منذ ثمانينيات القرن الماضي، لم تعرف منطقة الخليج استقرارا حقيقيا، بل تعاقبت عليها حروب كبرى أعادت رسم خرائط النفوذ وموازين القوة، دون أن تُنتج نظاما إقليميا مستقرا.
واليوم، مع اندلاع الحرب الأمريكية/الإسرائيلية على إيران، يبدو أن المنطقة تدخل فصلا آخر من سلسلة صراعات لما تُحسم نتائجها النهائية بقدر ما راكمت تداعياتها غير المتحكم فيها من لدن جميع دول الخليج العربي.
بدأت القصة مع الحرب العراقية/الإيرانية، التي اندلعت في سياق الخوف من تصدير الثورة الإيرانية بعد 1979، وتحولت إلى حرب استنزاف طويلة أنهكت الطرفين وأعادت تعريف الأمن الخليجي، ثم جاءت حرب الخليج الثانية بعد اجتياح العراق للكويت سنة 1990، لتدشن مرحلة جديدة من الحضور العسكري الدولي المباشر في المنطقة، وتفتح الباب لتحالفات غير مسبوقة وتوازنات أكثر هشاشة.
غير أن التحول الأكبر وقع مع الغزو الأمريكي للعراق سنة 2003، الذي لم يؤد فقط إلى إسقاط نظام صدام حسين، بل أطلق ديناميات إقليمية معقدة، كان أبرزها صعود النفوذ الإيراني في قلب العالم العربي عندما وجدت طهران نفسها في موقع المستفيد الاستراتيجي من انهيار الدولة العراقية، وهو ما سمح لها بمد نفوذها إلى العراق وسوريا ولبنان واليمن، مستفيدة من فراغ القوة العربية وتردد القوى الدولية.
اليوم، تعود المنطقة إلى نقطة اشتعال جديدة، لكن بشروط مختلفة، لأن الحرب الجارية على إيران اليوم لا تُخاض فقط بالمنطق العسكري، بل تتداخل فيها رهانات الاقتصاد العالمي مضافا إلى ذلك أمن الطاقة، والأخطر من ذلك كله هو أمن ومستقبل النظام الإقليمي برمته، في مقابل ذلك تسعى واشنطن إلى إضعاف إيران دون الانزلاق إلى حرب شاملة، في مقابل ذلك كله تدفع تل أبيب نحو سقف أعلى يستهدف إعادة تشكيل المنطقة بما يخدم مشروعها الاستراتيجي المتمثل في الهيمنة المطلقة على مقدرات وخيرات المنطقة.
غير أن حسابات القوة لا تسير دائما وفق ما يُرسم في غرف القرار السياسي والاستراتيجي، لأن إيران التي راكمت خبرة طويلة في إدارة الصراعات غير المتكافئة استطاعت أن تحافظ على تماسكها الداخلي، وأن تستخدم أوراق ضغط مؤثرة من مضيق هرمز إلى شبكة حلفائها في المنطقة.
وفي المقابل، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام معضلة استراتيجية واضحة تتمثل أساسا في حرب لا يمكن حسمها عسكريا، وتكلفة اقتصادية وسياسية يصعب تحملها على المدى الطويل.
أما الدول العربية، ولاسيما الخليجية منها، فتجد نفسها مرة أخرى في قلب العاصفة، وهي المتضرر الأكبر في أتون هذه الحرب التي فرضت عليها، حيث اضطربت أسواق الطاقة، بل إن دول الخليج هي الأكثر عرضة لتداعيات التصعيد العسكري، دون أن تمتلك هامشا من المناورات الكافية لفرض توازن جديد يحمي مصالحها.
وبين هواجس الأمن ورهانات الاستقرار، تبدو هذه الدول مطالبة بإعادة تعريف عقيدتها الأمنية في عالم يتغير بسرعة فائقة.
في خضم هذا المشهد، تظهر مفارقة لافتة، وتتمثل في كون كل الحروب السابقة أضعفت طرفا وقوت آخر، لكنها لم تنتج رابحا نهائيا، فالعراق خرج مدمرا والخليج أكثر هشاشة، وإيران أقوى لكنها أكثر عزلة، والولايات المتحدة أكثر حضورا لكنها أقل قدرة على التحكم في المخرجات النهائية للصراع الدائر بالمنطقة.
السؤال الحقيقي لم يعد من سيربح هذه الحرب، بل من سيخرج منها بأقل الخسائر، لأن حتى إن إسقاط إيران إن تحقق فعلا، قد يفتح الباب أمام هيمنة إسرائيلية غير مسبوقة، بينما استمرار الصراع سيستنزف الجميع ويُبقي المنطقة رهينة دوامة عدم الاستقرار.
وبين هذا وذاك، يبقى الثابت الوحيد أن الشرق الأوسط يُعاد تشكيله مرة أخرى، ولكن بكلفة أعلى، وبأفق أكثر غموضا.
واضح أن هذه الحرب المفروضة على المنطقة ليست سوى حلقة جديدة في مسلسل طويل، عنوانه الدائم: صراع القوى الكبرى على أرض الخليج، وثمنه المستمر تدفعه دول وشعوب المنطقة.






تعليقات الزوار ( 0 )