يشهد ملف الهجرة تحولات عميقة على الصعيد الدولي، بعدما تجاوزت الظاهرة أبعادها الظرفية المرتبطة بالأزمات الأمنية والإنسانية لتصبح عنصرًا بنيويًا في تشكيل الاقتصادات والمجتمعات الحديثة.
وفي أوروبا على وجه الخصوص، لم يعد المهاجرون يشكلون فئة هامشية أو مؤقتة، بل تحولوا إلى مكون أساسي داخل أسواق الشغل والمدن الكبرى، ما فرض إعادة النظر في سياسات الإدماج والحكامة المرتبطة بالهجرة.
وفي خضم هذا التحول، تبرز أسئلة جوهرية تتعلق بمدى نجاح الدول في إدماج المهاجرين اقتصاديًا واجتماعيًا ومدى قدرتها على تقليص الفوارق بينهم وبين السكان الأصليين.
كما تكتسي هذه النقاشات أهمية خاصة بالنسبة للمغرب، الذي بات يشهد بدوره تحولات متسارعة في موقعه داخل خريطة الهجرة الدولية، من بلد عبور تقليدي نحو أوروبا إلى فضاء للاستقرار والإقامة الدائمة لفئات متزايدة من المهاجرين القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء.
هجرة مستدامة
تكشف الورقة التحليلية التي أنجزها الباحث المتخصص في قضايا الهجرة واللجوء حسن بنطالب، ونشرتها منصة “ميغرابريس”، أن الهجرة أصبحت واقعًا هيكليًا داخل أوروبا، وليس مجرد ظاهرة مؤقتة مرتبطة بأزمات عابرة.
وبحلول سنة 2024، أصبح المهاجرون يمثلون نحو 13 في المائة من سكان الاتحاد الأوروبي، فيما تصل نسبتهم في بعض بلدان أوروبا الغربية الأكثر جاذبية اقتصادياً إلى ما يقارب سدس السكان.
وتعكس هذه الأرقام مدى اعتماد الاقتصادات الأوروبية على اليد العاملة المهاجرة؛ خاصة في قطاعات تعاني خصاصًا متزايدًا مثل الصحة والبناء والخدمات اللوجستية والفلاحة وخدمات الرعاية الشخصية.
وغير أن هذا الواقع لا يتخذ الشكل نفسه في مختلف البلدان الأوروبية، إذ تختلف التجارب باختلاف السياسات العمومية ونماذج الإدماج والخصوصيات الاقتصادية لكل دولة.
تحسن ملحوظ
تبرز الدراسة أن العقد الأخير شهد تقدمًا نسبيًا في أوضاع المهاجرين داخل سوق العمل الأوروبية، حيث ارتفعت مستويات التعليم لدى المهاجرين بشكل ملحوظ، كما ازدادت نسبة الحاصلين منهم على شهادات التعليم العالي، وتحسن اندماجهم المهني مقارنة بما كان عليه الوضع سنة 2015.
كما أصبح المهاجرون يشغلون وظائف أكثر تأهيلاً من السابق، وتراجعت نسب تمركزهم في الأعمال الأكثر هشاشة مقارنة بالعقد الماضي.
وتفند هذه المؤشرات بعض الخطابات السياسية التي تصور المهاجرين باعتبارهم عبئًا دائمًا على الأنظمة الاجتماعية أو خارج دائرة الإنتاج الاقتصادي، إذ تؤكد المعطيات مساهمتهم الفعلية في التحولات الاقتصادية التي تشهدها أوروبا.
فجوات قائمة
رغم هذا التقدم، تشير المعطيات إلى استمرار فجوات مهمة بين المهاجرين والسكان الأصليين، فالتطور الذي حققه المهاجرون في مجالي التعليم والتشغيل تزامن مع تحسن مماثل لدى المواطنين الأوروبيين، ما جعل الفوارق النسبية بين الطرفين تستمر في العديد من الدول.
وتوضح الدراسة أن فارق التشغيل بين المهاجرين والسكان المحليين ما يزال يناهز عشر نقاط مئوية في عدد من البلدان الأوروبية، ما يعني أن فرص الولوج إلى سوق الشغل لا تزال غير متكافئة رغم التحسن المسجل خلال السنوات الأخيرة.
إدماج متفاوت
تؤكد الورقة أن مفهوم “المهاجر” يخفي وراءه أوضاعًا متباينة للغاية، فالمهاجرون القادمون من بلدان أوروبية أخرى يحققون معدلات اندماج وتشغيل أقرب إلى أوضاع السكان المحليين، بينما يواجه القادمون من خارج الاتحاد الأوروبي عراقيل أكبر تتعلق باللغة والاعتراف بالشهادات والتمييز وصعوبة الولوج إلى الشبكات المهنية.
ويكتسي هذا المعطى أهمية خاصة في ظل تزايد نسبة المهاجرين غير الأوروبيين داخل عدد من الدول الأوروبية خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يفرض تحديات إضافية على سياسات الإدماج ويجعل المؤشرات العامة أقل قدرة على عكس التفاوتات الحقيقية بين مختلف فئات المهاجرين.
معضلة الكفاءات
من أبرز الخلاصات التي تتوقف عندها الدراسة استمرار ظاهرة هدر الكفاءات المهاجرة، حيث يشتغل عدد كبير من أصحاب الشهادات العليا والمؤهلات المهنية في وظائف تقل كثيرًا عن مستوياتهم العلمية.
ويشمل ذلك مهندسين وأطباء وأساتذة جامعيين يجدون أنفسهم في وظائف منخفضة التأهيل بسبب صعوبات الاعتراف بالشهادات أو العراقيل المؤسساتية والإدارية.
وترى الدراسة أن هذه الوضعية لا تمثل خسارة للمهاجرين فقط، بل تشكل أيضًا هدرًا لرأسمال بشري تحتاج إليه الاقتصادات الأوروبية؛ خصوصًا في ظل التحديات الديمغرافية ونقص اليد العاملة المؤهلة.
تناقض أوروبي
تقف الورقة عند مفارقة أساسية تتمثل في حاجة الاقتصادات الأوروبية المتزايدة إلى المهاجرين لمواجهة الشيخوخة الديمغرافية وسد الخصاص في قطاعات حيوية، مقابل استمرار هيمنة المقاربات الأمنية على جزء كبير من النقاشات والسياسات المرتبطة بالهجرة.
وتؤدي هذه المفارقة بحسب الدراسة، إلى تغذية التوترات السياسية وصعود الخطابات الشعبوية المناهضة للهجرة؛ خاصة عندما تتعثر مسارات الإدماج الاجتماعي والاقتصادي أو يستمر تمركز المهاجرين في المهن الهشة والأقل دخلاً.
وفي المقابل، تظهر التجارب الناجحة أن الإدماج يرتبط بفعالية السياسات العمومية المتعلقة بالتكوين اللغوي والاعتراف بالمؤهلات ومكافحة التمييز وتيسير الولوج إلى سوق الشغل.
دروس للمغرب
تعتبر الورقة أن التجربة الأوروبية تقدم للمغرب مختبرًا متقدمًا لفهم التحديات التي قد يواجهها مستقبلاً في مجال تدبير الهجرة.
ومنذ إطلاق الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء سنة 2013، بدأ المغرب يواجه إشكالات مرتبطة بإدماج المهاجرين اقتصاديًا واجتماعيًا، وليس فقط بتسوية أوضاعهم القانونية أو تدبير الجوانب الإنسانية للملف.
وتشير الدراسة إلى أن عددًا من المهاجرين بالمغرب يتركزون في قطاعات غير مهيكلة وأنشطة هشة رغم امتلاك بعضهم لمستويات تعليمية ومهنية مرتفعة، وهو وضع يذكر بالتجارب الأوروبية التي أبرزت محدودية الإدماج القائم على التشغيل الهش دون توفير آفاق للترقي الاجتماعي والمهني.
تحول مغربي
تلفت الورقة إلى أن مدنًا مغربية مثل الدار البيضاء والرباط وطنجة ووجدة تشهد تحولات مرتبطة بتزايد الاستقرار الدائم للمهاجرين، ما يطرح تحديات جديدة تتعلق بالسكن والتعايش الحضري والاندماج داخل الفضاءات المحلية.
كما تحذر الدراسة من أن التوترات الاجتماعية المرتبطة بالهجرة لا تنبع غالبًا من وجود المهاجرين في حد ذاته، بقدر ما ترتبط بالإحساس بالمنافسة الاقتصادية والاجتماعية وانتشار الصور النمطية.
وترى أن معالجة هذه الإشكالات تستدعي سياسات إدماج متكاملة تتجاوز المقاربة الإدارية نحو بناء آليات فعلية للاندماج الاقتصادي والاجتماعي.
وتشير الورقة إلى أن المغرب مدعو اليوم إلى إعادة النظر في موقعه داخل المنظومة الدولية للهجرة، وعدم الاكتفاء باعتباره بلد عبور نحو أوروبا، بل باعتباره مجتمعًا يعيش تحولاً تدريجيًا نحو الاستقرار الهجروي.
وأبرزت أن ما سبق؛ يفرض على المغرب تطوير سياسات أكثر شمولاً في مجالات الإدماج والحكامة الترابية والتماسك الاجتماعي، حتى لا تتكرر بعض الاختلالات التي كشفت عنها التجربة الأوروبية خلال العقود الأخيرة.




تعليقات الزوار ( 0 )