أخبار ساعة

12:23 - تأخيرات متكررة لقطارات المكتب الوطني للسكك الحديدية تثير استياء المسافرين12:15 - انتقالات حزبية قبل انتخابات شتنبر.. رؤساء جماعات يواجهون خطر العزل بسبب تغيير الانتماء السياسي11:03 - إذاعة الجيش الإسرائيلي: انهيار بقوات الاحتياط ونقص بالدبابات10:00 - رغم إنجاز المغرب التاريخي في كأس العالم.. لماذا احتفل المصريون بتأهل الفراعنة وكأنهم توجوا باللقب؟09:00 - طقس حار يضرب عدة مناطق بالمغرب01:44 - الفساد الإداري في مناقشة الأطروحات: حين تتحول الخبرة العلمية إلى مجاملة مصلحية01:34 - ندوة بالرباط تدعو إلى اعتماد حلول مستدامة لمواجهة ظاهرة الحيوانات الضالة01:06 - الرحلة العلوية إلى الديار المصطفوية”.. وثيقة تاريخية جديدة تضيء على مسالك الحج في منتصف القرن العشرين00:04 - النيابة العامة توضح خلفيات توقيف علي المرابط وتضعه تحت تدبير الحراسة النظرية23:35 - المديرية التقنية تتجه لإعفاء البرتغالي بيريرا من تدريب منتخب أقل من 17 سنة
الرئيسية » مقالات الرأي » الرباط تقرأ العالم وفلسطين تبحث عن صوتها في المعرض

الرباط تقرأ العالم وفلسطين تبحث عن صوتها في المعرض

في الرباط، حيث تنفتح المدينة على الأطلسي مثل كتاب قديم تتقاطع فيه طبقات التاريخ والثقافة والسياسة، أُسدل الستار على الدورة الحادية والثلاثين للمعرض الدولي للنشر والكتاب، بعد عشرة أيام بدت فيها العاصمة المغربية وكأنها تحتفي بالكلمة بوصفها شكلاً من أشكال السيادة الرمزية في عالم يزداد صخباً واضطراباً. أكثر من 130 ألف عنوان، وستون دولة، وفرنسا ضيف شرف، واحتفاء متزامن بإعلان الرباط عاصمة عالمية للكتاب لعام 2026، كلها عناصر جعلت المعرض يبدو كأنه مناسبة كونية لا محلية فقط.

تجولتُ في أروقة المعرض لساعات طويلة، متنقلاً بين دور النشر العربية والأجنبية، متأملاً ذلك الشغف الإنساني العميق بالمعرفة رغم كل ما يحيط بالعالم من نزعات استهلاك وتفاهة رقمية. كانت الكتب هنا أشبه بمحاولة عنيدة لإنقاذ الروح البشرية من الضجيج. وجوه الشباب المغربي الحاضرة بكثافة، ازدحام قاعات التوقيع، النقاشات الجانبية في المقاهي المحيطة بالمعرض، كلها مؤشرات على أن الثقافة ما تزال تمتلك قدرة خفية على مقاومة الانهيار.

لكن المعارض الكبرى لا تُقاس فقط بعدد العناوين أو جودة التنظيم، بل أيضاً بقدرتها على طرح الأسئلة الحقيقية. وهنا تبدأ الحكاية الأخرى.

حضرتُ عدداً من الندوات الفكرية والأدبية والنقدية التي حاولت، بجدية واضحة أحياناً وبحذر شديد أحياناً أخرى، ملامسة الأسئلة الكبرى التي تؤرق عالم اليوم: أزمة الحداثة، صعود الشعبويات، الذكاء الاصطناعي، تحولات الهوية، مستقبل الديمقراطية، انهيار القيم الإنسانية تحت ضغط الحروب والسوق والإعلام. كانت النقاشات ثرية من الناحية الأكاديمية، وبعضها اتسم بعمق معرفي لافت، غير أن شيئاً ما ظل غائباً عن المشهد، أو بالأحرى حاضراً بطريقة المراوغة.

وكان التناقض لافتاً بين ما يجري داخل قاعات المعرض وما عاشته شوارع الرباط وسائر المدن المغربية طوال شهور حرب الإبادة على غزة. ففلسطين التي حضرت بقوة في الوجدان الشعبي المغربي، عبر المسيرات الحاشدة والأعلام المرفوعة والهتافات اليومية الداعمة للمقاومة والرافضة للعدوان، لم تحضر بالزخم ذاته داخل المعرض الدولي للكتاب. بدا الأمر وكأن الشارع المغربي كان أكثر جرأة ووضوحاً من بعض النخب الثقافية في التعبير عن مركزية القضية الفلسطينية. ففي الخارج كانت فلسطين عنواناً أخلاقياً وإنسانياً جامعاً، بينما داخل كثير من الندوات تحولت إلى موضوع مؤجل أو هامشي أو محاط بحذر لغوي وسياسي واضح، رغم أن الثقافة الحقيقية تُختبر أولاً في قدرتها على الانحياز إلى قضايا الحرية والعدالة حين تكون كلفتها مرتفعة.

فحين يقترب الحديث من فلسطين، يتغير إيقاع اللغة فجأة. تصبح العبارات أكثر حذراً، والمواقف أكثر عمومية، وكأن القضية الفلسطينية تحولت لدى بعض النخب الثقافية العربية إلى حقل ألغام سياسي لا يجوز الاقتراب منه إلا بقدر محسوب. أما حين يتصل النقاش بالحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، وما يمكن أن تفضي إليه من إعادة تشكيل لموازين القوة في الشرق الأوسط، فإن كثيراً من المتحدثين يفضلون القفز إلى عناوين نظرية فضفاضة عن “السلام العالمي” و”الحوار الحضاري”، من دون الاقتراب من جوهر الصراع القائم فعلاً في المنطقة.

هذه المراوغة ليست تفصيلاً عابراً، بل تعكس أزمة أعمق في الثقافة العربية المعاصرة. فالمثقف الذي يستطيع أن يناقش كل شيء إلا ما يمس مراكز القوة الدولية والإقليمية، يتحول تدريجياً إلى مجرد موظف بلاغي في مؤسسة الخطاب العالمي السائد. لا يكفي أن نتحدث عن الحرية والعدالة وحقوق الإنسان بصيغ تجريدية، بينما تُباد غزة أمام العالم، وتُدار المنطقة بمنطق القوة العسكرية والتحالفات الأمنية والمصالح الاستراتيجية.

كان لافتاً أن بعض الندوات التي ناقشت “مستقبل العالم بعد الحروب” تجنبت حتى تسمية الفاعلين الحقيقيين في الحرب. كأن اللغة نفسها أصبحت خائفة. وكأن الثقافة العربية، في بعض تجلياتها الرسمية، تريد أن تبدو “كونية” عبر الابتعاد عن جراحها المباشرة. لكن أي كونية هذه التي تتجاهل المأساة الفلسطينية باعتبارها واحدة من أكبر اختبارات الضمير الإنساني المعاصر؟

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن المعرض احتفظ بجوانب مضيئة ومهمة. الاحتفاء بابن بطوطة مثلاً كان ذكياً من الناحية الرمزية، لأنه يعيد التذكير بأن الثقافة العربية كانت في زمن ما ثقافة سفر واكتشاف وانفتاح على العالم، لا ثقافة خوف وانكفاء. كما أن استحضار أسماء مثل ابن رشد وبدر شاكر السياب وإدريس الشرايبي وميشيل فوكو منح الدورة بعداً معرفياً يتجاوز الطابع الاحتفالي المعتاد.

الرباط نفسها بدت خلال أيام المعرض مدينة تستعيد دورها الثقافي العربي والإفريقي والمتوسطي. وليس من المصادفة أن تُختار عاصمة للإعلام العربي لعام 2026، في لحظة تبحث فيها المنطقة عن مراكز جديدة لإنتاج المعنى بعد سنوات طويلة من الحروب والانقسامات.

لكن الثقافة، لكي تكون جديرة بهذا الدور، مطالبة بأكثر من تنظيم المعارض والندوات وتوزيع الجوائز. إنها مطالبة بالشجاعة أيضاً. فالمثقف الحقيقي لا يكتفي بتشخيص أزمة العالم من مسافة آمنة، بل ينحاز إلى الحقيقة حين تصبح مكلفة. وفي الشرق الأوسط اليوم، لا توجد حقيقة أكثر إلحاحاً من سؤال فلسطين، ولا سؤال أكثر خطورة من مصير المنطقة في ظل التحولات العنيفة التي تفرضها الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، بكل ما تحمله من احتمالات انفجار شامل وإعادة رسم للخرائط السياسية والأمنية.

خرجتُ من المعرض وأنا أشعر بإعجاب حقيقي بهذا الزخم الثقافي الكبير، لكن أيضاً بشيء من القلق. وقبل ذلك، وأنا أتجول رفقة زوجتي ، وهي خريجة أدب وقانون من جامعات المغرب الأقصى، داخل الأروقة، استعادني وإياها زمن بعيد؛ زمن الدراسة في جامعة محمد الخامس بالرباط قبل نحو ثلاثين عاماً، حين كنا نغادر القاعات نفسها محمّلين بأسئلة كبرى عن الأدب والهوية والمعرفة.

اليوم، ونحن نعود إلى المدينة ذاتها من بوابة المعرض، بدا وكأن بعض الأسماء التي شكّلت وجداننا الثقافي ما تزال حاضرة بقوة، تتردد في الندوات والأروقة كما لو أنها لم تشخ: مبارك ربيع، الطاهر بن جلون ومعطي منجب، وغيرهم من الكتّاب الذين ظلوا جزءاً من ذاكرة المغرب الثقافية الممتدة. كان في ذلك الإحساس شيء من الحنين، لكنه أيضاً تذكير بأن الثقافة المغربية تملك طبقات زمنية متراكبة، لا ينفصل فيها الحاضر عن الماضي بسهولة.

لكن رغم هذا الامتداد الجميل في الذاكرة، فإن الكتب وحدها لا تكفي إذا فقدت الثقافة قدرتها على تسمية الأشياء بأسمائها. ولأن المعارض التي تحتفي بالسفر والكتابة مطالبة كذلك بأن تجرؤ على السفر إلى المناطق المحرمة في الوعي العربي، حيث تقيم الأسئلة التي لا يريد كثيرون الاقتراب منها.

إعلامي تونسي مقيم في لندن

           
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع ذات صلة

الفساد الإداري في مناقشة الأطروحات: حين تتحول الخبرة العلمية إلى مجاملة مصلحية

14 يوليو 2026 - 1:44 ص

لم تعد بعض مظاهر الفساد داخل الجامعة مرتبطة فقط بالتوظيف أو المباريات أو تدبير الموارد، بل امتدت أحياناً إلى فضاءات

المغرب نحو 2030: حين تتحول المفاجأة إلى مشروع دولة

13 يوليو 2026 - 11:11 ص

انتهى مونديال 2026، وبقي السؤال الذي يهم الأمم أكثر من سؤال الفوز والخسارة: ماذا بعد؟ فالمنتخبات الكبيرة لا تُقاس بما

كيف يفكر “الطريق الرابع” في الدولة في زمن التحديات والتحولات؟

13 يوليو 2026 - 11:08 ص

هذا مجرد جواب مختصر عن سؤال واحد من بين عشرات الأسئلة التي أتلقاها من أصدقاء وفاعلين يرغبون في فهم رؤية

امتحانات الباكالوريا: مساواة في الإجراءات الإدارية وتفاوت في شروط التحصيل الدراسي والمعرفي

12 يوليو 2026 - 10:01 م

الباكالوريا ليست شهادة مدرسية – فقط – بل اعتراف اجتماعي للناجح  تحتل شهادة الباكالوريا في المغرب موقعا هاما يتجاوز قيمتها

الأمم العظيمة لا تُقلِّد… بل تُبدِع

12 يوليو 2026 - 9:57 م

في التاريخ، لم تُكتب أمجاد الأمم بالحبر الذي كتبه الآخرون، بل بالأفكار التي أبدعتها شعوبها والإرادة التي صنعت بها مستقبلها.

اختر مدينتك
الفجرالشروقالضهرالعصرالمغربالعشاء
الرطوبة : %
الرياح : km/h
°
°
°