في وقت يتواصل فيه الجدل حول ارتفاع الأسعار، ومستقبل مصفاة سامير، وفعالية السياسات الحكومية في مواجهة البطالة والاختلالات الاقتصادية، استضاف برنامج “حواركم” الذي يقدمه الزميل حمزة بصير عبر جريدة الشعاع الجديد، علي الغنبوري، رئيس مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، في حوار مطول تناول أبرز التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه المغرب، وقدم من خلاله قراءة نقدية لواقع الاقتصاد الوطني وآفاقه المستقبلية.

وفي مستهل الحوار، أكد الغنبوري أن موجة الغلاء التي يشهدها المغرب خلال السنوات الأخيرة لا يمكن تفسيرها فقط بارتفاع أسعار المحروقات، مشيرا إلى وجود عوامل موضوعية وأخرى بنيوية تقف وراء هذه الأزمة. وأوضح أن المغرب عاش خلال السنوات الأخيرة تأثيرات متراكمة لسنوات الجفاف المتتالية، إلى جانب تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية والتوترات الجيوسياسية الدولية التي انعكست بشكل مباشر على أسعار الطاقة والمواد الغذائية في الأسواق العالمية. وأضاف أن التبعية الطاقية للمغرب، التي تتجاوز 90 في المائة، تجعل الاقتصاد الوطني شديد التأثر بأي تقلبات تعرفها الأسواق الدولية.
غير أن رئيس مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي شدد على أن العوامل الخارجية لا تفسر وحدها استمرار ارتفاع الأسعار، معتبرا أن البنية الاقتصادية الوطنية تعاني من اختلالات عميقة مرتبطة بالفساد والريع والاحتكار. وقال إن العديد من مؤسسات الحكامة الوطنية سبق أن نبهت إلى خطورة هذه الظواهر، التي أصبحت تؤثر بشكل مباشر على المنافسة وعلى القدرة الشرائية للمواطنين. وأضاف أن الاقتصاد المغربي ما يزال يعاني من وجود قطاعات محمية بقوانين وإجراءات تحد من المنافسة وتمنح امتيازات لفئات محدودة، الأمر الذي ينعكس سلبا على دينامية السوق وعلى مستوى الأسعار.
وفي معرض حديثه عن قطاع المحروقات، اعتبر الغنبوري أن النقاش الدائر حول سامير وتسقيف الأسعار يجب ألا يحجب جوهر المشكلة المرتبطة بضعف المنافسة داخل القطاع. وأوضح أن عددا من الشروط القانونية والتنظيمية المفروضة على الاستثمار في مجال توزيع المحروقات تجعل دخول فاعلين جدد إلى السوق أمرا بالغ الصعوبة، وهو ما يؤدي إلى تكريس وضعية احتكارية تضر بالمستهلك وتحد من التنافسية. وأضاف أن الحل لا يكمن فقط في العودة إلى التأميم أو في تدخل الدولة المباشر في النشاط الاقتصادي، بل في فرض قواعد منافسة عادلة وتحرير الاقتصاد من الممارسات الريعية التي تعرقل تطوره.
كما انتقد الغنبوري استمرار ما وصفه بالبنيات الريعية داخل عدد من القطاعات الاقتصادية، معتبرا أن هذه البنيات تستهلك ثمار النمو دون أن تساهم في إنتاج الثروة أو خلق فرص الشغل. وأوضح أن جزءا من الإشكال الاقتصادي بالمغرب يكمن في وجود فاعلين يستفيدون من أوضاع احتكارية تضمن لهم الأرباح دون الحاجة إلى الاستثمار أو تطوير أنشطتهم أو خلق قيمة مضافة حقيقية. وأضاف أن هذه الوضعية تجعل الاقتصاد أقل قدرة على الابتكار والمنافسة وأكثر هشاشة أمام الأزمات الخارجية.

وبخصوص السياسات الحكومية المتعلقة بالتشغيل، وجه الغنبوري انتقادات واضحة لبرنامجي “أوراش” و”فرصة”، معتبرا أنهما لم يحققا النتائج المنتظرة في مجال محاربة البطالة. وقال إن هذه البرامج قدمت حلولا مؤقتة ومحدودة الأثر، دون أن تعالج الأسباب الهيكلية لأزمة التشغيل. وأشار إلى أن البطالة واصلت الارتفاع رغم الموارد المالية المهمة التي خصصت لهذه البرامج، وهو ما يؤكد، بحسبه، أن معالجة البطالة لا يمكن أن تتم عبر إجراءات ظرفية فقط، بل من خلال خلق دينامية اقتصادية قادرة على إنتاج فرص شغل مستدامة.
وأوضح المتحدث أن التشغيل يرتبط أساسا بالنمو الاقتصادي وبقدرة الاقتصاد على خلق الثروة والاستثمار المنتج، مشددا على أن المغرب يحتاج إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الصناعي والرفع من مساهمة الصناعة في الناتج الداخلي الخام، بدل الاعتماد المفرط على القطاعات التقليدية والخدمات. وأضاف أن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق دون بناء اقتصاد تنافسي قادر على استقطاب الاستثمارات وإنتاج فرص الشغل وتحسين مستوى عيش المواطنين.
وفي الشق السياسي من الحوار، علق الغنبوري على الجدل الدائر حول اسم فوزي لقجع وإمكانية لعبه دورا سياسيا أكبر خلال المرحلة المقبلة، معتبرا أن اختزال رهانات التنمية والإصلاح في شخص واحد يبقى مقاربة غير سليمة. وقال إن نجاح أي مسؤول، مهما كانت كفاءته، لا يمكن أن يعوض الحاجة إلى إصلاحات مؤسساتية عميقة وإلى إرادة سياسية جماعية قادرة على مواجهة الاختلالات البنيوية التي يعرفها الاقتصاد الوطني. وأضاف أن التجارب الناجحة لا تصنعها الأفراد وحدهم، بل تصنعها المؤسسات والرؤى الاستراتيجية والاختيارات السياسية الواضحة.

وعن الحكومة المقبلة، شدد الغنبوري على أن الرهان الحقيقي لا يتعلق بما يسمى “حكومة المونديال”، بل بقدرة الحكومة القادمة على إعادة النموذج التنموي الجديد إلى مساره الصحيح. وأوضح أن تنظيم كأس العالم 2030 ينبغي النظر إليه كوسيلة لتسريع التنمية وإنجاز المشاريع الكبرى، وليس كغاية في حد ذاته. وأضاف أن النجاح الحقيقي سيكون في تحويل الاستثمارات والبنيات التحتية والأوراش المرتبطة بالمونديال إلى مكاسب دائمة يستفيد منها المواطن المغربي على المدى الطويل.

وأكد رئيس مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي في حديثه على أن المغرب يتوفر على مؤهلات مهمة وفرص واعدة، غير أن تحقيق الإقلاع الاقتصادي والاجتماعي المنشود يقتضي محاربة الريع والاحتكار، وتعزيز المنافسة، وتحسين الحكامة، وربط ثمار النمو بالتنمية الاجتماعية، حتى يشعر المواطنون بشكل ملموس بانعكاس السياسات العمومية على حياتهم اليومية.
لمتابعة المقابلة كاملة يرجى الضغط على الفيديو



تعليقات الزوار ( 0 )