لنكن صريحين منذ البداية، هل نحن أمام فشل الديمقراطية؟ أم أمام فشلنا نحن في تحمّلها؟ أم أنّ السؤال الأخطر لا يزال مؤجّلا عمدا: هل طُرحت الديمقراطية أصلا كخيار حقيقي في السياق العربي، أم كفكرة مُعلّقة فوق واقع لم يُهيّأ لها؟ ثم نذهب أبعد من ذلك: هل تريد الأنظمة العربية ديمقراطية فعلا؟ وهل تراها النخب مشروعا ممكنا، أم تهديدا يجب ضبطه؟ والأهم: هل المجتمع، كما هو، مستعدّ لدفع كلفة التحوّل الديمقراطي، بكل ما يعنيه من صدامات وإعادة توزيع للسلطة وكسرٍ للبُنى التقليدية التي استقرّت لعقود؟
المشكلة فيما يبدو أنّ هذا النوع من الأسئلة يتمّ التهرب منه باستمرار، لأنّه يكشف ما لا نريد الاعتراف به. وهو أنّ الحديث عن «فشل الانتقال الديمقراطي»، لا يصف حالة سياسية فقط، بل يُخفي شبكة أعمق من المصالح والخوف والتواطؤ الصامت الذي يعيد إنتاج الواقع نفسه بأشكال مختلفة. لم يعد فشل الانتقال الديمقراطي في العالم العربي حدثا استثنائيا، بل أصبح نمطا متكرّرا. من تونس إلى مصر، ومن ليبيا إلى اليمن، يتكرّر المشهد بصيغ مختلفة. لحظة انفجار، ثم فراغ سياسي، ثم إعادة إنتاج تدريجية، أو سريعة، لأنماط الحكم السابقة نفسها. وكأنّ التاريخ لا يتقدّم، بل يدور داخل دائرة مغلقة تُدار بسقف غير مرئي، لا يُسمح بتجاوزه أبدا.
لكن في تقديري، الإشكال لم يكن يوما في «الإسقاط»، بل في الوهم المؤسس له، والمتمثل في الاعتقاد بأنّ تغيير الحاكم يعني تلقائيا تغيير النظام. في الواقع، ما سقط في أغلب الحالات لم يكن سوى الواجهة السياسية، بينما بقيت البنية العميقة على حالها، أجهزة أمنية لم تُمس، إدارات بيروقراطية متجذرة، شبكات مصالح اقتصادية متداخلة، وتحالفات غير معلنة بين المال والسلطة، والجهات السيادية كافة. وهذه البنية ليست تفصيلا ثانويا، بل هي النظام الحقيقي نفسه. ومن هنا وُلدت المفارقة التي لم ولن تأتي بنتائج تُذكر، وهي محاولة بناء ديمقراطية فوق بنية لم تتغير.
في تونس، ورغم التجربة التي بدت أكثر تماسكا، مقارنة بسياقات عربية أخرى، ظلّ التوتر قائما بين منطق الدولة القديمة ومنطق المرحلة الجديدة. لم يكن الصراع مجرّد خلاف سياسي عابر، بل كان صراعا على تعريف الدولة نفسها: هل هي جهاز محايد يُدار بالقانون والمؤسسات، أم بنية متجذّرة في توازنات إدارية وأمنية ونقابية ومصالح ممتدة منذ عقود؟ بدا المشهد وكأنّ لحظة الانفتاح السياسي اصطدمت بجدار غير مرئي، جدار يتمثل في الإدارة العميقة للدولة، وفي شبكات النفوذ التي لا تتغير بسهولة. ومع تعاقب الحكومات، لم تنجح أي سلطة في فرض منطق جديد بالكامل، فبقيت القرارات الكبرى معلّقة بين إرادتين: إرادة سياسية منتخبة، تبحث عن التغيير، وبنية مؤسساتية تميل بطبيعتها إلى الاستمرارية لا التحوّل.
في مصر، كان المشهد أكثر حدّة وسرعة، لم يكن هناك تدرّج بقدر ما كان هناك تصادم مباشر بين مشروع سياسي جديد وبنية دولة عميقة لم تُبدِ استعدادا لإعادة توزيع السلطة. خلال فترة قصيرة، برزت هشاشة التوافق السياسي، وظهرت بوضوح حدود قدرة الفاعلين الجُدد على إدارة جهاز دولة ضخم ومتشابك، يمتد من الإدارة إلى الاقتصاد إلى الأمن. لم يكن الصراع مجرد تنافس انتخابي، بل كان صراعا على من يملك قرار الدولة ومن يحدد اتجاهها. ومع تسارع الأحداث، تحوّلت اللحظة الانتقالية إلى مواجهة مفتوحة كشفت أن الدولة ليست مجرد حكومة يمكن تغييرها، بل منظومة متكاملة من المصالح والمؤسسات تصعب إعادة تشكيلها دون صدام عميق. أما في ليبيا، فقد اتخذ الانهيار مسارا مختلفا وأكثر راديكالية. لم يكن هناك انتقال ديمقراطي بالمعنى المؤسّسي أصلا، بل كان هناك تفكّك تدريجي للدولة المركزية. ومع سقوط النظام، لم تظهر دولة بديلة قادرة على ملء الفراغ، بل برزت مراكز قوى متعددة: تشكيلات مسلّحة، سلطات محلية، وتوازنات قبلية ومناطقية أعادت تشكيل الخريطة السياسية على أسس ما دون الدولة. تحوّلت المؤسسات إلى هياكل متنافسة، وتحوّل السلاح إلى أداة إدارة يومية للصراع السياسي والاقتصادي، بينما ظل مشروع الدولة الوطنية معلقا بين محاولات متكرّرة لإعادة البناء وواقع يفرض الانقسام.
وفي اليمن، كانت الصورة أكثر تعقيدا وتشابكا، الدولة لم تنهَر فجأة، بل تآكلت تدريجيا تحت ضغط الانقسامات السياسية القديمة، وتداخل العوامل الإقليمية، وصعود الفاعلين المسلّحين. ومع دخول الحرب، لم يعد الحديث عن انتقال ديمقراطي ممكنا أصلا، بل عن إعادة تعريف الحد الأدنى من فكرة الدولة. تحوّلت البلاد إلى فضاء متعدد السلطات، حيث تتداخل الجغرافيا السياسية مع الولاءات المحلية والإقليمية، وتغيب فيه مرجعية مركزية قادرة على فرض قواعد اللعبة. وهكذا، أصبح الصراع ليس فقط على السلطة، بل على معنى الدولة نفسها. من يعرّفها؟ ومن يحتكر تمثيلها؟
هكذا، لا تبدو الفوارق بين هذه الحالات اختلافا في الدرجة، بقدر ما هي اختلاف في شكل الصدمة نفسها. في تونس صراع بين دولتين داخل الدولة، وفي مصر صدام مباشر مع بنية راسخة لا تتجزأ، وفي ليبيا انهيار فتح الباب لتعدد مراكز القوة خارج أي إطار جامع، وفي اليمن تفكك طويل حوّل فكرة الدولة إلى سؤال معلّق أكثر منها واقعا قائما. وفي المحصّلة، تكشف هذه التجارب أنّ ما يُسمّى بالانتقال الديمقراطي لم يكن مسارا واحدا، بل اختبارات متباينة لفكرة واحدة مفادها، ماذا يحدث عندما تُطرح الدولة نفسها موضع مساءلة دون امتلاك شروط إعادة بنائها؟ ومن هنا يتكشّف وهم آخر هو «المرحلة الانتقالية»، التي تُقدَّم في الخطاب السياسي العربي كجسر نحو الاستقرار، لكنّها تتحوّل في الواقع إلى حالة دائمة من اللااستقرار لأنّ شروط الخروج منها لا تُبنى فعليا، فتظل المؤسسات هشة والقواعد غير واضحة والصراع مفتوحا، وكأنّ الانتقال يصبح غاية في حد ذاته لا وسيلة.
في الأثناء، لا يمكن تجاهل العامل الإقليمي والدولي، فالديمقراطية في العالم العربي ليست ملفا داخليا صرفا، إذ توجد قوى ترى في التحوّل الديمقراطي تهديدا لمصالحها أو اختلالا في توازنات قائمة، فتسعى إلى التأثير في مساره أو احتوائه أو إعادة توجيه، لكن رغم ذلك تبقى الأزمة الأعمق داخلية وتتعلق بفكرة الدولة نفسها. ففي العديد من السياقات العربية لا تزال الدولة تُرى كغنيمة لا كمؤسسة، وكأداة للسيطرة لا كإطار جامع، لذلك تتحوّل الانتخابات إلى معركة امتلاك لا إلى آلية للتداول، وهو تصوّر لا تصنعه السلطة وحدها، بل يترسّخ أيضا في وعي المجتمع الذي يرى في الوصول إلى الحكم فرصة لتعويض الإقصاء لا مسؤولية لإدارة الشأن العام. وهنا تنهار الفكرة من الداخل، لأنّه ببساطة لا يمكن أن تنجح الديمقراطية في بيئة لا تعترف بالدولة كمرجعية عليا، ولا يمكن بناء دولة في ظل صراع يرى في السلطة نهاية لا وظيفة.
وهنا نعود إلى السؤال الذي نحاول الهروب منه: هل فشلت الديمقراطية فعلا؟ أم أنّنا فشلنا في فهمها وفي تهيئة شروطها وفي الالتزام بقواعدها؟. الإجابة، مهما كانت قاسية، يجب أن تُقال بوضوح. الديمقراطية لا تفشل وحدها، بل تُفشَل. تُفشلها أنظمة لا تريد أن تتغيّر، وتُفشلها نخب لا تعرف كيف تدير الاختلاف، وأحيانا، وهذا هو الجزء الأكثر إزعاجا، تُفشلها مجتمعات لم تحسم بعد علاقتها بالحرية نفسها.






تعليقات الزوار ( 0 )