يصادف يوم 10 أبريل ذكرى رحيل العلّامة الدكتور علي بن المنتصر الكتاني، الإدريسي الحسني، الذي غادر الدنيا فجر سنة 2001 بقرطبة، عن تسعة وخمسين عامًا، بعد مسار حافل جمع فيه بين الرسالة العلمية والهمّ الحضاري والعمل الميداني. ولم يكن رحيله مجرّد فقدٍ لشخصية علمية، بل انقطاعًا لنسق فكري متماسك سعى إلى إعادة تعريف موقع المسلمين في العالم، خاصة في سياق الأقليات، بمنهج يقوم على الاعتدال والتوازن واستحضار المقاصد.
لقد عرفتُه رجلًا مؤمنًا صاحب قضية، لا يتعامل مع الأفكار بوصفها تجريدات ذهنية، بل باعتبارها أدوات لإصلاح الواقع وبناء الإنسان. وكان من أبرز ما تميّز به مشروعه العلمي تأسيسه لرؤية تقاربية في معالجة قضية الأقليات المسلمة، رؤية سبقت زمنها، ولم يسبقه إليها أحد بهذا العمق والتركيب. فقد رفض أن تُختزل الأقليات في وضعية دفاعية أو في خطاب استجداء، كما رفض أن تُدفع إلى مسارات الصدام أو العزلة، بل دعا إلى فقهٍ جديد يجعل منها مكوّنًا أصيلًا في المجتمعات المعاصرة، يسهم في بنائها، ويشهد على قيمه، دون أن يفقد هويته أو ينفصل عن مرجعيته.
وقد كان لي شرف استضافته في مؤتمر دولي انعقد في يناير 2001 بمقر اليونسكو، بحضور المدير العام آنذاك، الياباني كويشيرو ماتسورا، إلى جانب نخبة من الشخصيات الإسلامية والفكرية الوازنة، من بينهم المرحوم عبد الكريم الخطيب، والمرحوم المحجوب أحرضان، والدكتور محمد أحمد الشريف، الأمين العام لجمعية الدعوة الإسلامية العالمية بليبيا، وغيرهم. في ذلك اللقاء، تجلّى الكتاني عالمًا هادئًا في طرحه، عميقًا في تحليله، قادرًا على الجمع بين وضوح المبدأ ومرونة التنزيل، دون أن يقع في تناقض أو اضطراب.
لقد أسس رحمه الله لمدرسة فكرية ترى أن الأقليات المسلمة ليست جسمًا غريبًا عن المجتمعات التي تعيش فيها، بل عنصر من عناصرها الحية، لها ما لها وعليها ما عليها، وأن وظيفتها لا تقتصر على الحفاظ على الذات، بل تمتد إلى الإسهام في العمران الإنساني. ومن هنا، كان تحذيره الدائم من أن تتحول هذه الأقليات إلى أدوات في يد أجندات خارجية، أو إلى كيانات منغلقة تعيش على هامش المجتمع. لقد أراد لها أن تكون فاعلة، مندمجة بوعي، شاهدة بقيمها، حاضرة بعقلها.
ولم يكن هذا التصور وليد تنظير مجرد، بل كان ثمرة تجربة ميدانية واسعة. فقد جاب العالم، ونظم شؤون الأقليات الإسلامية في مختلف القارات، وساهم في إدخال الإسلام إلى مناطق نائية، كما كان له دور بارز في إعادة إحياء الحضور الإسلامي في الأندلس، لا على مستوى الشعائر فحسب، بل على مستوى الهوية والذاكرة الحضارية. وكان في كل ذلك يتحرك بروح المسؤولية، لا بروح المغامرة، وبمنهج البناء لا بمنطق الشعارات.
وإذا كان حضوره في قضايا المسلمين واضحًا في هذا المجال، فإنه لم يكن أقل تأثيرًا في ميادين أخرى. فقد وقف مع قضايا المسلمين في أفغانستان وإريتريا وفلسطين والبوسنة وكوسوفو وغيرها، مساهمًا بالنصح والدعم والتنظيم. كما أسهم في النهضة التعليمية والتكنولوجية في عدد من البلدان الإسلامية، فشارك في تأسيس جامعات ومعاهد، وبعث آلاف المنح الدراسية، وكان لذلك أثر ملموس في بناء الكفاءات العلمية، خاصة في دول مثل ماليزيا وباكستان وتركيا.
ثم إن إسهاماته العلمية في مجال الطاقة المتجددة والطاقة الشمسية والتحويل المباشر للطاقة تجعل منه واحدًا من رواد هذا المجال في العالم الإسلامي. فقد جمع بين التخصص الدقيق والرؤية الحضارية، وترك عشرات المؤلفات بأربع لغات، أصبح بعضها مراجع معتمدة في الجامعات والمعاهد الكبرى. ولم يكن العلم عنده منفصلًا عن الرسالة، بل كان وسيلة لتمكين الأمة واستعادة دورها في إنتاج المعرفة.
لقد ترك الكتاني إرثًا ثقيلًا، ليس في كثرة ما كتب أو أسس فحسب، بل في طبيعة الأسئلة التي طرحها، والمنهج الذي اختطه. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: كيف يمكن للقيادات الإسلامية في مجتمعات الأقليات أن تستأنف هذا المشروع دون أن تسقط في ثنائية الذوبان أو الصدام؟ وكيف يمكن صياغة خطاب ديني يستوعب تحولات العصر، ويظل وفيًا للأصول، دون أن يتحول إلى مجرد تبرير للواقع أو انسحاب منه؟ ثم كيف يمكن تحويل هذا الإرث من ذكرى تُستعاد إلى مشروع يُبنى ويُطوَّر؟
رحم الله العلّامة الكتاني، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدّمه في ميزان حسناته، وبارك في ذريته الصالحة، وجعلهم امتدادًا لمدرسته، وحملةً لرسالته.






تعليقات الزوار ( 0 )