تشهد العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران منعطفاً حاداً في ظل تصاعد التوتر المرتبط بملف تخصيب اليورانيوم وتزايد المؤشرات على انتقال الصراع من مرحلة الضغوط الدبلوماسية إلى المواجهة المباشرة، فبعد انتهاء المهلة المحددة لحسم هذا الملف الشائك، عادت لغة القوة لتتصدر المشهد، في سياق إقليمي ودولي بالغ الحساسية.
وهذا التطور لا ينعكس فقط على طبيعة العلاقة الثنائية بين واشنطن وطهران، بل يمتد ليطال توازنات الخليج والشرق الأوسط برمته، ما يثير التساؤلات حول إن كان هذا التصعيد نتيجة مسار محتوم منذ تعثر التفاهمات النووية، أم أن الضربات المتبادلة تمثل بداية تحول استراتيجي أوسع في بنية النظام الإيراني وموقعه داخل المنظومة الدولية.
-مهلة منتهية
يرى العباس الوردي، أستاذ القانون العام بجامعة جامعة محمد الخامس بالرباط، والمدير العام للمجلة الافريقية للسياسات العامة، أن المواجهة الأمريكية تجاه إيران لم تكن مفاجئة، بل جاءت نتيجة مسار كان متوقعاً منذ تحديد أجل واضح لحسم ملف تخصيب اليورانيوم.
وأوضح الوردي في تصريح لجريدة “الشعاع”، أن المهلة لم تكن مجرد إجراء تقني، بل كانت اختباراً لمدى انضباط النظام الإيراني لقواعد البنية الدولية، مبرزًا أن اغتيال المرشد الأعلى على خامنئي يعد مؤشرًا على نفاذ الصبر الأمريكي.
وأكد على أن انتهاء الأجل دون التوصل إلى صيغة توافقية جعل خيار التصعيد وارداً بقوة، خاصة في ظل ما وصفه بتعصب وتعنت من الجانب الإيراني، الذي يسعى وفق تعبيره؛ إلى خلق نظام دولي خاص به، خارج القواعد المنظمة للعلاقات الدولية المعاصرة.
واعتبر أستاذ القانون العام بجامعة جامعة محمد الخامس بالرباط، أن هذا التوجه غير مقبول داخل النسق القانوني والمؤسساتي العالمي.
وأضاف أن الإصرار على المضي قدماً في تخصيب اليورانيوم، رغم التحذيرات المتكررة، يعكس رغبة في فرض أمر واقع جديد، ومحاولة إعادة رسم حدود القوة والنفوذ، وهو ما اعتبرته واشنطن تحدياً مباشراً يستوجب الرد.
-ضرب الجوار
ينتقد الوردي بشدة استهداف إيران لمحيطها الإقليمي، معتبراً أن ضرب دول جوار مثل قطر والسعودية والبحرين والإمارات وسلطنة عمان أمر “يندى له الجبين”، خاصة وأن بعض هذه الدول كانت توصف بحلفاء استراتيجيين أو على الأقل أطرافاً في مسارات تهدئة سابقة.
وشدد على أن وجود قواعد عسكرية أمريكية داخل هذه الدول لا يمنح أي شرعية لاستهدافها، لأن الأمر يتعلق بسيادة دول قائمة بذاتها، ولها كامل الحق في إبرام اتفاقيات دفاعية مع من تشاء في إطار القانون الدولي، وبالتالي فإن ضرب أراضيها يعد في نظره، مساساً مباشراً بمبدأ احترام السيادة.
واعتبر أن هذا السلوك يكشف ارتباكاً في الرؤية الاستراتيجية الإيرانية، إذ لا يمكن الجمع بين خطاب المصالحة الإقليمية وبين توجيه ضربات إلى دول الجوار تحت ذريعة الصراع مع الولايات المتحدة.
-اهتراء داخلي
يرى الوردي أن ما يجري حالياً يعكس اهتراءً في البنية الإيرانية، حيث “اختلط الحابل بالنابل” وفق تعبيره، وأصبحت القرارات تتسم بطابع انفعالي يفتقر إلى الحسابات الدقيقة.
وذهب المدير العام للمجلة الافريقية للسياسات العامة، إلى أن توجيه الرسائل العسكرية إلى واشنطن عبر ضرب الجوار قد يعجل بنتائج عكسية على الداخل الإيراني نفسه.
وأشار إلى أن نهاية النظام الإيراني من وجهة نظره، قد تكون شارفت، ليس فقط بسبب الضغوط الخارجية، بل أيضاً نتيجة تراكم الأزمات الداخلية.
وأردف أستاذ القانون العام، أن العزلة الدولية والحصار الاقتصادي الممتد منذ سنوات، أضعفا البنية الاقتصادية والاجتماعية، ما خلق حالة احتقان داخلي متنامية.
وأضاف أن هذه التطورات ما كانت لتبلغ هذا المستوى لو تراجعت طهران عن نيتها في تخصيب اليورانيوم، واحترمت قواعد القانون الدولي، بدل محاولة فرض مسار خاص بها على المنظومة الدولية.
-حرب مباشرة
يعتبر الوردي أن ما يحدث اليوم يتجاوز مجرد عمليات إنذارية محدودة، ليدخل في نطاق حرب مباشرة، سبقتها تحركات عسكرية تحذيرية شاركت فيها عدة دول بهدف رص الصفوف واحتواء التوتر، وغير أن إيران بحسب تقديره، لم تستوعب رسائل التهدئة، وفضّلت المضي في نهج التصعيد.
ويرى أن محاولة إظهار القوة وإبراز القدرة العسكرية لا تغير من حقيقة التراجع الذي تعرفه البنية العسكرية الإيرانية، خاصة مع مقتل رموز بارزة وتعرض مواقع حساسة لضربات موجعة.
ووصف المدير العام للمجلة الافريقية للسياسات العامة، بأن صورة “الرجل المريض” باتت تلاحق النظام الإيراني في الخطاب الدولي.
وحذر من أن إدخال الخليج والشرق الأوسط في حرب حامية الوطيس لن يجر إلا مزيداً من الخسائر على إيران نفسها، لأن البيئة الإقليمية لم تعد متقبلة لمغامرات عسكرية قد تزعزع استقرارها.
-غضب داخلي
يتوقف الوردي عند البعد الداخلي للأزمة، معتبراً أن جزءاً من الحكم على النظام الإيراني صدر من داخله، حيث عبر إيرانيون عن امتعاضهم من السياسات المتبعة، مستشهدا بحالة التذمر الشعبي التي سبقت حتى المواجهة العسكرية الأخيرة، ما يعني أن الأزمة ليست وليدة اللحظة.
وأكد أستاذ القانون العام أن الشعب الإيراني بات يشعر بثقل الخيارات الاستراتيجية التي تقودها القيادة، في ظل حصار ممتد ووعود لم تتحقق.
ويرى أن القيادة الإيرانية “تلعب رقصة الديك المذبوح في آخر أيامها”، في إشارة إلى سلوك يعتبره انفعالياً ومشحوناً بردود فعل غير محسوبة.
وأشار إلى أن استمرار هذا النهج لن يؤدي إلا لتعميق العزلة وتسريع التحولات الداخلية، في ظل بيئة دولية لا تتسامح مع خرق قواعدها الأساسية، ولا تقبل بقيام منظومات موازية تنازعها الشرعية.
وأبرز أن مسار التصعيد الحالي قد يشكل في تقديره، لحظة مفصلية في تاريخ النظام الإيراني، بين إعادة التموضع أو الدخول في مرحلة أفول سياسي واستراتيجي.




تعليقات الزوار ( 0 )