يشهد مشروع الربط القاري بين المغرب وإسبانيا عبر مضيق جبل طارق دفعة جديدة بعد عقود من الدراسات، مع توقيع مذكرة تفاهم علمية تهدف إلى تعميق البحث في الخصائص الجيولوجية والزلازلية للمضيق، في خطوة تُمهّد لواحد من أكثر المشاريع الهندسية طموحًا في العالم.
وجرى توقيع مذكرة التفاهم بين المعهد الجغرافي الوطني الإسباني والمركز الوطني للبحث العلمي والتقني، في إطار شراكة علمية تمتد لثلاث سنوات، وتركز على دراسة النشاط الزلزالي والدينامية الجيولوجية للمضيق، وهي عناصر حاسمة قبل الانتقال إلى مرحلة التنفيذ.
ويأتي هذا التطور بعد اجتماع رسمي جمع وزير النقل الإسباني أوسكار بوينتي ونظيره المغربي كريم زيدان في مدريد نهاية 2025، حيث تم تثبيت الإطار المؤسسي للمشروع الذي تعود بداياته إلى سبعينيات القرن الماضي.
وفي مارس 2026، صادقت الحكومة الإسبانية على تمويل إضافي بقيمة 1.73 مليون يورو لدعم الدراسات التقنية، التي تشرف عليها شركة SECEGSA، وهي هيئة عمومية متخصصة في مشاريع الربط عبر المضيق.
كما تم تكليف شركة Herrenknecht Ibérica بإعداد دراسة جدوى تقنية، خلصت إلى إمكانية تنفيذ المشروع من الناحية الهندسية، مع الإشارة إلى تحديات لوجستية واقتصادية كبيرة.
ويمتد النفق المقترح لنحو 65 كيلومترا، منها 27.7 كيلومترا تحت البحر، بعمق يصل إلى 475 مترا. وسيتكون من نفقين منفصلين مخصصين للسكك الحديدية، إضافة إلى ممر خدمات مركزي للطوارئ والصيانة.
وسيتم ربط النفقين بممرات عرضية كل 340 مترا، مع إنشاء منطقة أمان في أعمق نقطة، تشمل تجهيزات متقدمة للسلامة وإدارة الطوارئ.
ويمر المشروع عبر منطقة “عتبة كامارينال”، وهي تكوين جيولوجي معقد يتكون من طبقات غير متجانسة من الحجر الرملي والطين، ما يفرض صعوبات تقنية دقيقة أثناء الحفر.
كما يخضع المضيق لقيود بيئية صارمة، حيث يعد منطقة عبور لأكثر من 100 ألف سفينة سنويا، ويحتضن أكثر من 1900 نوع من الكائنات البحرية، ضمن منطقة مصنفة للحماية البيئية، تشمل برنامجا خاصا لحماية الحيتان القاتلة.
وفي هذا السياق، أطلقت حملة بحث بحري بقيادة المجلس الأعلى للبحث العلمي الإسباني، تشمل مسوحات دقيقة لقاع البحر وتحاليل جيولوجية متقدمة، بهدف بناء نموذج ثلاثي الأبعاد للمنطقة.
وتقدر كلفة المشروع بأكثر من 8.5 مليار يورو بالنسبة للجانب الإسباني فقط، مع توقعات بإنجاز النفق في أفق يتراوح بين 2035 و2040. وفي حال اكتماله، سيتيح التنقل بين المغرب وإسبانيا في حوالي 30 دقيقة، ما سيشكل تحولا جذريا في حركة الأفراد والبضائع.
ويمثل هذا المشروع نقلة نوعية في العلاقات المغربية الإسبانية، ويعزز موقع المغرب كبوابة رئيسية بين إفريقيا وأوروبا. كما يفتح آفاقًا جديدة للتكامل الاقتصادي واللوجستي، في ظل تزايد الاهتمام الدولي بالبنى التحتية العابرة للقارات.



تعليقات الزوار ( 0 )