ما جرى في دافوس لا يمكن قراءته بمنطق الخبر العابر ولا بمنطق الاصطفاف الأخلاقي السريع، لأن السياسة الدولية لا تفهم بالنيات ولا تدار بالعواطف، بل تقرأ بوصفها حقل قوة كما وصفه ماكس فيبر، حيث تتقاطع المصالح وتتصارع التأويلات وتعاد صياغة الشرعيات كلما دخل العالم مرحلة انتقال كبرى، فنحن اليوم بلا مبالغة في قلب لحظة انتقال من نظام دولي أنهكته التوافقات الشكلية، إلى نظام جديد لم تتضح ملامحه بعد لكنه يتشكل خارج القواعد التي أُسست بعد الحرب العالمية الثانية.
وفي هذا السياق تحديدا لا يبدو انخراط المغرب في مجلس السلام فعلا ارتجاليا ولا مقامرة دبلوماسية، بل تعبيرا مكثفا عن ذكاء سياسي نادر في محيط دولي مرتبك، فالدولة التي تملك قراءة باردة للتحولات لا تنتظر اكتمال البناء لتدخل بل تدخل في لحظة السيولة، وذلك حين تكون القواعد قابلة للتأثير وحين لا يكون توزيع الأدوار قد تجمد بعد، وهذه القاعدة عبر عنها هنري كيسنجر بوضوح حين قال إن من لا يشارك في صياغة النظام الدولي الجديد، سيجد نفسه لاحقا محكوما بقواعد لم يضعها.
فالمغرب تحت قيادة الملك محمد السادس لا يتحرك بمنطق رد الفعل بل بمنطق الاستباق، والفرق بين الدول التي تصنع موقعها، والدول التي تكتفي بالتعليق هو أن الأولى تفهم أن الشرعية في العلاقات الدولية، لم تعد حكرا على المؤسسات بل باتت موزعة بين القوة والرمز والقدرة على التموضع، وهنا نستحضر تحليل أنطونيو غرامشي حول الهيمنة، وذلك حين ميز بين السيطرة بالقوة الصلبة والهيمنة التي تمارس عبر القبول والشرعية، فالمغرب لا يملك ترسانة عسكرية عظمى غير أنه يملك رأسمالا رمزيا وتاريخيا وجيوسياسيا يجعله فاعلا لا يمكن تجاوزه.
وانخراط المغرب في مجلس السلام لا يعني الارتهان لشخص أو لإدارة، بل يعكس فهما عميقا لمنطق السلطة في المرحلة الراهنة، فدونالد ترامب بغض النظر عن المواقف الأخلاقية منه، ليس سبب التحول بل نتيجته، فهو كما يقول زيغمونت باومان أحد تجليات الحداثة السائلة التي تتفكك فيها الأطر الصلبة وتعلو فيها الشخصيات القادرة على اختزال القرار في ذاتها، ومن يختزل النقاش في شخص ترامب يفوت جوهر المسألة، وهي أن العالم يتجه نحو شخصنة القرار لأن المؤسسات فشلت في إنتاج حلول.
وفي هذا المناخ لا تكون الحكمة في الانسحاب ولا في الرفض المبدئي، بل في الحضور الذكي، فعالم الاجتماع بيير بورديو علمنا أن الفاعل الذي يمتلك رأسمالا رمزيا قادر على تحويله إلى نفوذ إذا أحسن اختيار الحقل، والمغرب بصفته دولة يرأس ملكها لجنة القدس، فهو لا يدخل مجلس السلام بوصفه مجرد عضو بل بوصفه حاملا لقضية مركزية في الوعي الإنساني، فالأمر يتعلق بقضية تمنح أي إطار دولي يبحث عن الشرعية الأخلاقية معنى إضافيا لوجوده.
وهنا تظهر عبقرية القرار الملكي، فالملك محمد السادس لا يضع المغرب في مواجهة مع أوروبا ولا يقطعه عن الصين أو روسيا ولا يرهنه بالكامل للولايات المتحدة، بل يشتغل بمنطق تعدد المسارات، وهذا ما يسميه عالم السياسة ريمون آرون بالعقلانية المأساوية، ومؤداها اتخاذ القرار في عالم لا توجد فيه خيارات نقية بل فقط مفاضلات أقل كلفة من غيرها، فالمغرب لا يختار بين الأبيض والأسود بل يتحرك في منطقة الرمادي الواسعة التي تصنع فيها السياسات الكبرى.
إن الحديث عن المليار دولار بمنطق الإدانة الأخلاقية يفتقد لأي فهم للاقتصاد السياسي للعلاقات الدولية، فالدول لا تدفع أموالا بدافع الكرم أو الولاء بل تستثمر في النفوذ، وكما قال جوزيف شومبيتر فالرأسمالية في جوهرها تحويل المال إلى سلطة والسلطة إلى قدرة على التأثير، فالمغرب لم يشترِ صداقة أحد بل اشترى موقعا متقدما في طاولة يعاد حولها توزيع الأدوار.
ومن يعتقد أن الجلوس إلى تلك الطاولة بلا ثمن أو بلا مخاطرة لا يفهم طبيعة السياسة، فنيكيولا ميكيافيلي الذي كثيرا ما يساء فهمه كان واضحا حين قال إن الحاكم العاقل لا يتجنب المخاطر بل يختار مخاطره بعناية، والمغرب بقيادة ملك يمتلك تجربة طويلة في إدارة التوازنات، ويعرف جيدا أين يضع قدمه ومتى يتقدم ومتى يترك هامش التراجع مفتوحا.
فالذكاء المغربي لا يتجلى فقط في القرار بل في طريقة تسويقه رمزيا، فربط الانخراط في مجلس السلام بالدفاع عن القدس ليس خطابا استهلاكيا بل توظيفا واعيا للشرعية التاريخية والدينية في فضاء دولي يعاني من فقر أخلاقي حاد، فهانا آرندت كانت ترى أن السياسة بلا معنى أخلاقي تتحول إلى إدارة عنف فقط، والمغرب يقدم نفسه داخل هذا المجلس، كفاعل قادر على إعادة إدخال البعد الرمزي في صناعة السلام لا بوصفه واعظا بل بوصفه شريكا.
قد يفشل مجلس السلام وقد يتحول إلى مجرد إطار نفوذ محدود، وقد ينجح جزئيا، لكن الفشل أو النجاح ليسا معيار الحكم على القرار المغربي، فالمعيار الحقيقي هو أن المغرب اختار أن يكون داخل لحظة التحول لا خارجها وأن يؤثر بدل أن يؤثر فيه، وكما قال ميشيل فوكو فإن السلطة ليست شيئا يمتلك بل علاقة تمارس، والمغرب يمارس هذه العلاقة بذكاء وبهدوء ومن دون ضجيج أيديولوجي.
ففي عالم يتجه نحو تفكك اليقينيات وتراجع الخطابات الكبرى، وصعود منطق القوة العارية، يظهر المغرب كدولة تفهم أن البقاء في السياسة الدولية ليس للأكثر صراخا، بل للأكثر قدرة على قراءة اللحظة، والملك محمد السادس في هذا السياق لا يدير دبلوماسية تقليدية بل يقود هندسة تموقع طويل الأمد، ويعرف أن التاريخ لا يرحم من يكتفي بالمشاهدة.
ذلك أنه ليس كل اقتراب تبعية وليس كل مسافة حكمة، وبين القرب والبعد تمارس السياسة الحقيقية، والمغرب مرة أخرى يثبت أنه لا يلعب خارج الزمن بل داخله بعقل بارد ويد ثابتة وبوصلة تعرف جيدا أين توجد المصلحة الوطنية، وأين يجب أن يكون موقع البلاد حين يعاد تشكيل العالم.




تعليقات الزوار ( 0 )