماعة اجتماعية خاصة لها لهجتها وأدبها الخاص الذي تتميز به شفاهيا، وهو بالضرورة يختلف باختلاف نمط العيش، وأسلوب الحياة الخاصة. ومن لا ينتمي إلى منطقة جغرافية محددة لا يمكن أن يفهمها أو يتمثل إبداعاتها الأدبية. إن من عاش في سوس، ونطق لغة أهلها لا يمكنه أن يفهم العيطة في الشاوية، حتى وإن كان يعرف الدارجة المغربية. ومن عاش كل حياته في الدار البيضاء، ولم يتعرف على خصوصية الحياة في منطقة ما في الشاوية، لا يمكنه أن يستوعب جيدا العيطة الزعرية، أو ساكن العلوة. إن اللغة أو اللهجة هي التي تحدد طبيعة الأدب المكتوب أو الشفاهي وخصوصيته، ولا مفاضلة بينهما على مستوى الإبداع إلا ما اتصل بخصوصية المبدع، وحذقه في صناعته. فرويشة ليس بناصر وخويا مثلا.
يفرض علينا التاريخ للأدب المغربي المكتوب تحقيق المزيد من المخطوطات التي لم تعرف طريقها إلى الطبع، وإعادة النظر فيه بالاستفادة من نظريات كتابة التاريخ الأدبي الجديدة. كما يفرض البحث في التراث الشفاهي المغربي اضطلاع الباحث فيه بمعرفة المنطقة التي يبحث فيها معرفة جيدة تسمح لها بجمع وتدوين ما بقي متداولا من هذا التراث إسوة بما قام به الفرنسيون الذي عايشوا القبائل واللهجات التي اهتموا بإبداعاتها جمعا وتصنيفا. وبما أن المغرب عرف تحولات في تاريخه لا بد من وضعها في الاعتبار لإجراء تحقيب جديد لتاريخ أدبه بطريقة تراعي شروط كتابة أي تاريخ واقعي لا يقوم على الأكاذيب والأباطيل.





تعليقات الزوار ( 0 )