حين يكتب من لا يملك أدوات التحليل بلغة الادعاء، ويستعير قناع الصحافة ليخفي خواء المنهج، يصبح النص أقرب إلى منشور فيسبوكي خرج من زر نقر عليه في أحد دواوير إقليم سطات لا إلى مادة إعلامية تستحق التداول العمومي. فمقال صحفة الغراب 24 لا يقدم تحقيقا ولا تحليلا بل يمارس ما يسميه إميل دوركهايم بتشويش الوظيفة الاجتماعية للخطاب، وذلك حين تتحول الصحافة من أداة إيضاح إلى أداة إيحاء ومن نقل الوقائع إلى صناعة الانطباعات.
إن وصف مواقع صحفية خاضعة لقانون الصحافة والنشر وتشتغل وفق قواعد مهنية واضحة، وتضم صحافيين أكفاء ودكاترة في تخصصات متعددة، بأنها غير معروفة ليس سوى محاولة بدائية لإعادة ترتيب الحقل الإعلامي بمنطق القرية لا بمنطق الدولة، فالمعرفة كما يقول بول ريكور لا تقاس بدرجة الضجيج الذي يرافقها بل بعمق الحفر الذي تقوم به في الوقائع، والمؤسسات الإعلامية التي تناولت الملف لم تفعل ذلك بقرار فوقي ولا بإيعاز من أي جهة، بل لأن الموضوع خبر راج يهم الرأي العام الجامعي وتم التعامل معه بمنهج التحقيق لا بمنطق القيل والقال.
وأما الادعاء الساذج بأن هذه المواد نشرت بتوجيه من عميدة الكلية فهو يعكس عقلا مؤامراتيا يرى العالم شبكة أوامر لا شبكة وقائع، والحال أن المؤسسة الإعلامية التي نحن بصددها فتحت تحقيقا صحفيا جماعيا، واشتغلت على مضمون الشكاية ودرست سياقها وانتهت إلى تقدير مهني يعتبرها شكاية كيدية، وهذا التقدير ليس حكما قضائيا ولا ادعاء عصمة، بل قراءة صحفية مؤسسة على معطيات موثقة، وهو ما يندرج ضمن ما سماه رايمون آرون بحق الخطأ المشروع داخل المجال العمومي.
واللافت أن هذه التغطية لم تمس شخص الأستاذ المتقاعد من قريب أو بعيد، ولم تتخذ من اسمه مادة للتشهير، بل التزمت بمناقشة الوقائع والادعاءات الواردة في الشكاية، وهو سلوك ينسجم مع أخلاقيات المهنة لا مع منطق الاستهداف الشخصي الذي يحاول كاتب الصحفة الفيسبوكية الغراب 24 إلصاقه زورا، فالخلط بين الشخص والملف هو سمة الخطاب الضعيف، كما يوضح هربرت ماركوز حين يعتبر أن الخطاب الذي يفتقر إلى الحجة يستدعي الشخصنة كتعويض.
وأما الصفحة الفيسبوكية التي خرج منها هذا المقال، والتي لا تربطها أية علاقة بمهنة الصحافة والنشر بمقتضى قرار قضائي، فهي نموذج لما يسميه زيغمونت باومان بالفاعلين العابرين، وهم أولئك الذين يعيشون على هامش المؤسسات ويقتاتون من الإثارة، ويخلطون بين النشر والممارسة الصحفية، فهي صفحة تشبه طائر الغراب ولا تأتي بخبر إلا محملا بالسوء، ولا تحط إلا حيث توجد جثة رمزية لتنهشها.
وهذه الصفحة التي حاول صاحبها مرارا فتح منافذ داخل الكلية عبر منطق الاتجار والوساطات والشراكات المزعومة، واصطدم برفض مؤسساتي حاسم، فلم يجد سوى الابتزاز طريقا وحين فشل تحولت إلى خطاب انتقامي، وهو سلوك يفسره دوركهايم باعتباره انحرافا ناتجا عن فشل الاندماج في القواعد الجماعية، حيث يتحول الإقصاء الذاتي إلى عدوان رمزي على المؤسسات.
وأما محاولة الزج بمؤسسات صحفية وطنية لتضخيم المقال فهي مناورة مكشوفة، فباستثناء جريدة واحدة، والتي من المحتمل أنها وقعت في الغلط، ولم تستكمل عناصر التحري، فإن باقي الصفحات التي أعادت النشر لم تقم بتحقيق مستقل، وهو ما يفرغ الاستدلال من محتواه، فالصحافة كما يقول ألتوسير لا تكون معرفة إلا حين تقطع مع إعادة الإنتاج الآلي للخبر.
وإذا كانت هناك صفحات من قبيل الأفول بعلامتها صنع في الصين، فإنها لا تشكل وزنا في ميزان الرأي العام، ولا يعول عليها إلا للمجاملة أو لتلميع الغراب عبر غراب شبيهه، وهنا يصبح المشهد أقرب إلى مسرح عبثي، حيث صفحة فيسبوكية تهاجم صحافة مهنية باسم معايير لا تملكها وبمنطق لا يتجاوز حدود الدوار.
إن الإشكال الحقيقي ليس في دفاع صفحة فيسبوكية الغراب 24 عن الأستاذ المشتكي، ولا في انتقاده لمؤسسات إعلامية، بل في ادعائه احتكار المعنى ونصب نفسه قاضيا أخلاقيا يوزع صكوك المصداقية وعدم المصداقية من خلف شاشة هاتف مهترئ، وهو ما حذر منه ألكسيس دو توكفيل حين قال إن أخطر أشكال الطغيان هو ذاك الذي يمارس باسم الرأي العام دون أن يمتلك شروطه.
صفوة القول أن المؤسسة الإعلامية التي تحميها سمعتها لا تحتاج إلى شهادة حسن سلوك من صفحة فيسبوكية تدار بزر في دوار، لأن المؤسسة الاعلامية قوتها في خضوعها للقانون وفي اشتغالها بالتحقيق لا بالتحريض، وفي كتابها من الأكاديميين والباحثين لا من هواة النباح الرقمي، وأما الصفحة الفيسبوكية الغراب 24 فهو ليس أكثر من صدى صوت مرتد يعلو لأن المكان فارغ، ويبدو مزعجا لأن الصمت حوله أكبر من قيمته، وفي الواقع فإن الضجيج لا يصنع الحقيقة بل يكشف هشاشة من يفتقر إليها.






تعليقات الزوار ( 0 )