أخبار ساعة

11:33 - حولي الريادة11:15 - تقرير: المغرب يعزز موقعه كقوة صناعية إفريقية في قطاع السيارات ويتفوق في إنتاج المركبات السياحية10:00 - إسرائيل تستولي على 40 قاربا بـ”أسطول الصمود” وتعتقل 300 ناشط09:08 - طقس الثلاثاء.. ارتفاع درجات الحرارة ورياح قوية بعدد من مناطق المغرب23:58 - شلل يهدد أوراش البيضاء.. ناقلو الخرسانة يدخلون في إضراب مفتوح23:56 - نظام الطيبات بين صنمية الطب وإنصاف التاريخ23:51 - سورية والمغرب: عودة العلاقات إلى جذورها الطبيعية23:05 - تفكيك السلطة الأبوية بين نور الدين فرح وجيمس بالدوين22:47 - ائتلاف “دنيا” يستنكر فيديو  التحريض على تزويج القاصرات بالمغرب ويطالب بفتح تحقيق22:31 - قيادة نيمار لـ”السامبا” تشعل قمة المغرب والبرازيل في المونديال
الرئيسية » مقالات الرأي » تفكيك السلطة الأبوية بين نور الدين فرح وجيمس بالدوين

تفكيك السلطة الأبوية بين نور الدين فرح وجيمس بالدوين

     لَيست السُّلطة الأبوية مُجرَّد علاقة عائلية بين أبٍ وأبناء، بل هي بُنية رمزية وثقافية وسياسية تمتدُّ جذورها في اللغةِ والمُجتمع والعُرف والاقتصاد والدَّولة. وحِينَ يتناول الأدبُ هذه السُّلطةَ، فإنَّه لا يكتفي بوصفها نظامًا اجتماعيًّا، بلْ يكشف آلياتها العميقة في إنتاجِ الخَوف والطاعة والعُنف والاغتراب. ومِن هُنا تأتي أهمية التجربة الأدبية لكلٍّ مِن الروائي الصومالي نور الدين فرح الذي يكتب بالإنجليزية ( وُلد 1945)، والروائي الأمريكي جيمس بالدوين ( 1924_ 1987).

     يلتقي الكاتبان _ رغم اختلاف الجُغرافيا واللغة والسياق الحضاري _ عند مشروع إنساني واحد: تفكيك الأب بوصفه رمزًا للهيمنة، وكشف التشققات الأخلاقية والنَّفْسية التي تُخلِّفها السُّلطة الذكورية في الفردِ والمجتمع.

     كتب فرح من قلب التجربة الأفريقية المُمزَّقة بين الدكتاتورية والعشيرة والسُّلطة الذكورية، بينما كتب بالدوين من قلبِ التجربة الأمريكية السوداء التي أنهكتها العُنصرية والعُنف الدِّيني والتمييز الطبقي. أدركا أنَّ السُّلطة السياسية تبدأ غالبًا من داخل البَيْت، وأن الطُّغيان الكبير يجد صورته الأُولَى في الأبِ المُستبد، أو في المجتمع الذي يَمنح الذَّكَرَ حقَّ التحكم في مصائرِ الآخَرين.

     إنَّ قراءة أعمال فرح وبالدوين لَيست مُجرَّد قراءة أدبية، بلْ هي قراءة في معنى الحرية الإنسانية، والكَيفيةِ التي تتحوَّل بها العائلة أحيانًا إلى مؤسسة قمع، ويتحوَّل فيها الحُب إلى خَوف، والطاعة إلى شكل من أشكال الموت البطيء.

     في أعمال فرح، لا يظهر الأبُ باعتباره فردًا فقط، بلْ باعتباره امتدادًا للعشيرةِ والسُّلطةِ السياسية، فالمجتمعُ الصومالي الذي يُقَدِّمه فرح مجتمع تحكمه التقاليد الصارمة، حيث تُختزَل المرأة في الطاعة، ويُختزَل الابنُ في الامتثال. والأبُ هُنا لَيس شخصًا، بلْ مؤسسة كاملة.

     ويُصبح الانتماءُ العائلي نوعًا مِن الأسْرِ الوجودي. الشخصياتُ تعيش تحت وطأة الرقابة الأخلاقية والاجتماعية، ويُصبح الجسدُ مَيدانًا للسَّيطرة. المرأةُ تُراقَب باسمِ الشرف، والطفلُ يُشكَّل وفق نموذج ذُكوري صارم، وأيَّة محاولة للخروج من هذا النسق تُعَدُّ خيانة للجماعة.

     أمَّا بالدوين، فيتناول السُّلطةَ الأبوية من زاوية مختلفة، لكنها لا تقلُّ قسوةً. يَظهر الأبُ بوصفه رَجل دِين مُتسلطًا يستخدم الخِطابَ الدِّيني لتبرير عُنْفِه واستبدادِه. والأبُ يُمارس سُلطةً مُزدوجة: سُلطة الرَّجل، وسُلطة المُقَدَّس. لذلك يُصبح التمردُ عليه أكثر تعقيدًا، لأنَّ الابن لا يواجه شخصًا فقط، بلْ يُواجه بُنيةً أخلاقية كاملة تُقْنعه بأن الطاعة فضيلة، وأن الرغبة خطيئة.

     وهكذا يكشف الكاتبان أن السُّلطة الأبوية لا تعتمد على القوة الجسدية وحدها، بلْ على إنتاج الشعورِ بالذنب والخوف. إنها سُلطة تَجعل الإنسانَ يُراقب نَفْسَه بِنَفْسِه، ويقمع رغباته الداخلية خشية العِقاب الاجتماعي.

     مِن أبرز الأمور المُشتركة بين فرح وبالدوين أن الجسد في أعمالهما لَيس مُجرَّد حُضور بيولوجي، بلْ مساحة للصراعِ السياسي والأخلاقي. فالسُّلطةُ الأبوية تسعى دائمًا إلى السيطرةِ على الجسدِ: كيف يتحرَّك؟، كي يُحِبُّ؟، كيف يَرغب؟، كيف يُعبِّر عن ذاته؟.

     في روايات فرح، يبدو الجسد الأنثوي تحديدًا مَوضوعًا للهَيمنة. المرأةُ تُحاصَر بالأعرافِ، وتُختزَل في أدوارِ الإنجابِ والطاعة. لكنَّ فرح يمنح شخصياته النسائية قوةً داخلية استثنائية، فهي لا تُواجه السُّلطةَ بالصُّراخ فقط،بلْ بالمُقاومة الصامتة أحيانًا، وبإعادةِ تعريفِ ذاتها خارج شروط الرجل. والمرأةُ عند فرح لَيست ضحية مُطْلقة، بلْ هي ذات تبحث عن حُريتها وسط عالَم عدائي. ولهذا فإن رواياته تُمثِّل نقدًا جذريًّا للبُنية الذكورية في المجتمع الأفريقي التقليدي، دون أن تقع في التبسيط أو الشعاراتية.

     أمَّا عِند بالدوين، فإنَّ الجسد يرتبط بالهُوية الجنسية والعِرقية معًا. الرَّجلُ الأسود في المجتمع الأمريكي يعيش قمعًا مزدوجًا:قمع العُنصرية البيضاء،وقمع السُّلطة الذكورية داخل مجتمع نَفْسِه. ولهذا كانتْ كتابات بالدوين شجاعة بصورة استثنائية،لأنه لَم يكتفِ بفضخ العُنصرية،بلْ كشفَ أيضًا هشاشةَ النموذج الذكوري التقليدي.يَتحوَّل الجسدُ إلى سؤال وجودي: هلْ يستطيع الإنسانُ أن يحب بحرية دون خوف من المجتمع؟ ، وهل يُمكن للهُوية أن تتحقق خارج قوالب الذكورة المفروضة؟. وقدْ أدركَ بالدوين أن السُّلطة الأبوية لا تقتل الحريةَ فقط،بلْ تقتل القُدرةَ على الحُبِّ الصادق.

     ما يُميِّز مشروع فرح بصورة خاصة هو الرابط العميق بين السُّلطة الأبوية والسُّلطة السياسية. فالدكتاتور في رواياته يُشبِه الأبَ المُستبد، وكلاهما يقوم على إخضاع الفرد، وتجريده من صوته الخاص.

     لقدْ عاشَ فرح تجربة المنفى بسبب معارضته السياسية، لذلك جاءت رواياته مُحمَّلة بسؤال الحرية. والدَّولةُ في عَالَمه لَيست سِوى نُسخة مُكبَّرة من العائلة السُّلطوية، حيث يُطلَب من المواطن الطاعة المُطْلقة، ويُنظَر إلى الاختلاف باعتباره تهديدًا للنظام.

     وفي المقابل، يرى بالدوين أن الدَّولة الأمريكية قامتْ على بُنية أبوية عُنصرية، تَجعل الرجلَ الأبيضَ مركزَ السُّلطة والمعنى.لذلك، فإنَّ نقده للأبِ يمتدُّ تلقائيًّا إلى نقدِ المجتمع الأمريكي كُلِّه.

     لقد فهمَ بالدوين أن العُنصرية لَيست مُجرَّد كراهية لَون، بلْ هي نظام سُلطة متكامل يقوم على إخضاع الآخَر، وتجريده من إنسانيته.

كاتب من الأردن

           
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع ذات صلة

حولي الريادة

19 مايو 2026 - 11:33 ص

بلغ التضامن بين وزراء حكومة الكفاءات والصفقات أعلى مستوياته من خلال تدخل وزير الفلاحة لإنقاذ زميله في قطاع التعليم من

نظام الطيبات بين صنمية الطب وإنصاف التاريخ

18 مايو 2026 - 11:56 م

في سياق الجدال القائم حول نظام الطيبات للدكتور ضياء العوضي، وانتشار حملات تشويه ممنهجة لمحاربة أفكاره من قبل المجتمع الطبي

سورية والمغرب: عودة العلاقات إلى جذورها الطبيعية

18 مايو 2026 - 11:51 م

توصلت جريدة “الشعاع الجديد” بمقال رأي من الناشط السياسي السوري أحمد رمضان، رئيس حركة العمل الوطني في سورية، يتناول فيه

صرخة الفلسفة النسوية في وجه الـ”ما كارثية الفيلو-سامية” -إبادة غزة وصمة عار في جبين الإنسانية

18 مايو 2026 - 8:15 م

“حتى أحفاد النازيين لا يطيقونك، أيتها الـ’كابو’ العاهرة” !! هذه واحدة من رسائل القذف والشتم والتهجم التي توصلت بها الفيلسوفة الأمريكية

المقر الجديد لإدارة الأمن الوطني بين ذكرى التأسيس ومواصلة التحديث

18 مايو 2026 - 11:44 ص

أشرف السيد عبد اللطيف الحموشي، المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، على ترؤس مراسيم افتتاح المقر المركزي الجديد للمديرية

اختر مدينتك
الفجرالشروقالضهرالعصرالمغربالعشاء
الرطوبة : %
الرياح : km/h
°
°
°