أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في يناير 2026، من منصة المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس، عن إطلاق مبادرة دولية جديدة تحت اسم “مجلس السلام”، في خطوة تعكس تحوّلا لافتا في مقاربة واشنطن لإدارة النزاعات الدولية، ولا سيما في الشرق الأوسط. وقد قُدّمت هذه المبادرة بوصفها بديلًا أكثر مرونة ونجاعة من الأطر الدولية التقليدية، مع تركيز واضح في مرحلتها الأولى على غزة والقضية الفلسطينية، سواء من زاوية دعم جهود السلام أو إدارة ما بعد الصراعات وإعادة الإعمار.
يأتي هذا التوجه في سياق تراجع الثقة الأمريكية في فعالية المنظمات متعددة الأطراف، وعلى رأسها الأمم المتحدة، التي باتت – من وجهة نظر واشنطن – أسيرة التجاذبات السياسية وتوازنات الفيتو. ومن هنا، يبدو “مجلس السلام” محاولة لإرساء آلية دولية موازية تقوم على الانتقاء، وتجمع بين النفوذ السياسي والقدرة المالية والجاهزية الميدانية، بعيدًا عن البيروقراطية الأممية الثقيلة. وهو ما ينسجم مع الفلسفة السياسية لترامب، القائمة على براغماتية مباشرة ترى أن السلام لا يُصنع بالخطابات، بل بالأموال، والتحالفات، والضغط المباشر على الفاعلين الإقليميين، وهو ما يفسر ربط مهام المجلس، في بداياته، بإعادة إعمار غزة وضبط مرحلة ما بعد الحرب، بدل الخوض في الحلول النهائية للصراع الفلسطيني–الإسرائيلي.
ورغم الخطاب الرسمي الذي يؤكد دعم المجلس للسلام وتسوية النزاعات، فإن المقاربة المطروحة للقضية الفلسطينية توحي بتركيز أكبر على إدارة الصراع بدل معالجته من جذوره. فالأولوية تبدو منصبة على تثبيت الاستقرار ومنع الانفجار وإعادة الإعمار، دون الاقتراب المباشر من القضايا الجوهرية المرتبطة بالاحتلال والحدود والقدس وحق العودة. غير أن إشراك دول عربية وازنة في هذا الإطار يمنح المبادرة هامشًا سياسيًا أوسع، وقدرة محتملة – إذا ما أُحسن توظيفها – على إعادة الاعتبار للبعد العربي في أي تسوية مستقبلية، ولو بشكل تدريجي.
ويثير تشكيل مجلس السلام تساؤلات عديدة حول معايير اختيار الدول المشاركة، خاصة في العالم العربي. فالدول التي وُجهت إليها الدعوة، مثل المغرب ومصر والإمارات وقطر والسعودية والأردن، تشترك في محددات أساسية، أبرزها الانخراط المباشر في ملفات الوساطة أو الاستقرار الإقليمي، والارتباط بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة، إضافة إلى امتلاك قدرات مالية أو دبلوماسية أو أمنية قابلة للتوظيف.
ولا يمكن فصل هذا الانتقاء عن المناخ السياسي الذي أفرزته اتفاقيات أبراهام، والتي شكّلت أرضية جديدة للتعاون بين واشنطن وبعض الدول العربية وإسرائيل، حيث تُنظر إلى هذه الدول باعتبارها شركاء موثوقين في إدارة مرحلة ما بعد النزاعات. في المقابل، يعكس غياب دول أخرى، وفي مقدمتها الجزائر، اختيارات استراتيجية واضحة تقوم على استبعاد الأطراف غير المنخرطة في هذا التصور أو التي لا تمتلك وزنًا عمليًا في ملفات الإعمار والوساطة.
ومن المنتظر أن تُوزّع داخل المجلس أدوار محددة على الدول العربية المشاركة وفق نقاط قوة كل منها. فمصر مرشحة للاضطلاع بدور أمني وسياسي محوري بحكم الجوار الجغرافي لغزة والتحكم في معبر رفح، فيما تبرز قطر كفاعل أساسي في الوساطة السياسية والتمويل الإنساني، مستفيدة من علاقاتها مع الفصائل الفلسطينية. أما الإمارات، فيُنتظر أن تركز على التمويل وإعادة الإعمار وتقديم نموذج “السلام الاقتصادي”، بينما تضطلع السعودية بدور الغطاء السياسي والرمزي العربي والإسلامي وضبط التوازنات الإقليمية، في حين يظل للأردن دور حساس مرتبط بملف القدس والوصاية الهاشمية.
في هذا السياق، يبرز المغرب كحالة خاصة داخل مجلس السلام، ليس فقط بسبب مشاركته، بل لكونه أول دولة توقّع رسميا على الميثاق التأسيسي، بقيادة الملك محمد السادس، وهو ما يمنح المملكة صفة العضو المؤسس، بما يرافق ذلك من امتيازات سياسية وقدرة على التأثير في توجهات المجلس.
ويستند الدور المغربي إلى عناصر قوة متعددة، من بينها الشرعية الدينية المرتبطة برئاسة لجنة القدس، والرصيد الدبلوماسي المتراكم في مجال الوساطات الهادئة والمتوازنة، فضلا عن الموقع الجيوسياسي الذي يربط إفريقيا بالعالم العربي وأوروبا، والصورة الدولية للمغرب كفاعل عقلاني وغير صدامي. ومن هذا المنطلق، يمكن للمملكة أن تلعب دور الوسيط الأخلاقي والسياسي داخل المجلس، بما يضمن عدم اختزال القضية الفلسطينية في بعدها الإنساني أو الأمني فقط، والدفع نحو مقاربة تراعي الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
في المحصلة، يمثل مجلس السلام محاولة أمريكية لإعادة هندسة آليات إدارة النزاعات الدولية خارج الأطر التقليدية. وبينما يحمل المشروع فرصا حقيقية لتحقيق الاستقرار وإعادة الإعمار، فإنه لا يخلو من مخاطر تحويل السلام إلى عملية تقنية تُدار بالمال والتحالفات.
وهنا تبرز أهمية الدور المغربي، ليس فقط كعضو مؤسس، بل كفاعل قادر على الموازنة بين الواقعية السياسية ومتطلبات العدالة التاريخية، لأن نجاح المجلس أو فشله سيظل رهينًا بقدرته على الانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجة جذورها، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.






تعليقات الزوار ( 0 )