تشهد أسعار الطماطم في الأسواق الوطنية استمرارًا في الارتفاع رغم اتخاذ إجراءات لتقليص الصادرات نحو بعض الوجهات، وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول فعالية هذه التدابير في تحقيق التوازن المنشود داخل السوق الداخلية، فبين من يعزو الغلاء إلى العوامل المناخية وتراجع الإنتاج، ومن يربطه بآليات التسويق والوساطة، تتداخل التفسيرات لتكشف عن تعقيد بنيوي في سلسلة القيمة الفلاحية.
وفي ظل هذا الوضع، يجد المستهلك نفسه أمام أسعار مرتفعة لمنتوج يعتبر من أساسيات المائدة اليومية، بينما يؤكد الفلاحون أنهم لا يستفيدون فعليا من هذه الزيادات، وهذا التباين بين سعر البيع عند الإنتاج وسعره النهائي عند الاستهلاك يعيد النقاش إلى جوهر إشكالية توزيع القيمة داخل السوق، ويطرح الحاجة إلى إصلاحات أعمق تتجاوز الحلول الظرفية.
❖ فوضى الوساطة
يشدد رياض وحتيتا، الخبير الزراعي والمستشار الفلاحي، على أن المشكل الأساسي في ارتفاع أسعار الطماطم لا يرتبط فقط بالتصدير أو قلة العرض، بل يعود بالأساس إلى تعدد الوسطاء داخل سلسلة التوزيع.
وأوضح وحتيتا في تصريح لجريدة “الشعاع”، أن الفلاح يبيع منتوجه بأثمنة منخفضة قد لا تتجاوز ربع السعر النهائي، في حين تتضاعف الأسعار عبر مراحل متتالية من البيع وإعادة البيع.
وأشار إلى أن مسار المنتوج يبدأ من الضيعة، حيث يتدخل وسيط أول يشتري المحصول بكميات كبيرة بثمن منخفض، مبررًا ذلك باحتساب الخسائر المحتملة.
واستطرد أنه بعد ذلك، تمر السلع عبر وسطاء آخرين قبل أن تصل إلى أسواق الجملة، حيث قد تخضع لعمليات بيع متكررة داخل السوق نفسه، قبل أن تصل إلى تجار التقسيط.
وأضاف أن هذه السلسلة الطويلة من المتدخلين، بما في ذلك الناقلون وباعة التقسيط، تؤدي إلى تضخم الأسعار بشكل غير مبرر، معتبرًا أن الحد من هذه الوساطة أصبح ضرورة ملحة لإعادة التوازن إلى السوق.
❖ اختلال السوق
يبرز وحتيتا أن الفرق بين السوق الوطنية والأسواق الأوروبية يكمن في مستوى التنظيم، حيث تعتمد هذه الأخيرة على أنظمة رقمية لتصنيف المنتجات حسب الجودة وتحديد الأسعار بشكل شفاف، مع تقليص عدد الوسطاء وربط مباشر بين المنتجين والموزعين.
وفي المقابل، أوضح أن الأسواق الوطنية تعاني من غياب هذه الآليات، ما يجعل الولوج إلى أسواق الجملة محكوماً بعلاقات الثقة والمعرفة، وهو ما يحد من المنافسة ويعزز تحكم بعض الفاعلين في السوق.
وأشار إلى أن عوامل ظرفية، مثل الظروف المناخية وارتفاع الطلب خلال شهر رمضان، ساهمت في ارتفاع الأسعار، غير أن استمرار هذا الارتفاع بعد انتهاء هذه العوامل يؤكد وجود اختلالات بنيوية.
وأضاف أن تعدد عمليات البيع داخل أسواق الجملة نفسها، في غياب أي نظام رقمي يحدد الأسعار أو الجودة، يفتح المجال أمام المضاربات ويزيد من تعقيد مسار التسويق.
❖ تحديات الإنتاج
فيما يتعلق بالإنتاج، شدد وحتيتا على أن الفيروسات تشكل عاملاً إضافيًا في تقليص العرض، مبرزًا خطورة فيروس “TOBRFV” الذي يصيب الطماطم والفلفل، ويؤثر بشكل مباشر على المردودية.
ولفت إلى أن التغيرات المناخية، بما فيها الرياح القوية التي ألحقت أضرارًا بالبيوت المغطاة، ساهمت في تراجع الإنتاج، وهو ما انعكس على السوق.
وطرح في هذا السياق تساؤلات حول جودة البذور ومدى قدرتها على مقاومة الأمراض، داعيًا إلى تعزيز البحث العلمي في هذا المجال.
وأوضح أن مسألة التصدير تبقى معقدة، نظرًا لارتباطها بعقود دولية تتضمن التزامات صارمة وعقوبات مالية في حال عدم احترامها، ما يجعل من الصعب تقليص الصادرات بشكل مفاجئ.
❖ دعم وتصدير
توقف وحتيتا عند نظام دعم التصدير، مشيرًا إلى أن الدولة تقدم تحفيزات مالية لتشجيع تصدير الطماطم نحو أسواق خارجية، في إطار تنويع الشركاء وتعزيز الحضور الدولي، في ظل منافسة متزايدة من دول أخرى.
وغير أنه تساءل في المقابل عن غياب دعم مماثل لتوجيه الإنتاج نحو السوق المحلية، معتبرًا أن هذا التفاوت يطرح إشكالاً على مستوى تحقيق التوازن بين متطلبات التصدير وحاجيات السوق الداخلية، خاصة فيما يتعلق بمنتوجات أساسية.
❖ حلول مقترحة
فيما يخص الحلول، اقترح وحتيتا إحداث بطاقة مهنية للفلاح، تتيح له الولوج المباشر إلى أسواق الجملة بشروط تفضيلية، بما يعزز قدرته التفاوضية ويقلص من دور الوسطاء.
ودعا إلى إحداث مؤسسة عمومية تتولى تنظيم وتسويق المنتجات الفلاحية، من خلال شراء المحاصيل خلال فترات الوفرة وتخزينها، ثم إعادة ضخها في السوق عند الحاجة لضبط الأسعار.
وأكد على أن اعتماد أنظمة رقمية داخل الأسواق، لتصنيف المنتجات وتحديد أسعارها بشكل شفاف، من شأنه أن يساهم في تقليص المضاربات وتحقيق توازن أفضل بين مختلف المتدخلين، بما يضمن حماية الفلاح والمستهلك على حد سواء.


تعليقات الزوار ( 0 )