أخبار ساعة

17:49 - مصرع 42 شخصاً وإصابة حوالي 3 آلاف آخرين في حوادث سير خلال أسبوع داخل المدن17:28 - مطالب لوزير الفلاحة بالإفراج الفوري عن دعم “إعادة تشكيل القطيع”17:13 - مع اقتراب نهاية عقد التدبير المفوض.. فيدرالية اليسار الديمقراطي تنتقد تراجع خدمات النظافة بالمحمدية17:10 - المغرب ضمن عقد دفاعي أمريكي لتطوير صواريخ AMRAAM ودعم تحديث مقاتلات F-1616:34 - مسؤول إسباني سابق: المغرب يظل أبرز التحديات الأمنية لإسبانيا رغم أهمية التعاون بين البلدين16:15 - رقم تاريخي للمغرب في كأس العالم.. أسود الأطلس يتجاوزون 800 تمريرة أمام هولندا16:00 - موجة حر تصل إلى 46 درجة ورياح قوية مع عواصف رملية تضرب عدة مناطق بالمغرب15:30 - احتفالات جماهير المغرب في هولندا بعد التأهل إلى ربع نهائي كأس العالم تنتهي بتوقيف 14 شخصا14:39 - د. سعيد الصديقي يُبرز تداعيات الحرب على إيران وإعادة تشكيل موازين القوى14:30 - توقيف مشتبه فيه في جريمة قتل بسيدي البرنوصي بعد اعتداء بسلاح أبيض على مسير محل تجاري
الرئيسية » مقالات الرأي » الزليج المغربي بين التنافس السياسي والشرعية التاريخية

الزليج المغربي بين التنافس السياسي والشرعية التاريخية

في إطار التنافس التاريخي بين المغرب والجزائر سواء في عهد الملكين يوغرطة وصهره بوكوس الثاني أو في عهد العثمانيين أو مع استقلال الدولة الجزائرية ، فقد شكل التنافس بين الجزائر والمغرب على فن الزليج أحد أبرز فصول “حرب التراث” والقوة الناعمة في منطقة المغرب العربي في الوقت الذي شكل هذا الفن جزءا من الموروث السياسي خاصة في عهد السلطة المرينية .

-التنافس المغربي الجزائري حول امتلاك فن الزليج

يبدو أن الصراع السياسي بين الدولتين المغربية والجزائرية الذي اتخذ منذ بداية ستينيات القرن 20 بعدا عسكريا وسياسيا ودبلوماسيا ، فقد تحول خلال السنين الأخيرة إلى تنافس حول الاحقية في امتلاك فن الزليج. فقد تحول هذا العنصر الزخرفي التقليدي من مجرد حرفة يدوية ومعمارية إلى قضية سيادية وسجال دبلوماسي وقانوني محتدم بين البلدين أمام المنظمات الدولية أو في المواقع الرقمية.

-السجال الثنائي في المحافل الدولية

تمثل هذا السجال من خلال التطورات التالية:

– معركة “قميص أديداس” التي اندلعت في أكتوبر 2022 بعدما أطلقت شركة “أديداس” قميص إحماءات للمنتخب الجزائري مستوحى من نقوش فسيفسائية، وذكرت أن التصميم مستوحى من قصر “المشور” بمدينة تلمسان الجزائرية. فكان الرد المغربي سريعا من خلال توجيه وزارة الثقافة والتواصل إنذاراً قضائياً للشركة الألمانية بتهمة “الاستيلاء الثقافي” وسرقة التراث المغربي، مؤكدة أن نقوش الزليج تعود حصراً للصناعة التقليدية الفاسية. مما جعل الشركة تتراجع جزئياً لتصدر بياناً رسمياً أعربت فيه عن أسفها للجدل، مؤكدة “احترامها العميق للشعب والصناع التقليديين بالمغرب”، وقامت لاحقاً بإزالة التصميم تماماً من قمصان المنتخب الجزائري.

– الصراع الدبلوماسي في منظمة “اليونسكو”، حيث تقدمت الجزائر بملف رسمي لدى منظمة اليونسكو لإدراج فن الزليج كعنصر جزائري ضمن قائمة التراث اللامادي للبشرية لعام 2026، تحت عنوان “فن التزيين المعماري بالزليج”. في حين قدمت المملكة المغربية ،عبر المندوبية الدائمة لليونسكو ووزارة الثقافة، شكاية رسمية واعتراضاً عاجلاً لوقف الملف الجزائري، مستندة إلى وثائق دامغة تثبت تسجيلها لـ “زليج فاس” منذ عام 2015 لدى المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO)،) مما يمنحه حماية دولية سابقة، ومستشهدة بإدراج اليونسكو لمدن مغربية عتيقة كفاس ومراكش ضمن التراث العالمي.

– المواقف والسرديات التاريخية للطرفين ، حيث شددت السردية المغربية على أن الزليج هو صناعة تقليدية مغربية خالصة، نضجت هندسياً في مدارس فاس كالمدارس المرينية، وصيغت جينات تقطيعه الحسابي وتركيبه بأيدي “المعلمين” المغاربة عبر القرون، وأن ظهوره ببعض الحواضر بالدول المجاورة كان نتيجة تنقل الحرفيين المغاربة للعمل في هذه الحواضر. في حين حاولت السردية الجزائرية التأكيد على أن الزليج يندرج ضمن “التراث المغاربي المشترك” الذي تتقاسمه دول شمال إفريقيا والأندلس، وتعتبر أن المعالم التاريخية الجزائرية مثل قصر المشور بتلمسان ومساجد الحقبة العثمانية تحتوي على هذا الفن المعماري كجزء مادي أصيل من تاريخها المحلي.
– نقل النزاع للمحافل الدولية (إكسبو أوساكا) حيث امتد السجال الثقافي مؤخراً إلى المعارض الدولية، بعدما اعتمدت الجزائر في تصميم واجهة جناحها الرسمي في معرض “إكسبو أوساكا” الدولي على تشكيلات فسيفسائية وهندسية تحاكي فن الزليج. وقد أثار هذا التصميم موجة من الاحتجاجات الرسمية وغير الرسمية من الجانب المغربي في أروقة المعرض الدولي، واعتبره المغرب محاولة لتسويق هذا الفن عالمياً كمنتج وهوية بصرية جزائرية، بينما دافعت الجزائر عنه باعتباره جزءاً من موروثها المعماري المادي الموثق في حواضرها التاريخية مثل تلمسان.

– الصراع داخل “المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم” (ألكسو) حيث انتقل النقاش الحاد إلى اللجان التراثية التابعة لمنظمة الألكسو (ALECSO)،) حيث سعى كل طرف لانتزاع اعترافات إقليمية وتوثيق الحيازة التاريخية للأنماط الهندسية (التسطير والتوريق)، وسط دعوات من خبراء المنظمة بضرورة الفصل بين الموروثات المشتركة والعلامات التجارية الوطنية لكل دولة تفادياً لتسييس العمل الثقافي.

– توظيف الحصانة القانونية وعلامات المنشأ (Label)) حيث اتجه المغرب نحو مأسسة الدفاع عبر إصدار “علامة المغرب” (Label Maroc) ) ونشر دوريات دولية تحظر استيراد أو ترويج أي سلع تحمل تسمية “الزليج” ما لم تكن مطابقة لدفتر التحملات الخاص بالصناع التقليديين في مدينة فاس والمناطق المعتمدة قانونياً بالمملكة.

-السجال الثنائي في مواقع التواصل الاجتماعي

تحول جدل الزليج على منصات التواصل الاجتماعي (مثل إكس/تويتر سابقاً، وتيك توك، وفيسبوك) إلى مواجهة رقمية يومية وعنيفة في حرب الهوية والقوة الناعمة بين المغاربة والجزائريين، متجاوزاً أبعاد الحرفة اليدوية ليصبح قضية “كرامة وطنية” وسيادة افتراضية. حيث يمكن تلخيص أبرز مظاهر وأدوات هذا السجال الرقمي في المظاهر التالية:

– معارك الهاشتاغات (الوسوم) المليونية حيث تشتعل المنصات دورياً، خاصة بالتزامن مع الأحداث الدولية (مثل أزمة قميص أديداس أو ملفات اليونسكو)، بـ هاشتاغات متضادة تتصدر التريند .فقد أطلق الجانب المغربي هاشتاغ مثل الزليج_المغربي و زليج_فاس_مغربي ولا_لسرقة_التراث_المغربي. حيث يركز الناشطون فيها على فكرة “المعيرية والمنشأ”، معتبرين أن صناعة الزليج تتطلب مهارات حسابية وهندسية توارثها “المعلم الحرفي” في فاس حصراً. أما لجانب الجزائري، فقد أطلق وسوم مثل الزليج_الجزائري والزليج_تراث_مغاربي. حيث يركز المغردون فيها على فكرة “التراث المشترك”، معتبرين أن الحدود الحالية استعمارية وأن الفن الأندلسي الإسلامي ملك لكل شعوب المنطقة.

-. حرب الفيديوهات والمحتوى البصري بتيك توك وإنستغرام) ، حيث بادرصناع المحتوى المغاربة بنشر مقاطع فيديو توثق مراحل صناعة الزليج المعقدة في ورشات مدينة فاس من عجن الطين، وتجفيفه تحت الشمس، وتقطيعه يدوياً بـ “المنقاش”. لإثبات أن حرفة الزليج ما زالت حية ومستمرة في المغرب كمهنة منظمة، وليست مجرد جدران تاريخية جامدة. في حين درج صناع المحتوى الجزائريين على نشر جولات افتراضية وصوراً فوتوغرافية لمعالم تاريخية في الجزائر مثل قصر المشور في تلمسان، ومسجد كتشاوة في العاصمة الجزائر تظهر جدراناً مزينة بالزليج، معتبرين هذه المباني دليلاً مادياً وتاريخياً يثبت وجود هذا الفن في جينات المعمار الجزائري منذ قرون. في حين تُثبت الوثائق التاريخية أن السلاطين المغاربة كانوا يرسلون بعثات من “المعلمين” الفاسيين والمراكشيين لزخرفة القصور والمساجد في الدول والإمارات المجاورة خلال فترات امتداد النفوذ المغربي، مما يفسر وجود نماذج منه خارج الحدود الحالية للمملكة.

-. ظاهرة “الذباب الإلكتروني” والمؤثرين وتسييس النقاش: حيث أسهم دخول حسابات موجهة ومجهولة الهوية (الذباب الإلكتروني) من الطرفين في شحن الأجواء وتحويل النقاش من تبادل ثقافي أو نقد فني إلى حملات سب وقذف متبادل. خاصة بعدما انخرط مشاهير ومؤثرون وصحفيون من البلدين في السجال بهدف كسب التفاعل والمشاهدات؛ حيث يقوم كل طرف بتصيد أي هفوة أو تصريح لإطلاق حملة رقمية مضادة ضد الطرف الآخر.

– رصد “الاستيلاء الثقافي” الرقمي حيث باتت منصات التواصل تعمل كـأجهزة مراقبة ورد أو “رادار” شعبي؛ يقوم الناشطون من كلا البلدين من خلاله بمراقبة الحسابات الرسمية للشركات العالمية، والمصممين، والمهرجانات. وبمجرد نشر صورة لباس، أو ديكور، أو خلفية تتضمن نقوشاً هندسية، تبدأ جيوش إلكترونية بالتعليق المكثف بالآلاف لإجبار الجهة الناشرة على كتابة اسم الدولة التي يدافعون عن ملكيتها للزليج.

-الشرعية التاريخية حول امتلاك المغرب لفن الزليج

تتمثل شرعية المغرب في امتلاك فن الزليج في العمق التاريخي لهذا الفن الذي أشرف على تطويره السلاطين المرينيون في إطار تكريس شرعيتهم السياسية.

-تطوير فن الزليج في العهد المريني

يمثل العهد المريني (القرن 13 – 15م) العصر الذهبي التأسيسي لصناعة الزليج المغربي . ففي هذا العهد انتقل الزليج من مجرد بلاطات طينية بسيطة الاستخدام إلى علم هندسي وفن بصري قائم بذاته. حيث حظي هذا الفن برعاية مباشرة من السلاطين المرينيين الذين جعلوا منه أداة لزخرفة صروحهم العلمية والدينية من مساجد و مدارس علمية. وهكذا تتلخص الخصائص التقنية والجمالية للزليج في عهد المرينيين في النقاط التالية:

1- الألوان المرينية الأربعة الأساسية حيث تميزت لوحة ألوان الزليج المريني بالبساطة والارتباط بالطبيعة، واقتصرت على أربعة ألوان رئيسية الناتجة عن أكاسيد طبيعية: الأبيض اللبني المستخرج من الكلس. واللون الأسمر المائل للأسود المستخرج من أكسيد المنجنيز. واللون الأخضر النحاسي المستخرج من أكسيد النحاس. واللون الأصفر الخردلي (العسلي) المستخرج من أكسيد الحديد. بينما اللون الأزرق الكوبالت والأحمر لم يظهرا في الزليج إلا في عهود لاحقة.

2- التعقيد الهندسي والدقة المتناهية للفسيفساء المجهرية: حيث تميز الزليج المريني بصغر حجم قطعه الفنية مقارنة بالعهود اللاحقة. فكانت الفراشات والنجميات تُقطع يدوياً بأحجام مجهرية بدقة مذهلة. في حين اعتمد الحرفيون (المعلمين) على قواعد رياضية وهندسية معقدة لتركيب الأشكال، مبتكرين تركيبات النجوم ذات الثماني، والستة عشر، والاربعة وعشرين شعاعاً، والتي تتداخل دون ترك أي فراغ.

3- سينوغرافيا وتوزيع الفضاء ، حيث وظف السلاطين المرينيون الزليج وفق رؤية معمارية دقيقة لحماية الجدران، حيث كان الزليج يغطي دائماً الأجزاء السفلية من الجدران والأعمدة بارتفاع يصل أحياناً إلى مترين، لحماية البناء من الرطوبة والاحتكاك البشري. كما كان يوضع الزليج في الأسفل بألوانه الداكنة، يعلوه الجبس الأبيض المنقوش بالخط الكوفي والتوريق، ثم يغطى السقف بخشب الأرز المنحوت، لخلق تدرج بصري يبدأ من الثقل اللوني في الأسفل نحو الخفة والضوء في الأعلى.

4- أبرز الشواهد المعمارية المرينية الباقية حيث لا تزال العديد من المنشآت المرينية في مدينة فاس شاهدة على عبقرية تلك الحقبة، ومنها: المدرسة البوعنانية التي شيدها السلطان أبو عنان المريني، و التي تعتبر متحفاً مفتوحاً لروائع الزليج المريني المحفوظ بدقته الأصلية. ومدرسة العطارين التي تتميز بـ “محرابها” الأرضي وجدرانها المكسوة بتشكيلات زليجية بالغة التعقيد والجمال. والمدرسة المرينية بسلا التي توضح انتشار هذه الصنعة وانتقال الحرفيين بين الحواضر المغربية الكبرى بطلب سلطاني.

– تطوير الزليج وتكريس شرعية السلطة المرينية ابالمغرب

لم يكن اهتمام السلاطين المرينيين مثل السلطان أبي الحسن و السلطان أبي عنان بتطوير فن الزليج مجرد ترف جمالي أو شغف زخرفي، بل كان استراتيجية سياسية وأيديولوجية مدروسة. فقد استخدمت السلطة المرينية العمارة والزخرفة الدقيقة كأدوات دعائية لترسيخ شرعيتها، وتعويض غياب الأيديولوجية الدينية الثورية التي تميز بها أسلافهم من الامراء المرابطين والموحدين. وهكذا يمكن تلخيص الدلالات السياسية لتطوير الزليج في العهد المريني في المحاور التالية:

1-تكريس الشرعية السياسية، على عكس المرابطين (دعوة عبد الله بن ياسين الإصلاحية) والموحدين (عقيدة المهدوية لعمر بن تومرت)، صعد المرينيون إلى الحكم كقبائل زناتية بدوية دون مشروع ديني ثوري. وبالتالي، فقد لجأ السلاطين إلى “الفن السلطاني” والعمارة الباذخة كالزليج المعقد، والنحت على الجبس، لإبهار الرعية وإظهار “بركة السلطان” ومقدرته الاقتصادية والقدرة التنظيمية لدولته، مما منح حكمهم شرعية بصرية وهيبة أمام العامة والفقهاء.

2-. مأسسة المذهب المالكي وتدجين العلماء ، فقد شيد المرينيون عدداً هائلاً من المدارس العالية مثل المدرسة البوعنانية والعطارين… لإعادة ترسيخ المذهب السني المالكي بعد فترة الموحدين. وهكذا استخدم الزليج كأداة للجذب الثقافي، حيث كان كساء هذه المدارس بأفخر أنواع الزليج يمثل سياسة ذكية لاحتواء العلماء والطلاب المنحدرين من الأندلس والمغرب عبر توفير بيئة علمية فاخرة تُشعرهم بعظمة السلطنة وتضمن ولاءهم السياسي للنظام.

3. استعراض القوة الإمبراطورية أمام المنافسين الاقليميين ، حيث واجه المرينيون منافسة شرسة مع جيرانهم في تلمسان (بني عبد الواد) وغرناطة (بني الأحمر). وبالتالي كانت ضخامة المنشآت المرينية وزخرفتها الهندسية المتناهية الدقة تُرسل رسائل سياسية واضحة مفادها أن فاس هي العاصمة المركزية الأقوى مادياً وعسكرياً في الغرب الإسلامي.كما أنه عندما شيد السلطان أبو يوسف يعقوب مدينة “البُنّية” في الأندلس كقاعدة عسكرية، أمر بزخرفتها بالزليج والأسوار المناعية الفخمة، كعنصر دعائي يستعرض هيبة الدولة وقوتها أمام الممالك المسيحية والإمارة الغرناطية على حد سواء.

4. إبراز التحول الحضاري من البداوة إلى التمدن وتجاوز الأصل البدوي. فقد انحدر المرينيون من عمق البداوة والترحال حيث التصق عيشهم لقرون خلت برعي الإبل والغنم وذلك على غرار عرب بني هلال وبني سليم الذين استقدمهم الأمير يعقوب المنصور الموحدي إلى المغرب. لذا، كان تبنيهم لأعقد الفنون الحضرية والرياضية كالهندسة الحسابية لتقطيع الزليج والتسطير، بمثابة إعلان سياسي عن نجاحهم في التمدن، والتحول إلى قادة حضاريين قادرين على رعاية الفكر والصناعات الدقيقة التي لا تتقنها إلا الدول المستقرة والمتمكنة.

5- احتواء النخبة الأندلسية المهاجرة ، فبعد سقوط العديد من الحواضر الأندلسية، استقبلت عاصمة المرينيين فاس موجات من العلماء، المهندسين، والأدباء الأندلسيين ، حيث كان دمج السلاطين المهارات الأندلسية مع الطين الفاسي لإنتاج نمط زليج متطور يبطن رسالة سياسية موجهة للأندلسيين عبر هذه العمارة المألوفة لهم بأن “المغرب هو الامتداد الشرعي والآمن لخلافتكم المفقودة، وههنا تُحترم علومكم وفنونكم”، مما ضمن ولاءهم المطلق للدولة.

6- الهيمنة البصرية وتأكيد ديمقراطية الرفاهية من خلال التأكيد على أن هذا الفن المعماري هو متاح للجميع: فعلى عكس الاسر الحاكمة السابقة التي حصرت الزخرفة الباذخة داخل القصور المغلقة للسلاطين، وضع المرينيون أعقد لوحات الزليج والخط الكوفي في المدارس العمومية المفتوحة لطلاب العلم وأبناء الشعب.حيث أراد سلاطين بنو مرين إيصال رسالة دعائية مفادها أن “خيرات الدولة وبركتها الاقتصادية يستفيد منها طالب العلم البسيط كما يستفيد منها السلطان”، مما أضعف أي حركات تمرد شعبية محتملة ضد الحكم وجعل المدارس حصوناً سياسية للنظام .

7-ترسيخ السلطة في الاذهان من خلال التناغم البصري مع “الخطوط السياسية” المكتوبة والدمج بين النص والشكل. إذ لم يكن الزليج ينفصل عن أشرطة الجبس والرخام التي تعلوه، والتي كانت تُنقش عليها آيات قرآنية محددة وأدعية للسلطان بالتمكين والنصر بالخط الكوفي والمغربي المبسوط. حيث يخدم هذا التدرج البصري ،من الألوان الداكنة للزليج في الأسفل وصولاً للنصوص السلطانية في الأعلى، فكرة “طاعة أولي الأمر”؛ حيث ينظر الطالب تلقائياً من إتقان الزليج الأرضي نحو الآيات والنصوص التي تشرعن وجود السلطان كخليفة وإمام للمسلمين.

وعموما، ففن الزليج يبقى فنا مغربيا خالصا ، حيث يستند المغرب في تأكيد ملكيته لـ فن الزليج وحمايته دولياً إلى شرعية تاريخية، علمية، وقانونية متكاملة. تتجاوز الحجج المغربية مجرد وجود جدران مزينة بالفسيفساء، لتتركز على “استمرارية الحرفة” وتوارث مهاراتها الهندسية عبر القرون دون انقطاع، مما يجعل المملكة موطناً أصلياً مسجلاً وحاضناً حياً لهذا الإرث الكوني.فالفارق الجوهري بين التراث المغربي والمجالات الجغرافية الأخرى هو أن الحرفة في المغرب ممارسة حية لم تنقطع منذ 12 قرناً. حيث تنتقل الصنعة من “المعلم” إلى “المتعلم” عبر أجيال متلاحقة في ورشات منظمة لها هيكلة مهنية معترف بها. بينما تحولت الفسيفساء المعمارية في دول أخرى بما فيها الجزائر إلى مجرد “آثار جامدة” على الجدران التاريخية بعد زوال الدول التي بنتها، بينما ظل المغرب ينتج الزليج بالطرق التقليدية ذاتها لتزيين المباني الحديثة والقصور والمساجد المعاصرة. كما يرتبط الزليج البلدي تاريخياً بـ تربة مدينة فاس (طين بنجليق). حيث تملك هذه التربة الرمادية جينات جيولوجية فريدة تمنح البلاطات بعد طهيها صلابة خاصة وقدرة على تحمل دقة النقش والتقطيع المجهري دون تفتت، وهو ما لا يتوفر في الأتربة العادية. كما نشأت تقنية “الطهي المزدوج” واستخدام الأكاسيد المعدنية لإنتاج الألوان المرينية الشهيرة (الأخضر، العسلي، الأبيض، الأسود) داخل أفران فاس التقليدية التي تعتمد على حرق مخلفات الزيتون (الفيتور) لتأمين درجات حرارة متوازنة.كما لا يعتمد الزليج المغربي على الصب في قوالب جاهزة، بل على “علم التسطير”؛ وهو نظام هندسي رياضي شديد التعقيد وضعه مهندسو وبناءو المغرب والأندلس لتوليد أشكال النجميات (المثمن، والمنعشر، والستة عشر). حيث يتميز “المعلم” المغربي بقدرته الفريدة على تقطيع البلاطات الكبيرة المصلية يدوياً بـ “المنقاش” وتحويلها إلى قطع بالغة الصغر تسمى “الفُرْمَة”، ثم ترتيبها مقلوبة على وجهها فوق الجبس، وهو الأسلوب المعياري الذي ينفرد به الصانع المغربي تاريخياً. وبالتالي ، ففن الزليج هو فن مغربي بامتياز سواء من الناحية الجيولوجيا الجغرافية أو الجيولوجية السياسية.

           
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع ذات صلة

هل نعيش نهاية داعش وصعود فروع القاعدة؟

29 يونيو 2026 - 2:03 ص

شهد العقد الماضي تحولات دراماتيكية في ديناميكيات الجماعات الجهادية العالمية، حيث برز تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) كقوة مهيمنة بإعلانه “الخلافة”

لننته من هذا الصخب الهوياتي!!!

28 يونيو 2026 - 2:19 م

يعيش فضاء التواصل بالمغرب على إيقاع تجاذب هوياتي وصراع محتدم محوره الأمازيغية عِلما وانتماء. إذ انتشرت منذ مدة مقالات وأبحاث

السلام المؤجل في الشرق الأوسط… لماذا لا يعني وقف إطلاق النار نهاية الحرب؟ وما الأسباب العميقة التي تجعل الصراع مرشحا للاستمرار؟!

28 يونيو 2026 - 1:48 ص

ليس كل وقف لإطلاق النار بداية للسلام، كما أن توقف المعارك لا يعني بالضرورة انتهاء الحرب، وفي منطقة الشرق الأوسط

لماذا خسر العرب سباق الحضارة؟ قراءة في ضوء فكر عبد الله العروي

28 يونيو 2026 - 12:26 ص

لقد شكل سؤال النهضة والتأخر أحد المحاور المركزية في المشروع الفكري لعبد الله العروي، الذي لم يتعامل مع واقع العالم

يزيد بن معاوية بين المسؤولية السياسية والحكم العقدي: قراءة نقدية في المواقف التاريخية والفقهية

27 يونيو 2026 - 1:14 ص

شخصية يزيد بن معاوية (ت. 64 هـ) من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في التاريخ الإسلامي، حيث ارتبط اسمه بأحداث مفصلية

اختر مدينتك
الفجرالشروقالضهرالعصرالمغربالعشاء
الرطوبة : %
الرياح : km/h
°
°
°