أثارت مقولة عبد الله العروي “المغرب جزيرة” نقاشا واسعا في منابر الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي في سياق الأحداث التي رافقت تنظيم المغرب لكأس أفريقيا 2025، وهكذا أصبح الكثير من الكتبة يدعون المغاربة إلى التفكير في واقعهم والاستثمار في مستقبلهم باعتبار المغرب جزيرة، وذلك في الركون إلى استعارة عبد الله العروي التي أُخرجت من سياقها التاريخي والفكري، وأُسقطت عليها قراءات راهنة تميل إلى الاختزال والانغلاق.
ونرى أن فهم فكر عبد الله العروي، وخاصة أطروحته التاريخانية، يفرض على المتتبع المتفحص تجاوز القراءة الحرفية للمقولة، والنظر إليها بوصفها تشخيصا لوضع تاريخي-سياسي محدد، بعيدا عن الدعوة إلى الانغلاق أو القطيعة مع العالم.
ينطلق عبد الله العروي، في مشروعه الفكري من التاريخانية باعتبارها وعيا بشروط التاريخ وحدوده، أي إدراك أن كل مجتمع يتحرك داخل سياق تاريخي خاص يفرض عليه أن يفكر في أدوات تقدمه انطلاقا من واقعه لا من أوهام مستوردة.
من هذا المنظور، يمكن فهم “الجزيرة” باعتبارها مجازا للضغط الجيوسياسي، والعزلة النسبية، والإكراهات الإقليمية، لا باعتبارها نموذجا للانكفاء أو الاكتفاء الذاتي المغلق.
بيد أن تنزيل هذا المجاز إلى برنامج سياسي قوامه الانغلاق، هو في الحقيقة نقيض لروح التاريخانية نفسها التي نافح عنها العروي ودافع وبقي وفيا لها بالرغم من الانتقادات التي وجهت له شرقا وغربا.
إن التاريخانية عند العروي لا تنفي التفاعل مع العالم، بل تشترط وعيا نقديا في التعاطي مع هذا التفاعل، تفاعل يوازن بين الاستقلال والاندماج، بين الخصوصية والانخراط في الكونية.
ولذلك، فإن الدفاع عن الانفتاح عبر الدبلوماسية الناعمة، وعن المشاريع الاقتصادية العابرة للحدود، ليس خروجا عن فكر العروي، بل امتداد عقلاني له، وربما تصحيح لمسار بعض تأويلاته، ولاسيما عندما ينزاح في فكره من العبارة المحكمة إلى الإشارة السانحة في بحر المجاز والاستعارة.
وهنا نشير إلى أن عبد الله العروي، المؤرخ والفيلسوف، كتب في التاريخ والمفاهيم، كما كتب كذلك في الأدب، وله في السرد روايات كما أن كتاباته في خواطر الصباح وعن جائحة كورونا و”كوفيد” تميل إلى المجاز والاستعارة، وما الأدب إلا استعارة موسعة كما يقول أستاذنا محمد العمري.
إن الدولة المغربية في مسيرتها التاريخية وتشكل هويتها المركبة لم تكن جزيرة بالمعنى الحضاري، بل على العكس من ذلك، فقد تشكلت هوية المغرب عبر الانفتاح والتبادل، من العمق الإفريقي حيث الامتدادات الروحية والتجارية، إلى الفضاء العربي الإسلامي الذي وفر اللغة والمرجعية، وصولا إلى الضفة الشمالية للمتوسط حيث التفاعل والصراع والتأثير المتبادل.
هذا الامتداد المتعدد هو ما يمكن تسميته بـ”المخيال الإمبراطوري” للدولة المغربية، ليس بمعناه التوسعي، بل بوصفه قدرة تاريخية على الربط والوساطة وبناء المجالات الحيوية.
هذا المخيال لا يمكن أن يتنفس في فضاء مغلق، بل تمتد رئته في إفريقيا حيث الاستثمار والتعاون جنوب/جنوب، والدبلوماسية الروحية والاقتصادية، وهو ممتد في العالم العربي الإسلامي حيث الذاكرة المشتركة والقضايا المصيرية ناهيك عن الشرعية الرمزية.
أضف إلى هذا أن المغرب مرتبط بأوروبا بحكم الجغرافيا والتاريخ والمصالح المتشابكة.
ولذلك نرى أن أي محاولة لقطع هذه الأنفاس المتعددة بدعوى التفكير كـ”جزيرة” إنما يعني خنق للهوية السردية التاريخية للدولة المغربية نفسها.
ومن هنا تبرز أهمية الدبلوماسية العاقلة والمشاريع الاقتصادية الكبرى بوصفها أدوات سيادية حديثة لا تخاصم الاستقلال، بل تعضده وتعزّزه وتشهد له. ذلك أن السيادة في عالم اليوم لا تبنى بالعزلة بل بالقدرة على التأثير، وبالقدرة على صناعة المصالح عبر الدبلوماسية العاقلة، وبالتموقع الذكي داخل الشبكات الدولية.
ولعل مراجعة العروي نفسه لعبارته، واستحضاره لسبينوزا في الدعوة إلى تحكيم العقل والسلم، تؤكد أن التفكير النقدي يظل مفتوحا على التصحيح.
وخلاصة القول يمكن أن نقول: إن المغرب لا يحتاج إلى أن يكون “جزيرة مطوقة”، بل في الحاجة إلى أن يكون جسرا واعيا بتاريخه، وواثقا في ذاته، ومنفتحا على العالم من موقع القوة لا التبعية.






تعليقات الزوار ( 0 )