يشكل ورش الدعم الاجتماعي المباشر أحد أبرز التحولات التي عرفتها السياسة الاجتماعية بالمغرب خلال السنوات الأخيرة، في سياق السعي إلى تعزيز الحماية الاجتماعية وتقليص الهشاشة وتحسين ظروف عيش الفئات الأكثر احتياجًا، حيث أفرز هذا التوجه نتائج مهمة على مستوى توسيع قاعدة المستفيدين وتحسين الولوج إلى عدد من الخدمات الأساسية المرتبطة بالصحة والتغذية والسكن.
وفي المقابل، يثير هذا الورش نقاشًا متزايدًا حول قدرته على تحقيق أثر اقتصادي مستدام يتجاوز منطق الدعم الظرفي نحو بناء مقومات الإدماج والإنتاج، فكلما توسعت برامج التحويلات الاجتماعية وارتفعت كلفتها المالية، برزت الحاجة إلى ضمان توازن دقيق بين متطلبات الحماية الاجتماعية من جهة، وضرورات النمو الاقتصادي وخلق الثروة من جهة أخرى.
أكبر ورش
يرى علي الغنبوري، الخبير والمحلل الاقتصادي ورئيس مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، أن قراءة المعطيات الواردة في التقرير السنوي للوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي لسنة 2025 تكشف أن ورش الدعم الاجتماعي المباشر تجاوز مرحلة كونه برنامجًا اجتماعيا تقليديا، ليصبح أكبر ورش اجتماعي في تاريخ المغرب من حيث حجم المستفيدين والاعتمادات المالية المرصودة له.
وأبرز الغنبوري في تصريح لجريدة “الشعاع”، أن الكلفة الإجمالية للبرنامج بلغت حوالي 51 مليار درهم، استفادت منها قرابة 3.9 ملايين أسرة، وهو ما يعكس توسعًا سريعًا وقويًا في نطاق التغطية الاجتماعية.
واكد على أن هذه الأرقام تعكس نجاحًا واضحًا على المستوى الكمي؛ سواءً من حيث حجم الأسر المستفيدة أو من حيث قدرة الدولة على تنزيل هذا الورش في ظرفية اقتصادية ومالية دقيقة.
وغير أن هذا النجاح الرقمي بحسب الغنبوري، يطرح في المقابل إشكالًا بنيويًا يتعلق بمدى قدرة الاقتصاد الوطني على تحمل هذا النسق التصاعدي من التحويلات المالية على المدى الطويل؛ خاصة إذا لم تتم مواكبته بسياسات موازية ترتكز على الرفع من الإنتاجية وتعزيز خلق الثروة وفرص الشغل.
كلفة مرتفعة
يشير رئيس مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي إلى أن تحليل بنية النفقات يكشف أن 64.2 في المائة من مجموع الاعتمادات، أي ما يقارب 32.7 مليار درهم، تم توجيهها لدعم الطفولة، وهو ما يعكس بوضوح توجه السياسة العمومية نحو الاستثمار في الرأسمال البشري باعتباره ركيزة أساسية للتنمية المستقبلية.
واعتبر أن هذا الاختيار الاجتماعي يحمل دلالات إيجابية مهمة، لأنه يركز على الفئات العمرية الأكثر حاجة إلى المواكبة والدعم، كما يراهن على تحسين المؤشرات الاجتماعية للأجيال القادمة عبر تعزيز شروط التربية والتغذية والصحة.
ولكن الغنبوري يلفت في الوقت ذاته إلى أن هذا التركيز الكبير على محور واحد من محاور الدعم الاجتماعي يكشف نوعًا من الاختلال في توازن السياسة الاجتماعية؛ خصوصًا أن الكلفة الإجمالية للبرنامج أصبحت تمثل أكثر من 2 في المائة من الناتج الداخلي الخام سنويًا.
وأردف أنه مستوى مرتفع يضع هذا الورش في صلب النقاش المتعلق بالاستدامة المالية وقدرة الدولة على الاستمرار في تمويله بنفس الوتيرة دون التأثير على التوازنات الماكرو اقتصادية.
نجاعة الاستهداف
على مستوى الاستهداف، يؤكد الغنبوري أن الأرقام المتوفرة تبدو قوية ومشجعة للوهلة الأولى، حيث استفادت الفئات الأكثر هشاشة من 84 في المائة من مجموع الدعم المخصص، بينما يوجد نحو 60 في المائة من المستفيدين بالوسط القروي.
وأضاف أن نسبة قبول الطلبات بلغت 91 في المائة، وهي نسبة مرتفعة تعكس مستوى متقدمًا من النجاعة التقنية والإدارية في تدبير هذا الورش الاجتماعي، وقدرة المؤسسات المشرفة عليه على معالجة الملفات وتوسيع نطاق الاستفادة بشكل سريع.
وغير أن هذه المعطيات تطرح في المقابل تساؤلات مرتبطة بفعالية معايير الانتقاء والاستهداف، إذ يرى الغنبوري أن ارتفاع نسبة القبول إلى هذا المستوى قد يفتح باب النقاش حول ما إذا كان الأمر يتعلق فعلاً بتوسيع مشروع للتغطية الاجتماعية وفق معايير دقيقة، أم أن هناك نوعًا من التساهل التدريجي في شروط الاستفادة بهدف توسيع قاعدة المستفيدين وضمان شمول أكبر عدد ممكن من الأسر.
أثر اجتماعي
فيما يتعلق بالانعكاسات الاجتماعية للبرنامج، يوضح الغنبوري أن المؤشرات المعلنة تظهر مستويات مرتفعة من الرضا لدى الأسر المستفيدة، إذ صرح 90 في المائة منهم برضاهم عن البرنامج، فيما أكد 87 في المائة تسجيل تراجع في مستوى القلق المالي المرتبط بتدبير النفقات اليومية.
واعتبر أن هذه النتائج تعكس نجاحًا حقيقيًا في توفير حماية اجتماعية فورية والتخفيف من الضغوط الاقتصادية التي تواجهها الأسر الهشة؛ خصوصًا في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد متطلبات الإنفاق الأسري.
إلا أن هذه المؤشرات، وفق تقديره، تظل مرتبطة أساسًا بالإدراك الذاتي للأسر المستفيدة أكثر من ارتباطها بتحولات هيكلية في مستوى الدخل أو بالخروج النهائي من دائرة الفقر.
ويستند في ذلك إلى طبيعة النفقات التي يغطيها الدعم، حيث يوجه 58.6 في المائة منه للتغذية، و13.3 في المائة للصحة، و13.2 في المائة للسكن، ما يعني أن الجزء الأكبر من هذه التحويلات يخصص لتغطية الاحتياجات الأساسية اليومية، دون أن يؤدي بالضرورة إلى إحداث تحول اقتصادي مستدام داخل الأسر المستفيدة.
رهان الإدماج
يؤكد الغنبوري أن المعطيات المتاحة تكشف وجود حوالي 2.3 مليون أسرة تعتبر قابلة للإدماج الاقتصادي، وهو معطى بالغ الأهمية لأنه يبرز الإمكانات الكامنة لتحويل جزء مهم من المستفيدين من منطق الاعتماد على الدعم إلى منطق المشاركة في الدورة الاقتصادية.
وأبرز أن نحو 40 في المائة من المستفيدين يعبرون عن رغبتهم في الاستفادة من مواكبة مرتبطة بالتشغيل أو بإطلاق مشاريع مدرة للدخل، وهو ما يعكس وجود استعداد اجتماعي للانتقال نحو مستويات أعلى من الاندماج الاقتصادي والاستقلال المالي.
ولفت رئيس مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي إلى أن جوهر المفارقة يكمن في تحقيق نجاح كبير على مستوى تعميم الدعم الاجتماعي وتوفير الحماية الفورية للأسر، مقابل استمرار تحدٍ بنيوي يتمثل في صعوبة تحويل هذا الدعم إلى رافعة إنتاجية حقيقية.
وشدد على أن الرهان الأساسي خلال المرحلة المقبلة لم يعد مرتبطًا فقط بتوسيع التغطية الاجتماعية، بل بإعادة هندسة البرنامج بشكل يجعله جسرًا نحو الإدماج الاقتصادي وخلق الدخل وفرص الشغل، بدل أن يظل شبكة دعم استهلاكي دائم تزداد كلفتها سنة بعد أخرى.



تعليقات الزوار ( 0 )