وقّعت المملكة المغربية، (الخميس) الماضي بدافوس، على الميثاق التأسيسي لـ”مجلس السلام”، أو ما يعرف بـ (Board of Peace)، المنظمة الدولية الجديدة التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية، في خطوة تفتح نقاشا عميقا حول مستقبل المنظومة الأممية التقليدية، وحدود التحالفات الغربية، وأدوار الفاعلين الصاعدين في هندسة السلام العالمي.
وكانت المملكة المغربية من أوائل الدول الموقعة، بعد مملكة البحرين، ما يعكس مكانتها الخاصة داخل هذه المبادرة التي تحصر عضويتها في “عدد محدود من القادة الدوليين المنخرطين فعليا في دعم السلم والاستقرار”، وفق ما أكده بلاغ وزارة الخارجية المغربية.
وحوّل إعلان المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، دخول الميثاق حيز التنفيذ، “مجلس السلام” من فكرة سياسية إلى منظمة دولية قائمة بذاتها، بما يعنيه ذلك من بداية فعلية لمسار جديد في إدارة النزاعات خارج الإطار الأممي الكلاسيكي.
وفي قراءة تحليلية لهذا التحول، يرى أمين صوصي علوي، الخبير المغربي في الإعلام والبروباغاندا التطبيقية، أن “ما يجري ليس قطيعة مفاجئة مع الأمم المتحدة، بل امتداد لتقليد أمريكي قديم في صناعة المؤسسات الدولية”.
وأشار أمين صوصي، في تصريح لجريدة “الشعاع الجديد”، إلى أن “عصبة الأمم ثم الأمم المتحدة خرجتا، في الأصل، من رحم الرؤية الأمريكية بعد الحرب العالمية الأولى، قبل أن تتحول لاحقا إلى فضاءات متعددة الإرادات”.
وأوضح، أن “إدارة ترامب، لم تعد ترى في الأمم المتحدة الإطار القانوني أو العملي القادر على فرض السلام في بؤر النزاع، وهو ما يفسر انسحاب واشنطن أو تقليص التزاماتها تجاه عدد من منظمات الأمم المتحدة، مقابل ابتكار آلية جديدة “تنسجم مع مبدأ مونرو” القائم على حماية المصالح الأمريكية وبناء تحالفات أكثر مرونة وفعالية”.
من جهة أخرى، يستبعد الخبير المغربي سيناريو النهاية الفجائية، معتبرا أن “الأمر يتعلق بمسار تدريجي لإعادة توزيع الأدوار. فالولايات المتحدة، بحسب تحليله، لا ترغب في صدمة استراتيجية مع حلفائها التقليديين، خاصة في أوروبا الغربية، لكنها تفتح الباب أمام انتقال وظيفي نحو المنظمة الجديدة، كلما أثبتت فعاليتها الميدانية”.
ويرجح علوي أن “تكون دول أوروبا الشرقية من أوائل المتفاعلين مع “مجلس السلام”، في مقابل تردد أوروبي غربي نابع من التشبث بالإطار الأممي والقانون الدولي التقليدي. وهذا التفاوت قد يقود، على المدى المتوسط، إلى تحالفات دولية جديدة، تجد فيها واشنطن شركاء غير تقليديين، خارج النواة الغربية الصلبة”.
وبالنسبة للمغرب، لا يبدو الانخراط في “مجلس السلام” قطيعة مع الأمم المتحدة، بل استثمارا ذكيا في تعدد المسارات الدبلوماسية. فالرباط، التي راكمت تجربة معتبرة في الوساطات ودعم الاستقرار الإقليمي، تجد في هذه المبادرة اعترافا دوليا بدور الملك محمد السادس، خاصة بصفته رئيس لجنة القدس.
كما حرص المغرب، بالتوازي مع التوقيع، على تجديد موقفه الثابت الداعم لحل الدولتين، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، في رسالة تؤكد أن الانخراط في آليات جديدة للسلام لا يعني التخلي عن الثوابت الدبلوماسية.
وخلص الخبير المغربي في الإعلام والبروباغاندا التطبيقية، إلى أن “توقيع المغرب على ميثاق “مجلس السلام” يؤشر على مرحلة انتقالية في النظام الدولي، حيث تتراجع مركزية المؤسسات التقليدية لصالح أطر أكثر انتقائية وبراغماتية”.
وفي هذا السياق، يتابع المصدر ذاته، “نجح المغرب مرة أخرى في التموضع كفاعل هادئ، يقرأ التحولات قبل أن تكتمل، ويختار موقعه بعناية في عالم يعاد تشكيله على مهل، لكن بعمق”.


تعليقات الزوار ( 0 )