عاد ملف الصحراء المغربية إلى واجهة الاهتمام الدبلوماسي الدولي، على وقع تحركات أمريكية متسارعة تجاه الجزائر، أعادت طرح تساؤلات حول ما إذا كانت واشنطن بصدد الانتقال من دور الوسيط التقليدي إلى موقع الطرف الضاغط، في أفق الدفع نحو تسوية نهائية لهذا النزاع الإقليمي الممتد منذ عقود.
وفي هذا السياق، يرى الباحث والمحلل السياسي محمد شقير أن تحديد إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مهلة زمنية لا تتجاوز 60 يوما للطرفين من أجل التباحث حول حل الخلافات الثنائية، شكل “ضغطا قويا، خصوصا على النظام الجزائري”، الذي ما يزال، وفق تعبيره، يرفض عمليا مقتضيات قرار مجلس الأمن رقم 2767، دون إعلان ذلك بشكل صريح.
وأوضح شقير، في تصريح لجريدة “الشعاع الجديد”، أن هذا الموقف الجزائري ينبع من قناعة راسخة لدى صناع القرار في الجزائر مفادها أن الولايات المتحدة “اختارت المغرب حليفا استراتيجيا”، وأن اتفاقية أبراهام الثلاثية تقرأ في الجزائر باعتبارها “تحالفا موجها ضدها، وهو ما يفسر، بحسبه، تشددها في التعاطي مع المساعي الأمريكية الأخيرة.
ويعزز هذا التوجه، بحسب المتحدث ذاته، تكرار زيارات مسعد بولس، كبير مستشاري البيت الأبيض، إلى الجزائر، حيث تأتي زيارته الحالية لتكون الثانية في ظرف ستة أشهر فقط، وهو ما يعكس، وفق شقير، “تصاعد منسوب الضغط الأمريكي”، خاصة بعد رفع تقرير إلى الرئيس ترامب يشير إلى ما اعتبره “تقاعس السلطات الجزائرية عن البحث الجدي في حلول الخلافات المتراكمة مع المغرب”.
في المقابل، يشير شقير إلى أن الجانب المغربي أبدى، في أكثر من مناسبة، استعداده للدخول في أي تفاوض أو تشاور ثنائي، مذكرا بمبادرة “اليد الممدودة” التي سبق أن عبّر عنها العاهل المغربي، وهو ما يضع الجزائر، بحسب رأيه، أمام معادلة دبلوماسية أكثر تعقيدًا.
ويعتبر المحلل السياسي أن هامش المناورة الذي تعتمد عليه الجزائر، والقائم على ربح الوقت وتأجيل الحسم، يصطدم اليوم برغبة واضحة لدى إدارة ترامب في تسوية عدد من النزاعات الإقليمية، من بينها نزاع الصحراء المغربية، في إطار رؤية أمريكية أوسع لتحقيق الاستقرار وفق تصور يخدم المصالح الاستراتيجية لواشنطن.
وفي هذا الإطار، يلفت شقير إلى أن تشكيل الولايات المتحدة لما سمي بـ“مجلس السلام” لمعالجة أزمات الشرق الأوسط، إلى جانب التحركات الأممية الأخيرة، وعلى رأسها قرب انعقاد اجتماع مجلس الأمن، وجولات المبعوث الأممي إلى الصحراء، تشكل عناصر ضغط إضافية على الجزائر للانخراط “فعليا وليس شكليا” في العملية السياسية.
ويضيف أن المغرب، في المقابل، يوجد في مرحلة إعداد مقترحات عملية لتفصيل وتنزيل مبادرة الحكم الذاتي، التي كرّسها قرار مجلس الأمن الأخير كأرضية أساسية لأي حل سياسي متوافق عليه.
ويرجح شقير أن تكون إدارة ترامب عازمة على لعب دور “الوسيط الضاغط” بين المغرب والجزائر، مدفوعة بقناعة مفادها أن الجزائر غير مقتنعة أصلا بجدوى الانخراط في أي حل مع المغرب، خشية الدخول إلى طاولة المفاوضات من “موقع ضعف”، في ظل ما يصفه بـ“عزلة دبلوماسية متزايدة” وصورة سلبية لدى واشنطن، التي تنظر إلى النظام الجزائري باعتباره عاملا لعدم الاستقرار في المنطقة.
كما يرى أن أي تسوية محتملة للنزاع ستفقد الجزائر “ورقة سياسية” لطالما استخدمت، بحسب تعبيره، في تأطير العقيدة السياسية الداخلية، واستدامة منطق استعداء المغرب.
وأعلنت يوم أمس الاثنين السفارة الأمريكية في الجزائر عن زيارة جديدة يقوم بها مسعد بولس، حيث أكدت، في منشور مقتضب، تطلع واشنطن إلى “تعزيز الشراكة ومواصلة العمل المشترك من أجل السلام والازدهار في المنطقة”.
ومن المنتظر أن تشمل الزيارة ملفات التعاون الثنائي، إضافة إلى قضية الصحراء، التي سبق لبولس أن أدلى بشأنها بتصريحات لافتة، اعتبر فيها أن اعتراف واشنطن بسيادة المغرب على الصحراء “لم يكن إعلانا مقفلا”، بل ترك مجالا للحوار، مع التشديد على ضرورة إيجاد حل نهائي يراعي أوضاع اللاجئين الصحراويين.
وكانت تلك التصريحات قد سبقت صدور قرار مجلس الأمن الأخير، الذي لم تشارك الجزائر في التصويت عليه، ما يضيف، وفق متابعين، بعدا سياسيا إضافيا للتحركات الأمريكية الجارية.




تعليقات الزوار ( 0 )