يشكل الاستقرار المهني والاجتماعي للعاملين في قطاع النظافة ركيزة أساسية لضمان انتظام وجودة هذا المرفق العمومي، إذ إن أي هشاشة تطال الموارد البشرية تنعكس مباشرة على نظافة الفضاء العام، وصورة المدينة، وثقة الساكنة في قدرة الفاعلين المحليين على تدبير الشأن اليومي بكفاءة.
وفي هذا الإطار، تكتسب الدعوة التي وجهها المجلس الجماعي لمرتيل إلى الشركة المفوض لها تدبير قطاع النظافة، من أجل الرفع من مستوى النجاعة وتحسين جودة الخدمات، أبعادًا تتجاوز الجانب التقني الظرفي. فعدد من المتتبعين يرون فيها إقرارًا ضمنيًا بأن النموذج المعتمد لم يعد يحقق الأهداف المرجوة، وأن الاختلالات المتراكمة لم تعد قابلة للتجاوز بالحلول المؤقتة أو التبريرات المتكررة.
ومن منظور التدبير العمومي، فإن مطالبة الجهة المفوضة، بعد سنوات من تنفيذ عقد التدبير، بتعزيز الموارد البشرية واللوجستيكية وتحسين الجاهزية التشغيلية، تعكس حاجة واضحة إلى تصحيح المسار. إذ يفترض في عقود التدبير المفوض أن تتضمن، منذ البداية، برامج واضحة لتطوير الخدمات وتحديث المعدات وتحسين ظروف العمل، بدل اللجوء إلى إجراءات استعجالية تفرضها ضغوط الواقع.
ويبدو أن المجلس الجماعي يسير نحو اعتماد مقاربة أكثر صرامة، تقوم على منطق التقييم وربط الأداء بالمؤشرات القابلة للقياس، بدل الاكتفاء بتلقي الشروحات التقنية. وهي مقاربة تعكس تحولًا في طبيعة العلاقة مع الشركة المفوض لها، من تساهل إداري إلى التزام تعاقدي قائم على المسؤولية والمحاسبة.
في المقابل، تجد الشركة نفسها أمام هامش محدود لتدارك الوضع، لا يمكن تجاوزه إلا عبر استثمارات فعلية تشمل تحديث المعدات وتحسين ظروف اشتغال العمال وضمان استقرارهم المهني والاجتماعي، باعتبار ذلك مدخلًا أساسيًا لاستعادة النجاعة الميدانية. فخدمة النظافة لا تختزل في الآليات والتجهيزات، بل تقوم أساسًا على عنصر بشري يحتاج إلى التحفيز والحماية والاعتراف.
وإلى حين ظهور نتائج هذه التوجهات، يظل ملف النظافة بمرتيل مفتوحًا على عدة سيناريوهات، من بينها مراجعة شروط التدبير المفوض أو تفعيل آليات الزجر التعاقدي المنصوص عليها قانونًا، حمايةً للمرفق العام وصونًا للمال العمومي. وهي خيارات تعكس في جوهرها نقاشًا أعمق حول حدود وفعالية نماذج التدبير المفوض في غياب الرقابة الصارمة والتقييم الدوري.
وبذلك، يتجاوز ملف النظافة بمرتيل كونه خدمة يومية، ليصبح مرآة تعكس إشكالات التدبير المحلي، وتطرح بإلحاح ضرورة إعادة التفكير في فلسفة التعاقد، وحدود التفويض، ومكانة العنصر البشري داخل أي سياسة تروم خدمة المدينة وساكنتها.




تعليقات الزوار ( 0 )