تتواصل تداعيات الفيضانات التي ضربت مدينة القصر الكبير، مخلفة أضرارًا جسيمة في المساكن والأنشطة الاقتصادية والبنيات التحتية، ودافعة إلى إجلاء كامل الساكنة في إجراء استثنائي فرضته اعتبارات حفظ النفس، ومع اتساع رقعة الخسائر وامتدادها إلى المجالين الحضري والفلاحي، تتصاعد الدعوات السياسية والحقوقية المطالِبة بتعبئة حكومية شاملة تستجيب لحجم الكارثة وتداعياتها الاجتماعية والاقتصادية.
وفي مقابل التدخلات الاستعجالية الميدانية، يبرز نقاش متنامٍ حول كفاية القرارات المتخذة، وحدود الاستجابة المؤسساتية في تفعيل الآليات القانونية المتاحة، وعلى رأسها إعلان المدينة منطقة منكوبة وتمكين المتضررين من تعويضات صندوق الكوارث، وبين منطق التدبير الظرفي وضرورة المقاربة الشمولية، يظل السؤال مطروحًا بشأن توقيت القرار السياسي، ومدى انسجامه مع خطورة الوضع وتكرار سيناريوهات الخطر.
-إطار قانوني
يعتبر محمد عصام لعروسي، أستاذ العلوم السياسية والمدير العام لمركز منظورات للدراسات الجيوسياسية بالرباط، أن النقاش حول إعلان القصر الكبير “منطقة منكوبة” يقتضي العودة إلى المرجعية القانونية المؤطرة، وتحديدًا القانون رقم 110.14 المتعلق بإحداث نظام لتغطية عواقب الوقائع الكارثية.
وأوضح العروسي في تصريح لجريدة “الشعاع” أن هذا النص التشريعي لا يستعمل أصلاً مفهوم “المنطقة المنكوبة”، بل يعتمد مصطلح “الواقعة الكارثية”، وهو فرق دلالي وقانوني له انعكاساته المباشرة على آليات التفعيل والتدخل.
وأردف أن فيضانات القصر الكبير تستوفي من الناحية الواقعية، جميع عناصر “الواقعة الكارثية”، سواءً من حيث حجم الأضرار أو الخسائر المادية، أو القرار الاستثنائي بإجلاء كامل الساكنة.
وغياب الخسائر البشرية لا ينفي بحسبه، تحقق الضرر، لأن مفهوم التناسبية لا يلغي واقع تعطل معيش الناس وتوقف حياتهم اليومية، وما رافق ذلك من خسائر مادية جسيمة.
وتابع أن المدة القانونية المحددة في 21 يومًا، والمخصصة لفحص الواقعة وحصر المتضررين قبل تفعيل مساطر التعويض عبر صندوق الكوارث الطبيعية، أصبحت متجاوزة في سياق كوارث معاصرة تتسم بالامتداد في الزمان والمكان.
ونبه المدير العام لمركز منظورات للدراسات الجيوسياسية بالرباط، إلى أن هذه الآجال لا تنسجم مع الإيقاع السريع للأزمات المناخية ولا مع حجم الأضرار الاجتماعية والاقتصادية المترتبة عنها.
-قصور تشريعي
ينتقل لعروسي إلى نقد أعمق للإطار التشريعي ذاته، معتبرًا أن القانون 110.14 لم يعد قادرًا على استيعاب طبيعة الكوارث الجديدة التي يشهدها المغرب والعالم.
واستطرد أستاذ العلوم السياسية، أن المشرع حين صاغ هذا النص، اشتغل ضمن سياق تاريخي ومناخي مختلف، ما يجعل بعض مقتضياته اليوم غير ملائمة للتحولات الجارية.
وأضاف المدير العام لمركز منظورات للدراسات الجيوسياسية بالرباط على أن القانون ليس نصً مقدسًا أو صالحًا لكل زمان ومكان، بل هو أداة تنظيمية قابلة للمراجعة والتكييف مع الواقع.
وأوضح أنه في ظل التغيرات المناخية المتسارعة، أصبحت الكوارث أكثر خطورة وأكثر امتدادًا، ما يفرض تحديث الترسانة القانونية حتى تواكب حجم المخاطر المستجدة.
ومن هذا المنطلق، يرى لعروسي أن التقيد الحرفي بمقتضيات القانون، دون قراءة مرنة وروحانية للنص، يفضي إلى قرارات متأخرة أو غير ملائمة.
وأشار إلى أن إعلان القصر الكبير “منطقة منكوبة” لم يعد مجرد إجراء قانوني، بل ضرورة سياسية واجتماعية تستدعي جرأة في القرار، مبنية على تقدير واقعي للأضرار، لا على تفسير ضيق للنصوص.
-حكامة استباقية
في محور آخر، يربط لعروسي بين فيضانات القصر الكبير، وخروج وادي سبو عن مجراه الطبيعي، وبين إشكالية الحكامة الاستباقية في تدبير مخاطر الكوارث.
وأكد أستاذ العلوم السياسية أن هذه الأحداث تطرح تساؤلات جدية حول نجاعة السياسات العمومية في التوقع والوقاية، لا فقط في التدخل بعد وقوع الكارثة.
ولفت إلى أن المغرب، مقارنة بدول كبرى، ليس استثناءً في مواجهة عنصر المفاجأة، إذ إن دولاً متقدمة مثل الولايات المتحدة وكندا ودول أوروبية عرفت بدورها فيضانات وعواصف مدمرة لم تستطع توقع حجمها بدقة.
ونبه المدير العام لمركز منظورات للدراسات الجيوسياسية بالرباط، إلى أن الفارق يكمن في مستوى الاستثمار في البنيات الوقائية والخبرات المتخصصة.
ويستحضر تجربة كندا في تشييد السدود الهيدرو-كهربائية (Hydroélectrique)، التي تؤدي دورًا وقائيًا أساسيًا في حماية المناطق من الفيضانات.
واعتبر أن غياب حكامة استباقية محلية، قائمة على قراءة دقيقة للمعطيات الجغرافية والمناخية والهيدرولوجية، يفاقم من هشاشة المدن المعرضة للخطر، رغم توفر المغرب على كفاءات علمية معتبرة.
-اختيارات مائية
يُفرد لعروسي حيزًا مهمًا للسياسات المائية التي انتهجها المغرب خلال سنوات الجفاف، موضحًا أن التركيز انصب أساسًا على البحث عن الماء، من خلال تحلية مياه البحر واستنزاف الفرشات المائية، في ظل تراجع الموارد المائية لسبع سنوات متتالية.
وغير أن المتحدث يؤكد أن العالم يعيش اليوم ما يسميه بـ “Le cycle climatologique”، أي دورة مناخية متقلبة، تفرض الانتقال من منطق تدبير الندرة إلى منطق تدبير الوفرة المفاجئة والخطر في آن واحد.
وهذا التحول في نظر أستاذ العلوم السياسية، يستوجب سياسات بديلة لا تستبعد سيناريو الفيضانات، بل تدمجها ضمن التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى.
وفي هذا السياق، يتوقف لعروسي عند مفهوم “Les autoroutes d’eau” أو الطرق السيارة للماء، وكذا “L’interconnexion” أو الربط الهيدروليكي بين الأحواض والسدود.
واعتبر أن هذه الحلول تمثل استثمارات استراتيجية طويلة الأمد، تسمح بنقل المياه من سدود ممتلئة إلى أخرى تعاني خصاصًا، كما هو الحال في الربط بين سبو وأبي رقراق.
-حلول بنيوية
رغم أهمية هذه المشاريع، يوضح لعروسي أنها لا تشكل حلولاً عاجلة لمواجهة الفيضانات العاتية، بل حلولاً دائمة تتطلب وقتًا وموارد كبيرة.
ولفت إلى أن ارتفاع منسوب المياه في الظرف الراهن يجعل من الصعب تحقيق نتائج فورية عبر هذه الآليات، ما يستدعي الجمع بين التدخل الاستعجالي والتخطيط البنيوي.
وشدد على أن المقاربة الظرفية أو الفجائية، وإن كانت ضرورية في لحظة الأزمة، لا يمكن أن تكون بديلاً عن رؤية استراتيجية متكاملة، مبرزًا أن استمرار هذا النهج ينعكس سلبًا على ثقة المواطن في المؤسسات، خاصة تلك القريبة منه، مثل الجماعات المحلية.
وفي المقابل، يثمن لعروسي التدخلات التي جرت بتعليمات ملكية، ولا سيما تعبئة القوات المسلحة الملكية، معتبرًا أن حماية الأرواح وعدم المغامرة بالمواطنين تمثل نقطة قوة في التدبير المغربي للأزمات، حتى مقارنة ببعض الدول المتقدمة.
-الثقة والمؤسسات
يؤكد لعروسي على أن الثقة في المؤسسات لا تزال قائمة، لكنها غير متساوية، فبينما تحظى المؤسسة العسكرية والأمنية بتقدير واسع، يسجل نوع من التذمر تجاه بعض المؤسسات اللامركزية، التي يرى أنها ظلت أسيرة حسابات سياسية وانتخابية، بدل الانخراط في تفكير استراتيجي طويل النفس.
ويستحضر المتحدث تجربة سنة 1979، حين تم تشييد سد وادي المخازن لحماية القصر الكبير، معتبرًا أن المدينة اليوم دخلت مرحلة ثالثة مختلفة ديموغرافيًا وهيدرولوجيًا.
وهو ما يفرض بحسب المدير العام لمركز منظورات للدراسات الجيوسياسية بالرباط، إعادة رسم خريطة هيدروغرافية أو خريطة مائية (Carte hydraulique) جديدة، قائمة على استراتيجيات قارة، وأدوات تكنولوجية حديثة، وصيانة متقدمة للبنيات القائمة.
ونبه إلى أن إنقاذ القصر الكبير من تكرار سيناريوهات الفيضانات يمر عبر حلول استباقية وناضجة ومبدعة، توظف العلم والتقنية والسياسة العمومية الرشيدة، وتعيد الثقة بين المواطن والمؤسسات، قبل أن تتحول الكارثة المحتملة إلى قدر متكرر.


تعليقات الزوار ( 0 )