يرى الدكتور محمد عبد الوهاب العلالي، الأستاذ بالمعهد العالي للإعلام والاتصال، أن التواصل السياسي في جوهره ليس مجرد نشاط تواصل عابر أو “جمعية خيرية” تقدم خدمات مجانية، بل هو منظومة استراتيجية معقدة من الرسائل الهادفة إلى صناعة رأي عام محدد وتوجيه المتلقي نحو تبني خيارات سياسية معينة عبر آليات التأثير غير المباشر.
وأشار الدكتور العلالي خلال مشاركتة في الندوة الفكرية التي نظمتها جريدة “الشعاع الجديدة” بمقرها في الرباط، تحت عنوان “الإعلام والقوة الناعمة بين التأثير وصناعة القبول”، إلى أن هذا النوع من التواصل تطور منذ منتصف القرن الماضي ليصبح آلية وساطة مركزية، تهدف بالدرجة الأولى إلى تحقيق نتيجة “الإقناع” وضمان التفاف الجماهير حول مشروع سياسي أو حزبي محدد.
وفي السياق ذاته، شدد الأستاذ بالمعهد العالي للإعلام والاتصال، على أن فعالية الإعلام كـ”قوة ناعمة” تظل رهينة بشكل أساسي ومباشر بمدى وجود وتوفر فضاء عمومي رصين.

وأوضح في معرض تحليله أن التواصل السياسي لا يمكن فصله عن السياقات الديمقراطية؛ ففي المجتمعات التي تتيح تعددية حقيقية، يتحول الخطاب الإعلامي إلى قوة ناعمة من خلال التكرار والتداول الذكي للتمثلات حول العالم والقضايا السياسية.
واعتبر أن التواصل السياسي الفعال هو الذي يمنح المواطن القدرة على اتخاذ قرار صائب، سواء في المحطات الانتخابية أو في تدبير الشأن العام اليومي، مشيرا إلى أن هذا التواصل لا يخص الأحزاب وحدها، بل يشمل الدولة والمؤسسات بمختلف مستوياتها.
وفي قراءة نقدية للنماذج الجاهزة، حذر العلالي من إسقاط النظريات الغربية في التواصل السياسي على المجتمعات العربية والإفريقية دون مراعاة لخصوصياتها.

وضرب مثالا بـ “التواصل الترانسندنتالي” (Transcendental Communication) في بعض الأنظمة الثيوقراطية، حيث يرتبط الخطاب السياسي بعوالم غيبية وتصورات دينية تتجاوز الواقع المادي، مؤكدا أن هذا النمط يختلف جذريا عن التواصل الذي نشأ في البيئات الغربية القائمة على تحليل المصالح المادية الملموسة وموازين القوى الواقعية.
وعرج الدكتور العلالي على الحالة المغربية، موضحا أن فهم القوة الناعمة والتواصل السياسي في المغرب يستوجب الغوص في الأنثروبولوجيا والتاريخ؛ فمفاهيم مثل “الولاء” و”البيعة” والعلاقات القبلية والعشائرية، خاصة في مناطق الجنوب، تشكل بنيات تواصلية عميقة تؤثر في السلوك السياسي للمواطن أكثر من البرامج الحزبية الجافة.
واعتبر أن “ولد الفخذة” أو الانتماء العشائري قد يتفوق أحيانا على معايير الكفاءة الديمقراطية، مما يجعل من الضروري على الباحثين المغاربة صياغة نماذج تحليلية خاصة تنبع من تعقيدات النظام السياسي والديني والاجتماعي المغربي.
ولفت إلى أن الإعلام المغربي اليوم مطالب بالانتقال من مرحلة “نقل الخبر” إلى مرحلة “صناعة المعنى”، عبر استيعاب هذه التعقيدات السوسيو-ثقافية.
وأردف أن التحولات التي شهدها السمعي البصري بالمغرب منذ عام 2002 ورغم تعدد القنوات، إلا أن المنتوج لا يزال يحتاج إلى طفرة نوعية في المضمون لمواجهة المنافسة الخارجية.
ونبه إلى أن “القوة الناعمة” لا تبنى بكثرة الأوعية الإعلامية بل بمصداقية الرسالة وقدرتها على النفاذ إلى وجدان وعقل المتلقي في ظل عالم تهيمن عليه الشاشات الصغيرة ووسائط التواصل الاجتماعي المجزأة.

ويشار إلى أن الندوة ستنشر كاملة بالصوت والصورة على جريدة الشعاع الجديد والمنصات التابعة لها مساء اليوم الجمعة.


تعليقات الزوار ( 0 )