في مقال كتبته عن طوفان الأقصى قلت: إن الورقة الكبرى التي ستحسم الصراع بين الكيان الصهيوني والمقاومة الفلسطينية هي ورقة الأسرى، ثم كتبت بعدها عن «اليوم التالي» الذي لم يأت بعد، وأشرت إلى أن خيارات إسرائيل محدودة جدا إن لم تكن معدومة في ترتيب «مستقبل ما بعد حماس» واليوم تؤكد الوقائع أن جولات التفاوض التي كادت أن تصل إلى تسوية، تفشل في نهاية المطاف، بسبب الموقف الإسرائيلي، الذي يتعلق بجزئيات وحيثيات، كان من قبل قد حسمها، ليتراجع عنها، كما ولو كان قصده من هذه المفاوضات هو إحراج حماس، ودفعها لرفض الصفقة حتى توضع في الركن الضيق، وتتهم بتعميق معاناة الشعب الفلسطيني، برغبتها في إدامة الحرب.
في المراحل السابقة، كانت معادلة الردع المشترك، تعتمد القدرة على تحقيق إنجازات في الميدان العسكري، وكان الرهان الإسرائيلي على تقويض قدرات حماس العسكرية ومنع كتائبها من التقاط أنفاسها وإعادة تنظيم قوتها، بينما سلكت فصائل المقاومة تكتيكات مختلفة جديدة تراهن على النفس البعيد في الحرب، حتى تضبط إيقاع الحرب، وتتحرك بقوة في اللحظات الحاسمة التي تفرضها عملية التفاوض.
كان الأمل معقودا على الصفقة الأخيرة، خاصة لما قبلتها حماس، ولما بدأت الولايات المتحدة الأمريكية تمارس قدرا كبيرا من الضغوط على الكيان الصهيوني من أجل إقناعه بإنهاء الحرب، وقبول مقتضيات هذه الصفقة.
المراقبون، ووسائل الإعلام، وكثير من المحللين تفاجأوا بالتعنت الإسرائيلي، ورفضها في الأخير لهذه الصفقة، لكنهم في الأخير، عزوا الأمر إلى حسابات شخصية لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي كما تبدو سياسته، لا يزال مستمرا على إدامة زمن الحرب، لكسب مزيد من الوقت، والتهرب من المساءلة السياسية والقضائية.
لكن هذا التحليل على وجاهته، وصدقية المؤشرات التي يعتمدها، فإنه يخفي الجوهري في الصراع، ويغطي على الحقيقة الصادمة، المتعلقة بفراغ مروحة إسرائيل تماما من الخيارات، وأن السبعة أشهر التي قضتها في الحرب، وأنفقت فيها مبالغ ضخمة، وأنتجت كما هائلا من الخطاب الإعلامي الكثيف الذي يتخفى وراء شعار «تأمين الشعب الإسرائيلي» لم تنجح ليس فقط في القضاء على حماس كبنية قتالية مسلحة، بل لم تستطع أن تجعل من شبكة علاقات إسرائيل، وحلفائها، وموازين القوى التي تخدمها، أو على الأقل تجنبها المساءلة، أوراقا صالحة للاعتماد لتشكيل بديل سياسي وأمني لحماس على أرض غزة.
نتوقف طويلا عند تصريحات المسؤولين الإسرائيليين هذا الأسبوع، وبالتحديد تصريحات وزير الدفاع يوآف غالانت، وعضو مجلس الحرب الإسرائيلي بيني غانتس، وردود رئيس الوزراء عليهما، ونستمع أيضا إلى تصريحات مسؤولين في الجيش والمؤسسات الأمنية، والتي تشترك كلها في نقطة « سيناريو ما بعد حماس» أو ما يسمونه بـ«اليوم التالي».
قادة الجيش، بكل وضوح، وهذه المرة، كشفوا ما كان يتداول سرا في مجلس الحرب الإسرائيلي، من أن الرهان على إدارة عسكرية إسرائيلية لقطاع غزة غير ممكن، وهو خيار دموي لا يمكن تحمله، وعضو مجلس الحرب بيني غانتس، وضع رئيس الوزراء في الركن الضيق، حين طالبه بالكشف عن رؤيته لليوم التالي، أو عن خياراته بعد حماس، وقادة المؤسسات الأمنية يطلون كل يوم بتصريحات على وسائل الإعلام الأمريكية يحصرون الخيارات المتبقية في «عودة حماس للسلطة» أو «إدارة عسكرية إسرائيلية» لقطاع غزة» ورئيس الوزراء الإسرائيلي يحاول التهرب من كل هذه الأسئلة المحرجة، ويرد على وزير دفاعه بالقول: «لست مستعدا لاستبدال حكم حماستان بفتحستان» أي أنه لا يوجد خيار مطروح على الطاولة من لدن المسؤولين الإسرائيليين سوى منظمة التحرير الفلسطينية (فتح) وأنه لا يقبل بهذا الخيار، لأنه يدرك أنه غير ممكن عمليا.
الإدارة الأمريكية منذ زمن تعرف أن البيت الإسرائيلي يمضي نحو التآكل، وتدرك أن الخيارات المطروحة ضيقة وغير ممكنة التحقق، خاصة بعدما نأت الدول العربية بنفسها، وبلغت وزارة الخارجية الأمريكية رفضها المشاركة في قوة عربية متعددة في قطاع غزة، أو على الأقل تباطأت في التجاوب مع هذا الطلب، وهذا ما يفسر إلى حد كبير الهجوم الذي شنه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على مصر متهما إياها بـ«احتجاز سكان غزة رهائن في رفع ورفضها التعاون مع الإسرائيليين».
المقاومة الفلسطينية تعرف أن الكيان الإسرائيلي فقد الخيارات بشكل مطلق، وحتى العمل العسكري الذي راهن عليه بنيامين نتنياهو من أجل تقويض قدرات حماس العسكرية والضغط عليها سياسيا للحصول على صفقة تحقق قدرا أعلى من المصالح الإسرائيلية، هذا العمل العسكري، تدرك حماس، أنه سيتجه إلى اتجاهين مكلفين، الأول هو إعادة العمليات العسكرية إلى المناطق التي سبق أن قال الجيش إنه حقق أهدافه العسكرية فيها، والثاني، هو شن عملية عسكرية واسعة في رفح.
الاتجاه الأول، يعرض المؤسسة العسكرية والأمنية للخطر، لأن التكرار، يورث الشك في القيادات، ويزرع عدم اليقين في الأهداف التي تحققت، ويضعف قدرة الجنود على المواجهة، فإذا كانت أهداف الأمس مشكوكا في تحقيقها مع الكلفة الضخمة من القتلى والضحايا، فأهداف اليوم والغد، ستكون هي الأخرى معرضة للشك، ومن ثمة، فما الداعي للمواجهة في ظل وجود قيادة عسكرية تغامر بجنودها دون خطة واضحة، يعرفون ما تحقق منها وما ينتظر التحقيق، والأخطر في هذه المغامرة، أن القيادة العسكرية، تصاب بتذمر شديد من جراء عدم امتلاك القيادة السياسية لخيارات ما بعد الحرب، فالسياسة كما يقول خبراء الحرب، هي استمرار للحرب بوسائل أخرى، لكن المشكلة أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لا يعرف ورقة للاستمرار في الحرب سوى بصوت المدافع، وهو ما يعمق التوتر بين القيادة السياسية والقيادة العسكرية.
وأما الاتجاه الثاني، أي خوض حرب واسعة في رفح، فالمعضلة أكبر، لأن ذلك من جهة يدخل إسرائيل في عزلة دولية جديدة، ويجعل معادلة التسقيف الدولي والإقليمي للحرب على غزة، تخرج عن حدودها، كما يعرض الأمن القومي المصري للخطر، بسبب أن هذا «الخيار» المغامر، يعيد إنتاج سيناريو التهجير القسري إلى مصر وتوطين فلسطينيي غزة بسيناء، ولعل هذا ما يعكس إصرار الإدارة الأمريكية على الضغط على إسرائيل لإقناعها بتسقيف دائرة الحرب على رفح والامتناع عن اجتياح المدينة.
في نهاية المطاف، أبان الأداء العسكري المتميز لحماس وقوى المقاومة الفلسطينية هذا الأسبوع سواء في رفح أو في جباليا وحي الزيتون أنه لا الحرب المحدودة على رفح ستوفر خيارا للإسرائيليين، ولا إطالة مدة الحرب سيهيئ بديلا لحماس، ولا الخيار الدبلوماسي والسياسي، سيدفع الدول العربية للانخراط في سيناريو تأمين خيار استبدال حماس بفتح، وأن السيناريو الأقرب إلى التصور أن يمضي الداخل الإسرائيلي في التفكك، بالشكل الذي يكون فيه التضحية برئيس الوزراء أفضل خيار للخروج من معضلة عدم وجود بديل لحماس، وترك مستقبل قطاع غزة للقرار الفلسطيني المستقل، والإسراع لإنجاز صفقة أسرى بتقديم كلفة كبيرة، لا تهم بالنسبة إلى الطرف الإسرائيلي في ذلك الوقت ما دامت عائلات الأسرى ستثمن الصفقة، وسترمي باللائمة كلها على رئيس وزراء ضحى بكل شيء في إسرائيل بما في ذلك الأمن، للإفلات من المحاسبة والعقاب.




تعليقات الزوار ( 0 )