ليست مشاورات مدريد الأخيرة حول ملف الصحراء المغربية مجرد جولة تفاوضية جديدة تُضاف إلى أرشيف نزاع ملف الصحراء المغربية الذي امتد لأكثر من نصف قرن، بل إن هذه المشاورات، والتي لا تزال مستمرة إلى حدود اللحظة، تشكل مرحلة مفصلية تؤشر على انتقال نوعي في طبيعة المعالجة الدولية للملف وتكرس بوضوح غير مسبوق ثمرة الصبر الاستراتيجي المغربي الذي راهن طويلا على الزمن والواقع بدل الضجيج والشعارات.
يعود ملف الصحراء المغربية إلى واجهة الاهتمام الدولي مع تنزيل القرار الأممي 2797 تحت الرعاية الأمريكية، لكن هذه المرة بصيغة مختلفة، إذ لم يعد النقاش يدور حول من يحوز السردية ، بل حول من يملك السردية التاريخية والمشروع القابل للتنفيذ الذي يستند على الواقعية السياسية.
وهنا والآن، يظهر التحول العميق الذي راكمه المغرب بهدوء على مدى خمسين سنة، وجعل من مبادرة الحكم الذاتي ليست مجرد مقترح وحسب، بل الإطار الوحيد الواقعي المطروح على طاولة المفاوضات.
من مدريد 1975 وإلى مدريد 2026، انتقل النزاع من مرحلة تصفية الاستعمار إلى مرحلة إعادة هندسة السيادة، فإذا كانت مدريد الأولى (1975) قد أنهت الوجود الاستعماري الإسباني، فإن مدريد الثانية (2026) تؤسس عمليا لتعزيز السردية التاريخية في محايثة مع الواقعية السياسية، وهنا لم يبق سوى التفاوض التقني حول نموذج سياسي مغربي يحظى اليوم باعتراف دولي متزايد ودعم صريح من قوى وازنة، في مقدمتها الولايات المتحدة.
بدل الاكتفاء بخطاب قانوني مجرد، مارس المغرب السيادة الفعلية على الأرض، واختار طريقا مغايرا لمنطق الاستنزاف الدبلوماسي، تنمية شاملة، مؤسسات منتخبة، بنية تحتية كبرى، واستثمارات استراتيجية حولت الأقاليم الجنوبية من بؤرة نزاع إلى فضاء للاستقرار والفرص.
هذا التراكم الواقعي هو ما منح الموقف المغربي شرعية ملموسة تتجاوز قاعات الأمم المتحدة إلى أعين المجتمع الدولي.
في المقابل، وجدت الجارة الشرقية نفسها، (الجزائر)، مع هذا التحول، أمام مأزق سردي متجاوز وسياسي غير مقنع، ذلك أن خطاب تقرير المصير بصيغته الانفصالية، والذي استثمرت فيه طويلا، فقد بريقه مع تغير المفاهيم الدولية مع سقوط جدار برلين، حيث لم يعد تقرير المصير مرادفا للاستقلال، بل أصبح يُترجم في نماذج متقدمة من الحكم الذاتي داخل سيادة الدول.
وهو تحول لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة تراكم دبلوماسي مغربي نجح في نقل النقاش من سؤال “من يملك الأرض؟” إلى سؤال “من يحسن تدبيرها؟”.
لا ريب أن مشاورات مدريد الأخيرة، بما رافقها من إشراف أمريكي مباشر، وقبول الوثيقة التقنية للحكم الذاتي كمرجعية وحيدة للنقاش، تشكل اعترافا عمليا بأن مسار الحل قد حُسم من حيث الجوهر، ولم يعد الباب مفتوحا لمشاريع موازية أو أطروحات عالقة في زمن الحرب الباردة، بل لتفاصيل تطبيق نموذج سياسي نضج على الأرض قبل أن ينضج في الخطاب الدولي.
هكذا، يمكن القول إن المغرب لم ينتصر في ملف الصحراء بضربة دبلوماسية خاطفة، بل بماراطون استراتيجي طويل النفس!
خمسون سنة مما تعدون من الصبر والبناء وتدبير الزمن، جعلت من التسوية اليوم نتيجة منطقية لمسار تاريخي، لا تنازلا ظرفيا ولا صفقة عابرة.
وفي عالم تحكمه الوقائع لا الشعارات، أثبت المغرب أن السيادة يتم بناؤها بهدوء.. ثم يأتي بعدئذ الاعتراف بها!!






تعليقات الزوار ( 0 )