سلط تقرير نشرته صحيفة “تلغراف” البريطانية الضوء على ما وصفه بتحولات متسارعة داخل بنية السلطة الإيرانية، مشيراً إلى بروز تحالف غير معلن بين شخصيات عسكرية وأمنية بارزة قد يسهم في إعادة تشكيل موازين النفوذ داخل الحرس الثوري الإيراني خلال المرحلة المقبلة.
وكتب الباحثان كسرى عربي، الباحث في معهد توني بلير، وسعيد غولكار، أستاذ العلوم السياسية بجامعة تينيسي الأمريكية، أن القراءات الغربية السائدة بشأن التطورات الأخيرة في إيران لا تعكس بصورة دقيقة طبيعة مراكز القوة الحقيقية داخل النظام، معتبرين أن هناك إعادة ترتيب هادئة تجري داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية بعيداً عن الأضواء.
وأشار التقرير إلى أن بعض التحليلات الغربية ذهبت في وقت سابق إلى اعتبار رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف الشخصية الأكثر نفوذاً في المشهد الإيراني الحالي، إلا أن الباحثين يريان أن نفوذه يواجه تراجعاً متزايداً داخل دوائر القرار، مع تنامي الانتقادات الموجهة إليه وتراجع مكانته داخل بعض الأوساط المرتبطة بالحرس الثوري.
في المقابل، يبرز اسم أحمد وحيدي، بحسب التقرير، كواحد من أبرز الفاعلين داخل المؤسسة العسكرية الإيرانية. ويرى الكاتبان أن وحيدي اكتسب موقعاً محورياً خلال الفترة الأخيرة، غير أنه يواجه تحدياً يتمثل في محدودية حضوره داخل الأجيال الشابة المنضوية في الحرس الثوري وقوات الباسيج نتيجة ابتعاده عن مواقع القيادة المباشرة لسنوات بسبب توليه مسؤوليات حكومية.
كما تناول التقرير الدور المتجدد للواء السابق محمد علي جعفري، الذي تولى قيادة الحرس الثوري لسنوات طويلة، وارتبط اسمه بإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية وتطوير قدراتها الاستخباراتية والسيبرانية، إضافة إلى تعزيز استراتيجيات الحرب غير التقليدية.
وركز الباحثان على ما وصفاه بـ”الحلقة الوسطى”، وهي شبكة تنظيمية واجتماعية يُنسب إلى جعفري دور بارز في تأسيسها، وتضم مجموعات واسعة من الشباب الموالين للنظام في مختلف المناطق الإيرانية. وبحسب التقرير، لا يقتصر دور هذه الشبكات على التعبئة الفكرية، بل يمتد إلى التأثير في التوجهات السياسية والانتخابية داخل البلاد.
وأشار المقال إلى أن معطيات وتحليلات متداولة تفيد بأن هذه الشبكات لعبت أدواراً مؤثرة خلال استحقاقات انتخابية سابقة، عبر دعم شخصيات سياسية محددة وإضعاف فرص منافسين آخرين، ما يعكس تطور أدوات النفوذ السياسي داخل إيران من المؤسسات التقليدية إلى شبكات تنظيمية أكثر انتشاراً وتأثيراً.
وفي هذا السياق، يرى الباحثان أن تقارباً متزايداً يتشكل بين أحمد وحيدي ومحمد علي جعفري، يقوم على تبادل المصالح السياسية والتنظيمية، حيث يمكن لوحيدي الاستفادة من شبكة العلاقات الواسعة التي يمتلكها جعفري داخل الحرس الثوري والأوساط الشبابية، بينما يمنح موقع وحيدي الحالي حليفه فرصة لتعزيز حضوره داخل مراكز القرار.
ويعتبر التقرير أن هذا التقارب لا يقتصر على العلاقات الشخصية بين الرجلين، بل يعكس توجهاً أوسع نحو تعزيز نفوذ تيار أيديولوجي أكثر تنظيماً داخل الحرس الثوري، يعتمد على تعبئة القواعد الشبابية وتوسيع شبكات التأثير المجتمعي والسياسي.
وخلص الباحثان إلى أن نجاح هذا المسار قد يقود إلى تحولات مهمة في بنية النظام الإيراني، عبر تعزيز حضور الأجيال الأكثر تشدداً داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية، مقابل تراجع نفوذ التيارات التي توصف بالبراغماتية داخل مراكز القرار.
واختتم التقرير بالإشارة إلى أن إعادة ترتيب موازين القوة داخل إيران تجري بوتيرة متسارعة بعيداً عن الاهتمام الإعلامي الدولي، في وقت قد تكون فيه هذه التحولات من بين العوامل الأكثر تأثيراً على مستقبل النظام الإيراني وسياساته الداخلية والإقليمية خلال السنوات المقبلة.


تعليقات الزوار ( 0 )