تشكل الفلاحة في المغرب أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد الوطني، بالنظر إلى دورها الحيوي في تأمين الغذاء وتوفير فرص الشغل وضمان التوازنات الاجتماعية بالمجال القروي، وغير أن هذا القطاع، رغم أهميته الاستراتيجية، ما يزال يواجه تحديات بنيوية مرتبطة بتقلبات المناخ وضعف الإنتاجية، ما يطرح إشكالية الاستدامة والنجاعة في النموذج الفلاحي المعتمد.
وفي ظل تزايد الضغوط على القدرة الشرائية وارتفاع أسعار المواد الغذائية، يبرز التساؤل حول مدى قدرة السياسات الفلاحية الحالية على تحقيق التوازن بين الإنتاج والتكلفة، وضمان استقرار السوق، فالمفارقة القائمة بين وفرة الاستراتيجيات واستمرار الاختلالات تعكس حاجة ملحة إلى تقييم عميق وشامل لواقع القطاع وآفاق إصلاحه.
❖ مفارقة القطاع
يرى إدريس الفينة، الخبير والمحلل الاقتصادي، ورئيس المركز المستقل للتحليلات الاستراتيجية، أن القطاع الفلاحي في المغرب يعيش مفارقة واضحة، إذ يجمع بين طابعه الاستراتيجي للأمن الغذائي والتشغيل، وبين هشاشة بنيوية تجعله رهينا بالتقلبات المناخية.
وأوضح الفينة في تصريح لجريدة “الشعاع”، أن مساهمة القطاع في الناتج الداخلي الإجمالي، التي بلغت حوالي 10.09% سنة 2024، تظل مهمة لكنها تعكس ارتباطًا قويًا بالأمطار أكثر من ارتباطها بتحسن مستدام في الإنتاجية.
وأكد على أن الإشكال لا يرتبط فقط باستمرار اعتماد فئة واسعة من الفلاحين على أساليب تقليدية، بل أيضا بتفاوت وتيرة التحول نحو فلاحة عصرية عالية المردودية، فبينما نجحت بعض الضيعات في تبني التقنيات الحديثة، لا يزال هذا التحول محدود الانتشار داخل القطاع.
وأشار إلى أن أهداف استراتيجية “الجيل الأخضر 2030”، خاصة رفع المردودية بـ1.5 مرة ومضاعفة الناتج الفلاحي، تعكس بشكل ضمني أن مستويات الإنتاج الحالية ما تزال دون الإمكانات المتاحة، ما يستدعي تسريع وتيرة الإصلاح.
❖ أزمة الإنتاج
يبرز إدريس الفينة أن الأرقام المرتبطة بالإنتاج الفلاحي تكشف حجم الاختلال، حيث لم يتجاوز إنتاج الحبوب سنة 2025 حوالي 4.5 ملايين طن، أي أقل بنحو 13% من المتوسط، نتيجة الجفاف وضعف التساقطات خلال مراحل حاسمة من الموسم.
وأضاف أن حاجيات المغرب من واردات الحبوب خلال موسم 2025/2026 مرشحة للارتفاع إلى حوالي 11 مليون طن، أي بزيادة تناهز 20% مقارنة مع المتوسط، في حين قد تصل واردات القمح إلى 7.5 ملايين طن، بزيادة 52% عن متوسط عشر سنوات.
وأكد على أن هذه الأرقام تعني أن السوق الوطنية ما تزال تعتمد على الاستيراد لتعويض ضعف الإنتاج المحلي، وهو حل ظرفي لضمان التموين، لكنه لا يعكس نجاعة هيكلية للنموذج الفلاحي الحالي.
❖ انعكاسات السوق
يشير إدريس الفينة إلى أن هشاشة الإنتاج تنعكس بشكل مباشر على الأسعار، حيث سجلت سنة 2025 ارتفاعًا في الرقم الاستدلالي للأثمان عند الاستهلاك بنسبة 0.8%، وهو نفس معدل ارتفاع أسعار المواد الغذائية، مع تسجيل ضغوط أكبر في بعض المنتجات.
وأوضح أن التضخم الغذائي بلغ حوالي 1%، مدفوعا بارتفاع أسعار اللحوم الطرية والأسماك، رغم تراجع أسعار الحبوب، ما يعكس اختلالاً في انتقال أثر الإنتاج إلى السوق.
وأبرز أن هذه الوضعية تؤثر أيضا على سوق الشغل، حيث تم فقدان 107 آلاف منصب شغل في الوسط القروي خلال الربع الثاني من 2025، مقابل إحداث 113 ألف منصب في المدن، وهو ما يعكس هشاشة الدخل القروي وارتباطه بأداء القطاع.
❖ خلل النموذج
يؤكد إدريس الفينة أن جوهر الأزمة لا يكمن فقط في الإنتاج، بل في النموذج الاقتصادي المؤطر للقطاع، حيث يستمر الاعتماد على الأمطار وتتسع الفجوة بين فلاحة عصرية موجهة للتصدير وأخرى تقليدية مهيمنة في المجال القروي.
وأضاف أن هذا الوضع يؤدي إلى مردودية غير مستقرة وأسعار لا تعكس دائما تحسنا حقيقيا في الكفاءة، مشددا على أن الدعم العمومي يجب أن يخضع لتقييم صارم من حيث أثره على الإنتاجية والأسعار.
وتساءل رئيس المركز المستقل للتحليلات الاستراتيجية، عن مردودية الإنفاق العمومي، مبرزًا أن استمرار ارتفاع الواردات رغم تعدد الاستراتيجيات يدل على أن جزءًا من السياسات يعالج النتائج بدل الأسباب.
❖ أولويات الإصلاح
يرى إدريس الفينة أن الإصلاح الحقيقي للقطاع يمر عبر إعادة ترتيب الأولويات، بدءًا بتدبير الموارد المائية، باعتبارها المحدد الأساسي لاستقرار الإنتاج الفلاحي.
وشدد على ضرورة تعميم التقنيات الحديثة التي ترفع المردودية وتقلص التبعية للأمطار، إلى جانب تسريع رقمنة الخدمات والإرشاد الفلاحي وربط الدعم بنتائج ملموسة وقابلة للقياس.
ودعا الخبير والمحلل الاقتصادي، إلى تقوية سلاسل الإنتاج والتخزين والتسويق، لتفادي انتقال ضعف الكفاءة من الحقل إلى السوق، وضمان استقرار الأسعار وتحسين دخل الفلاحين.
❖ أسئلة حاسمة
يلفت إدريس الفينة إلى أن النتائج الحالية تعكس استمرار نفس الإشكالات، من مردودية ضعيفة إلى أسعار مرتفعة واعتماد متواصل على الاستيراد، رغم تعدد البرامج والاستراتيجيات.
وطرح مجموعة من الأسئلة الجوهرية، من قبيل: أين تذهب الميزانيات المرصودة، وما أثرها الحقيقي على الأسعار، ولماذا لا تزال السوق الوطنية تعاني من هذه الهشاشة؟
وأكد رئيس المركز المستقل للتحليلات الاستراتيجية، على أن إصلاح الفلاحة لم يعد خيارا تقنيا، بل ضرورة اقتصادية واجتماعية، ترتبط بالأمن الغذائي والاستقرار.
وشدد الخبير والمحلل الاقتصادي، على أن النجاح الحقيقي يقاس بقدرة القطاع على تحقيق إنتاج مستقر، وأسعار معقولة، ودخل كريم للفلاح.




تعليقات الزوار ( 0 )