تأتي الرسالة المنسوبة إلى مجتبى خامنئي في لحظة سياسية بالغة الحساسية في تاريخ الجمهورية الإسلامية، وهي لحظة تختلط فيها رمزية الانتقال القيادي مع ارتجاجات حرب إقليمية متصاعدة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، فهذه الرسالة التي تبدو في ظاهرها خطابا روحيا وسياسيا موجها إلى الشعب الإيراني، تتجاوز في حقيقتها حدود البيان التقليدي لتتحول إلى نص سياسي مكثف الدلالات، وهو الأمر الذي يعكس حالة القلق البنيوي التي قد تعيشها الدولة والمجتمع معا في لحظة تتداخل فيها معادلات القوة العسكرية مع التحولات العميقة داخل المجتمع الإيراني.
فالرسالة منذ بدايتها تستند إلى بنية رمزية قوية، إذ تفتتح بالآية القرآنية ثم بتحية موجهة إلى الإمام المهدي، وهو استهلال يحمل دلالة عميقة في المخيال السياسي الإيراني، فربط السلطة السياسية بمرجعية غيبية يضفي عليها بعدا يتجاوز الزمن السياسي العادي، ويمنحها نوعا من الحصانة الرمزية أمام النقد أو التشكيك، وقد لاحظ الفيلسوف الألماني كارل شميت أن كثيرا من المفاهيم السياسية الحديثة ما هي إلا مفاهيم لاهوتية جرى نقلها إلى المجال السياسي، بحيث تتحول السلطة إلى صورة أرضية لمبدأ أعلى يمنحها شرعية معنوية عميقة.
غير أن الرسالة رغم هذا الإطار الروحي، تكشف في الوقت ذاته عن إدراك واضح لثقل اللحظة التاريخية، فالإشارة إلى صعوبة الجلوس في المكان الذي جلس فيه روح الله الخميني ثم علي خامنئي تعكس اعترافا ضمنيا بوجود فجوة رمزية قد تنشأ في أي نظام سياسي عندما يغيب القائد الذي تحول إلى رمز تاريخي، وقد أشار عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر إلى أن الأنظمة التي تقوم على الشرعية الكاريزمية تواجه دائما أزمة انتقال عند غياب الشخصية التي كانت تجسد هذه الكاريزما، لأن الشرعية التي تستند إلى شخصية استثنائية لا يمكن نقلها بسهولة إلى خلف جديد دون إعادة بناء مصادر أخرى للقبول الاجتماعي.
ومن هنا نفهم لماذا تتكرر في الرسالة الإشارة إلى الشعب الإيراني العظيم وإلى بصيرته وصموده، فالخطاب يحاول توزيع عبء الشرعية بين القائد والجماهير، في عملية إعادة صياغة للعلاقة بين السلطة والمجتمع، وقد كتب المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي أن السلطة التي ترغب في الاستمرار لا تعتمد فقط على أدوات الإكراه، بل تحتاج إلى بناء توافق ثقافي وأخلاقي يجعل المجتمع نفسه شريكا في إنتاج النظام السياسي، ولذلك فإن تحويل الشعب إلى عنصر مركزي في الخطاب ليس مجرد مجاملة، بل هو محاولة لترسيخ نوع من التماهي بين الدولة والمجتمع في لحظة يشتد فيها الضغط الخارجي.
غير أن هذه المحاولة تحمل في طياتها مفارقة عميقة، فالتأكيد المتكرر على الوحدة الوطنية غالبا ما يظهر في اللحظات التي يشعر فيها النظام بأن هذه الوحدة مهددة، وقد لاحظ الفيلسوف الفرنسي ريمون آرون أن الخطاب السياسي في أوقات الأزمات يتحول إلى إدارة رمزية للقلق الجماعي، حيث تحاول السلطة تحويل الخوف إلى طاقة تعبئة بدل أن يتحول إلى عامل تفكك.
وفي خلفية هذه الرسالة تقف الحرب المتصاعدة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، وهي حرب لا تجري فقط في الميدان العسكري، بل أيضا في الفضاء الإعلامي والنفسي والاجتماعي، ففي مثل هذه اللحظات تتغير طبيعة السياسة نفسها لتصبح أقرب إلى ما وصفه المنظر العسكري البروسي كارل فون كلاوزفيتز حين قال أن الحرب ليست سوى استمرار للسياسة بوسائل أخرى.
غير أن الأخطر من الحرب العسكرية هو أثرها في البنية الداخلية للمجتمع، فالحروب الطويلة لا تترك آثارها على الجبهات فقط، بل تزرع القلق في النفوس وتعيد تشكيل المزاج العام للأمم، وقد كتب الطبيب والمفكر النمساوي سيغموند فرويد أن الحروب الكبرى تكشف الطبقات العميقة من الخوف والعدوانية في النفس البشرية، وتدفع المجتمعات إلى حالة من التوتر الدائم بين الرغبة في الأمن والخوف من المستقبل.
وفي السياق نفسه أشار المفكر الألماني إريك فروم إلى أن المجتمعات التي تعيش تحت ضغط الخطر المستمر تميل إلى البحث عن الأمان في السلطة القوية، حتى وإن كان ذلك على حساب الحرية الفردية، فالشعور بالخوف الجماعي قد يدفع الناس إلى القبول بأشكال من السيطرة لم يكونوا ليقبلوها في الظروف العادية.
لكن المجتمع الإيراني اليوم ليس هو المجتمع الذي عرفته البلاد في سنوات الثورة الأولى، فقد شهدت إيران خلال العقود الأخيرة تحولات عميقة في بنيتها الاجتماعية والثقافية، مع ظهور أجيال شابة مرتبطة بالعالم عبر الفضاء الرقمي، وتنتشر النقاشات حول هذه الحرب في منصات مثل X وTelegram وInstagram، حيث تتقاطع روايات متعددة حول ما يجري.
وفي هذا الفضاء الرقمي يظهر انقسام واضح داخل الشارع الإيراني، فهناك من يرى في المواجهة مع واشنطن وتل أبيب امتدادا لروح الثورة، بينما يعبر آخرون عن قلق عميق من مستقبل البلاد في ظل صراع قد يجر المنطقة إلى حرب أوسع، وقد لاحظ عالم الاجتماع الإسباني مانويل كاستلز أن عصر الشبكات الرقمية جعل المجتمعات أقل خضوعا للرواية الرسمية الواحدة، لأن المعلومات والآراء تنتقل بسرعة هائلة وتفتح المجال لنقاشات لا يمكن السيطرة عليها بالكامل.
ومن زاوية أخرى فإن الصراع بين إيران ومحور الولايات المتحدة وإسرائيل يتجاوز حدود النزاع الإقليمي ليعكس توترات أعمق داخل النظام الدولي نفسه، وقد رأى عالم الاجتماع الأمريكي إيمانويل والرشتاين أن العالم يعيش داخل نظام دولي تتصارع فيه القوى المركزية مع القوى الصاعدة على إعادة توزيع النفوذ.
لكن هذه الصراعات الكبرى غالبا ما تدفع المجتمعات الواقعة في قلبها إلى دفع أثمان اجتماعية واقتصادية باهظة، فالتاريخ الحديث مليء بأمثلة دول دخلت حروبا طويلة باسم قضايا كبرى، لكنها خرجت منها بمجتمعات منهكة واقتصادات متعبة، وقد كتب المؤرخ وعالم السياسة بنديكت أندرسون أن الأمم تتشكل عبر سرديات مشتركة تمنح أفرادها شعورا بالانتماء إلى قصة تاريخية واحدة، لكن هذه السرديات قد تصبح عبئا عندما تتحول إلى التزام دائم بالصراع.
وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحا في المشهد الإيراني الراهن، ومؤداه هو اشتطاعة المجتمع الإيراني الحفاظ على تماسكه الداخلي في ظل حرب مفتوحة أو شبه مفتوحة مع قوى عسكرية كبرى، وفي ظل ضغوط اقتصادية واجتماعية متزايدة، إن الرسالة التي بين أيدينا تحاول بث روح الطمأنينة عبر استدعاء الذاكرة الثورية والرمزية الدينية، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن قلق عميق يتسلل بين السطور.
فالخطاب الذي يدعو إلى الوحدة والتضامن ومساعدة المتضررين يعكس إدراكا ضمنيا بأن المجتمع قد يدخل مرحلة صعبة، وفي مثل هذه اللحظات كما كتب الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس، تصبح الثقة بين الدولة والمجتمع العنصر الحاسم في قدرة الأنظمة على تجاوز الأزمات.
وهكذا تبدو هذه الرسالة أكثر من مجرد بيان سياسي، فهي مرآة تعكس لحظة تاريخية ثقيلة تعيشها إيران، وهي لحظة يتداخل فيها الإرث الثوري مع ضغوط الجغرافيا السياسية، ويتجاور فيها الخطاب التعبوي مع القلق العميق من المستقبل، وبين البلاغة التي تحاول بث الطمأنينة والأسئلة التي تتصاعد في الشارع، يقف المجتمع الإيراني أمام مفترق طرق تاريخي، حيث قد تحدد هذه الحرب ليس فقط توازنات المنطقة، بل أيضا شكل الدولة الإيرانية ومستقبلها في العقود القادمة.






تعليقات الزوار ( 0 )