يشكل قرار وكالة “موديز” (Moody’s) القاضي برفع النظرة المستقبلية للتصنيف السيادي للمغرب من مستقرة إلى إيجابية، مع تثبيت تصنيفه الائتماني عند مستوى”Ba1“، مؤشرا جديدا على تحولات متدرجة في صورة الاقتصاد المغربي لدى المؤسسات المالية الدولية، حيث يأتي هذا التطور في سياق إقليمي ودولي يتسم بتقلبات اقتصادية وجيوسياسية متسارعة، ما يجعل أي إشادة دولية بصلابة المؤشرات الاقتصادية بمثابة رسالة ثقة إضافية في مسار الإصلاحات التي اعتمدها المغرب خلال السنوات الأخيرة.
ويثير هذا التطور في الوقت ذاته نقاشا أوسع حول آفاق الاقتصاد المغربي في المرحلة المقبلة، ومدى قدرته على تحويل هذه الإشارات الإيجابية إلى مكاسب هيكلية مستدامة، وعن إن كان يشكل هذا التحسن خطوة تمهيدية نحو ترقية مرتقبة في التصنيف السيادي، وكذا استطاعة الاقتصاد الوطني استثمار هذه الثقة الدولية لتعزيز جاذبيته الاستثمارية وتسريع وتيرة النمو، أم أن التحديات البنيوية المرتبطة بالنمو والتشغيل والمالية العمومية ستظل عاملا محددا لمسار هذا التصنيف مستقبلا.
-دلالات التصنيف
يبرز محمد أفزاز، الخبير والمحلل الاقتصادي المقيم في قطر، أن قرار رفع النظرة المستقبلية للتصنيف السيادي للمغرب يعكس قبل كل شيء رسالة واضحة من الأسواق المالية الدولية مفادها أن الإصلاحات الاقتصادية التي اعتمدتها المملكة خلال السنوات الماضية بدأت تؤتي ثمارها تدريجيا.
واعتبر أفزاز في تصريح لجريدة “الشعاع”، أن انتقال النظرة المستقبلية من “مستقرة” إلى “إيجابية” يعني أن المؤسسات المالية العالمية ترى إمكانية واقعية لتحسن المؤشرات الاقتصادية الكلية للمغرب خلال المرحلة المقبلة.
وأشار إلى أن هذا التقييم يعكس أيضا ثقة متزايدة لدى المتعاملين الدوليين في قدرة الاقتصاد المغربي على الحفاظ على مستوى من الاستقرار المالي، رغم التحديات المتعددة التي واجهها في السنوات الأخيرة. ف
وأضاف أن المغرب وفق هذا التقييم، أظهر قدرة نسبية على التعامل مع مجموعة من الصدمات الاقتصادية، سواء تلك المرتبطة بالداخل أو الناجمة عن التحولات الاقتصادية العالمية.
وتابع أن هذا التصنيف يحمل في طياته إشارة مهمة تتعلق بإمكانية ترقية التصنيف الائتماني للمغرب مستقبلا إلى فئة أعلى، وهو ما من شأنه أن يعزز قدرة البلاد على جذب الاستثمارات الدولية.
ولفت الخبير والمحلل الاقتصادي، إلى أنه يمنح المغرب هامشا أكبر في الولوج إلى أسواق الدين العالمية بشروط أكثر مرونة، سواء من حيث حجم التمويلات المتاحة أو كلفة الاقتراض.
-ثقة المستثمرين
من بين أهم الانعكاسات المباشرة لتحسن النظرة المستقبلية للتصنيف السيادي، بحسب أفزاز، تعزيز مستوى الثقة لدى المستثمرين الدوليين في الاقتصاد المغربي، فكلما تحسن تقييم دولة ما لدى وكالات التصنيف الدولية، ارتفع مستوى الاطمئنان لدى المستثمرين والمؤسسات المالية بشأن استقرار بيئتها الاقتصادية وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها المالية.
وأكد أن هذا التحسن ينعكس إيجابا على صورة المغرب لدى الصناديق الاستثمارية الدولية، التي تعتمد بشكل كبير على تقارير وكالات التصنيف الائتماني في تحديد وجهاتها الاستثمارية.
وأبرز الخبير والمحلل الاقتصادي، أن ارتفاع الثقة الدولية يساهم في تقليص مستوى المخاطر المرتبطة بالاقتصاد المحلي، وهو عامل حاسم في قرارات الاستثمار الكبرى.
واعتبر أن هذا التحسن يفتح المجال أمام تدفقات استثمارية إضافية نحو المشاريع الاقتصادية التي يطلقها المغرب في مختلف القطاعات.
والمستثمر الدولي، وفق أفزاز، يبحث دائما عن بيئة اقتصادية مستقرة ومؤشرات مالية موثوقة، وهو ما يسعى المغرب إلى ترسيخه من خلال سياساته الاقتصادية والإصلاحية.
-كلفة الاقتراض
من النتائج المهمة لتحسن التصنيف السيادي أيضا، انخفاض كلفة الاقتراض في الأسواق المالية الدولية، ويشرح أفزاز أن وكالات التصنيف الائتماني تؤثر بشكل مباشر في شروط تمويل الدول، إذ إن ارتفاع التصنيف أو تحسن النظرة المستقبلية غالبا ما يؤدي إلى انخفاض أسعار الفائدة التي تدفعها الدول عند إصدار السندات أو طلب القروض.
وأشار إلى أنه في حالة المغرب، يكتسي هذا العامل أهمية خاصة بالنظر إلى حجم المشاريع الكبرى التي يستعد لتنفيذها خلال السنوات المقبلة، فهذه المشاريع تحتاج إلى موارد مالية ضخمة، وسيكون جزء من تمويلها معتمدا على أسواق المال الدولية.
وأبرز أن اقتراب موعد تنظيم كأس العالم 2030 يمثل أحد السياقات التي تجعل تحسين شروط التمويل أمرا بالغ الأهمية، نظرا إلى ما يتطلبه هذا الحدث من استثمارات كبيرة في البنية التحتية والمرافق الاقتصادية والرياضية.
وشدد الخبير والمحلل الاقتصادي على أن تحسن التصنيف الائتماني يمكن أن يساهم في تقليص الكلفة الإجمالية لهذه المشاريع عبر الحصول على تمويلات بشروط أفضل.
-أثر مؤسساتي
لا يقتصر تأثير التصنيف السيادي على الدولة وحدها، بل يمتد أيضا إلى المؤسسات الاقتصادية العمومية والخاصة داخل البلد، حيث يوضح أفزاز أن تحسن تصنيف المغرب ينعكس تلقائيا على تقييم عدد من المؤسسات الوطنية والشركات الكبرى، وهو ما يفتح أمامها بدورها فرصا أوسع للولوج إلى التمويلات الدولية.
ولفت إلى أن الشركات الكبرى، خاصة تلك التي تنشط في القطاعات الصناعية أو الخدمية ذات الطابع الاستراتيجي، يمكن أن تستفيد من هذا التحسن عبر إصدار سندات أو الحصول على قروض بشروط أفضل، وهذا الأمر يساهم في تعزيز قدراتها الاستثمارية وتمكينها من تنفيذ مشاريع توسعية داخل المغرب وخارجه.
وأوضح أن هذا التحسن قد ينعكس إيجابا على جاذبية بورصة الدار البيضاء التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة إحدى الوجهات التي تستقطب اهتمام المستثمرين الدوليين الباحثين عن فرص استثمارية في الأسواق الصاعدة.
-تحديات قائمة
رغم المؤشرات الإيجابية المرتبطة بتحسن النظرة المستقبلية للتصنيف السيادي، يؤكد أفزاز أن الاقتصاد المغربي ما زال يواجه مجموعة من التحديات البنيوية التي ينبغي التعامل معها بجدية لضمان استدامة هذا المسار.
ولفت إلى أن أول هذه التحديات يتمثل في هشاشة النمو الاقتصادي، الذي ما يزال يتأثر بشكل ملحوظ بالتقلبات المناخية، فارتباط الاقتصاد المغربي بالقطاع الفلاحي يجعل معدلات النمو عرضة للتذبذب تبعا لمستوى التساقطات المطرية، وهو ما يفرض ضرورة تسريع التحول نحو اقتصاد أكثر تنوعا وأقل اعتمادا على الفلاحة.
واستطرد أن التحدي الثاني يرتبط بقدرة الاقتصاد المغربي على خلق فرص شغل كافية، خاصة لفائدة الشباب، فارتفاع معدلات البطالة بين هذه الفئة يشكل مصدر قلق اجتماعي واقتصادي في آن واحد، بينما يمثل خفض البطالة عاملا أساسيا لتعزيز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
وأضاف أن التحدي الثالث يتعلق بالضغوط المرتبطة بارتفاع مستويات الدين والعجز المالي، وهي قضايا تظل حاضرة في النقاشات الاقتصادية المرتبطة بالمالية العمومية، وتفرض مواصلة الإصلاحات الرامية إلى تحقيق توازن مستدام بين متطلبات الاستثمار العمومي واستقرار المؤشرات المالية.
-نماذج ملهمة
في سياق البحث عن مسارات ناجحة لتحسين التصنيف الائتماني، يشير أفزاز إلى إمكانية الاستفادة من تجارب عدد من الدول التي تمكنت من تحقيق قفزات نوعية في هذا المجال، ومن بين هذه النماذج، يبرز التجربتان البرتغالية والإسبانية خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، حيث نجح البلدان في تعزيز بنيتهما اللوجستية والصناعية، ما ساهم في تحسين موقعهما ضمن التصنيفات الاقتصادية الدولية.
واستحضر الخبير والمحلل الاقتصادي، التجربة التركية خلال مطلع الألفية الجديدة، حين تمكنت تركيا من تحقيق إصلاحات اقتصادية عميقة ساهمت في رفع تصنيفها الائتماني وتعزيز جاذبيتها الاستثمارية.
وشدد على أن هذه التجارب لا ينبغي استنساخها بشكل حرفي، بل يمكن الاستفادة منها في إطار مقاربة تحليلية تساعد المغرب على تطوير نموذج اقتصادي خاص به، يأخذ بعين الاعتبار خصوصياته الاقتصادية والاجتماعية وإمكاناته التنموية.
وأكد على أن المغرب يسير في اتجاه إيجابي على مستوى الإصلاحات الاقتصادية وتعزيز الأقطاب الصناعية الجديدة، مثل صناعة السيارات والطيران والطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر.
وأوضح أن الحفاظ على هذا المسار، يظل رهينا بقدرة الاقتصاد الوطني على تحقيق نمو مستدام، وخلق فرص عمل كافية، والحفاظ في الوقت ذاته على التوازنات المالية الكبرى، بما يعزز ثقة الأسواق العالمية ويهيئ الطريق نحو ترقية مرتقبة في التصنيف الائتماني مستقبلاً



تعليقات الزوار ( 0 )