حل رئيس الحكومة الفرنسية لوكورنو بالعاصمة الرباط على رأس وفد حكومي ضخم يضم نحو 12 وزيراً، من بينهم وزراء قطاعات سيادية بالغة الأهمية كوزير الخارجية جان نويل بارو ووزير الداخلية لوران نونيز.حيث أتت هذه الزيارة في سياق سياسي ثنائي يشكل امتدادا لزيارة الرئيس الفرنسي للمملكة في أكتوبر 2024 مما يعكس عدة دلالات سياسية و يختزن مجموعة من الرهانات الكبرى بين البلدين.
1-السياق السياسي للزيارة الرسمية لرئيس الحكومة الفرنسي
تزامنت هذه الزيارة الرسمية التي يقوم رئيس الحكومة الفرنسي إلى المملكة مع أجواء حماسية استثنائية طبعت الشارع في كلا البلدين، وذلك قبيل مواجهة كروية مرتقبة وتاريخية جمعت بين المنتخب المغربي والمنتخب الفرنسي في نهائيات كأس العالم 2026، والتي انتهت بخسارة المنتخب المغربي بهدفين لصفر. غير أن هذه الهزيمة الكروية لم تؤثر على الشارع المغربي خاصة لدى الجالية المغربية بفرنسا.إذ لم تؤثر هذه الهزيمة بأي شكل من الأشكال على الأجواء الإيجابية للزيارة الرسمية التي يقوم بها رئيس الحكومة الفرنسي سيباستيان لوكورنو إلى الرباط. بل على العكس من ذلك، وظّف البلدان السياق الرياضي والسياسي لخدمة المصالح المشتركة وتجاوز إرث الماضي عبر الأبعاد الجيوسياسية .فقد تحولت المباراة من كونها ساحة “شحن أو توتر” عسكري وسياسي كما كان يحدث تاريخياً ، ومنحت البلدين مساحة لتبادل التهاني والتنويه الفني دون أي انكسار أو إحباط قومي قد يلقي بظلاله على الملفات السياسية الكبرى المعروضة على طاولة المباحثات. فقد بقيت أجواء الزيارة محكومة بالأهمية التاريخية الكبرى المتمثلة في تثبيت وتفعيل اعتراف فرنسا بمغربية الصحراء وتطوير الترسانة العسكرية والدفاعية للمملكة، وهي ملفات مصيرية بالنسبة للرباط تتجاوز قيمتها أي نتيجة عابرة في مباراة كرة دولية. وبالتالي تأتي هذه الزيارة في توقيت مدروس للغاية، حيث تلت مباشرة برقية التهنئة الملكية التي وجّهها العاهل المغربي الملك محمد السادس إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بمناسبة العيد الوطني لفرنسا (14 يوليو 2026). حيث يحمل هذا التتابع الزمني السريع بين التهنئة الملكية والزيارة الحكومية دلالات دبلوماسية قوية تعكس ديناميكية “العصر الجديد” بين الرباط وباريس. حيث جاءت برقية الملك محمد السادس في 14 يوليوز لتؤكد أن العلاقات بين البلدين وصلت إلى أعلى مستويات التنسيق والود السياسي، مما منح الضوء الأخضر لوفد رئيس الحكومة الفرنسي لبدء المباحثات الرسمية في الرباط بأجواء مطبوعة بالثقة المطلقة والمتبادلة. فقد ركزت البرقية الملكية على عمق الروابط التاريخية والشراكة الاستثنائية، تمثل البرقية الملكية تجسيداً لدبلوماسية القمة (بين قائدي الدولتين)، بينما تمثل زيارة رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو ولقاؤه بعزيز أخنوش الانتقال الفوري إلى “العمل التنفيذي” لتنزيل هذه الرؤية عبر اتفاقيات ملموسة ومشاريع مهيكلة. ومن ثمة إغلاق قوس الخلافات الفرنسية المغربي بصفة نهائية .فبعد سنوات من “دبلوماسية الصمت” والجفاء، جاء التزامن بين العيد الوطني الفرنسي، والتهنئة الملكية، والزيارة الحكومية الأولى، ليعلن رسميا وبشكل قاطع أن محور الرباط-باريس قد استعاد عافيته الاستراتيجية الكاملة، وأن البلدين يتقدمان بخطى ثابتة نحو توقيع “معاهدة الصداقة الكبرى” خلال زيارة الدولة المرتقبة للملك محمد السادس إلى فرنسا.
2-مراسيم الاستقبال العسكري لرئيس الحكومة الفرنسي
شكلت المملكة المغربية أول زيارة رسمية خارجية لرئيس الحكومة الفرنسية الحالي سيباستيان لوكورنو.وقد جرت هذه الزيارة في يوليو 2026، وحملت في طياتها أبعاداً سياسية ودبلوماسية استثنائية:فقبل وصوله مباشرة إلى الرباط، مرّ رئيس الوزراء الفرنسي بمحطة قصيرة وخاطفة في دولة قطر لتقديم واجب العزاء في وفاة الأمير الأسبق الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، لينطلق منها مباشرة صوب المغرب في أول رحلة عمل ومباحثات رسمية ثنائية له خارج الحدود. حيث رافقه وفد وزاري رفيع غير مسبوق. وقد حمل الاستقبال العسكري الرسمي للوزير الأول الفرنسي، سيباستيان لوكورنو، في مطار الرباط-سلا من طرف رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش، دلالات سياسية وجيوسياسية بالغة الأهمية في سياق العلاقات بين البلدين تتمثل في المناحي التالية:
– تكريس الاعتراف بمغربية الصحراء وترجمته عملياً حيث يمثل هذا الاستقبال محطة رئيسية لتنزيل الموقف الفرنسي التاريخي الذي أعلنه الرئيس إيمانويل ماكرون بالاعتراف بـ سيادة المغرب على صحرائه. فالاستقبال العسكري، عبر استعراض تشكيلة من القاعدة الجوية الأولى للقوات الملكية الجوية، يحمل إشارة رمزية قوية إلى أن فرنسا تنظر إلى المغرب كشريك سيادي كامل فوق كافة أراضيه، مع نقاش ملفات دفاعية وأمنية ترتبط مباشرة بالمنطقة.
-تدشين مرحلة “الشراكة الاستراتيجية الاستثنائية حيث “تأتي هذه اللمسة العسكرية والبروتوكولية الرفيعة لتعلن رسمياً نهاية مرحلة الجفاء الدبلوماسي السابقة (2021-2023) والدخول في مرحلة “جني الثمار”. حيث يعكس هذا الاحتفاء الرغبة المشتركة في إعطاء زخم بنيوي للدورة الـ15 لـ الاجتماع رفيع المستوى المغربي-الفرنسي بعد توقف دام منذ سنة 2019.
– إعطاء الأولوية للتعاون الدفاعي والأمني بين البلدين ، فبصفتها أول زيارة خارجية للوزير الأول الفرنسي، يشير الاستقبال العسكري إلى أن ملفات الدفاع، التصنيع العسكري، والتعاون الأمن الإقليمي (خاصة في منطقة الساحل وإفريقيا) تتصدر جدول أعمال الشراكة الجديدة. حيث تسعى باريس عبر هذه الرمزية إلى تقديم نفسها كحليف عسكري موثوق للمملكة في مواجهة التحديات الأمنية المشتركة في حوض المتوسط.
– التمهيد لزيارة ملكية مرتقبة حيث يرى الدبلوماسيون أن الحفاوة والبروتوكول الصارم المعتمد في مطار العاصمة الرباط يهدفان إلى تهيئة أرضية سياسية متينة وبناء ثقة متبادلة قد تمهد الطريق لـ زيارة رسمية مرتقبة للعاهل المغربي الملك محمد السادس إلى باريس.
وبالتالي ، فهذا الاستقبال العسكري بمطار الرباط سلا لرئيس الحكومة الفرنسي في أول زيارة له للمملكة هو إعلان “بالحديد والنار البروتوكولي” عن ولادة تحالف استراتيجي جديد يتجاوز الدبلوماسية التقليدية إلى التنسيق الأمني والسيادي الشامل.
3-الرهان السياسي لزيارة رئيس الحكومة الفرنسي للمغرب
تعتبر زيارة رئيس الحكومة الفرنسي سيباستيان لوكورنو الحالية إلى المغرب امتداداً مباشراً لزيارة الدولة التي قام بها الرئيس إيمانويل ماكرون في أكتوبر 2024، ومحطة إعدادية محورية للزيارة الرسمية المرتقبة للعاهل المغربي الملك محمد السادس إلى فرنسا. فقد وصفت المحادثات الحالية بأنها الترجمة الحكومية والعملية الأولى لإعلان “الشراكة الاستثنائية الوطيدة” التي وقعها الملك محمد السادس والرئيس ماكرون عام 2024.كما جاءت هذه الزيارة لتؤكد ثبات الموقف الفرنسي التاريخي الداعم لسيادة المغرب على صحرائه وتحويله إلى خطط استثمارية وتنموية على أرض الواقع. كما تدخل هذه الزيارة ضمن ترتيبات ر التحضير لزيارة الملك محمد السادس إلى باريس . حيث تعمل اللجان الحكومية المجتمعة حالياً بالرباط على صياغة وبناء الأسس القانونية والسياسية لاتفاقية تاريخية جديدة تتجاوز إرث اتفاقية “لاسيل سان كلو” لعام 1955.إذ من المنتظر أن يفضي هذا الإعداد الدقيق للوفدين إلى إبرام “معاهدة صداقة استثنائية وشاملة” يوقعها قائدا البلدين خلال زيارة الدولة المرتقبة للملك محمد السادس إلى فرنسا قبل نهاية العام الحالي.
كما تأتي هذه الخطوة في إطار تفعيل “آلية تدوير اللقاءات رفيعة المستوى” المبرمة بين الحكومتين. فبعد الزيارات واللقاءات التنسيقية المتبادلة بين كبار مسؤولي الدولتين، جاء دور فرنسا لإرسال وفدها الوزاري الأكبر (12 وزيراً) إلى الرباط لإتمام صياغة حزمة الاتفاقيات الضخمة في قطاعات النقل، والدفاع، والمياه، والطاقة المتجددة. وبالتالي فاللقاء بين أخنوش ولوكورنو يمثل حلقة الوصل التنفيذية التي نقلت العلاقات المغربية الفرنسية من مرحلة المصالحة السياسية والخطابات الدبلوماسية العليا إلى مرحلة “الالتزامات الملموسة والمشاريع المهيكلة”.
كما أن حجم الوفد الوازن المرافق لرئيس الحكومة الفرنسي سيباستيان لوكورنو، والذي يضم 12 وزيراً من كبار مسؤولي القطاعات السيادية والتقنية، يحمل دلالة سياسية وجيوسياسية قاطعة على انتقال باريس من مرحلة “الخطابات الدبلوماسية” إلى “التنفيذ الفوري والشامل لالتزاماتها الاستراتيجية” مع المملكة. حيث تتلخص أبرز هذه الدلالات في النقاط التالية:
أولا- إحياء “اللجنة العليا المشتركة” بأعلى ثقل حكومي ، فمرافقة هذا العدد الضخم من الوزراء لرئيس الحكومة يعود بالأساس إلى انعقاد الدورة الـ15 للاجتماع رفيع المستوى المغربي-الفرنسي، وهي الآلية التنفيذية الأقوى بين الحكومتين والتي كانت معطلة منذ عام 2019. فحضور 12 وزيراً يضمن تغطية شاملة لكافة المجالات، حيث عقد كل وزير فرنسي لقاءً ثنائياً مغلقاً مع نظيره المغربي لتوقيع وتنزيل الاتفاقيات دون أي تأخير مكاتبي.
ثانيا- الشمولية وتنوع مجالات “معاهدة القرن” .فالحجم الكبير يعكس رغبة باريس في ألا تقتصر الشراكة على الجانب السياسي فقط، بل تمتد لتشمل حزمة مشاريع مهيكلة وضخمة تم توقيعها سواء في قطاع الأمن والدفاع: بقيادة وزير الداخلية لوران نونيز لتطوير شراكات تسليح وتنسيق أمني إقليمي، خاصة في منطقة الساحل. والدبلوماسية: بقيادة وزير الخارجية جان نويل بارو لتنسيق المواقف بعد الاعتراف الفرنسي بمغربية الصحراء. والبنية التحتية والاقتصاد التي تشمل قطاعات النقل السككي (مشروع RER الرباط)، والطيران المدني، و تحلية المياه، ومشاريع الربط الكهربائي.
ثالثا- إعطاء المغرب “الأولوية المطلقة” في المنطقة .فإرسال نصف الطاقم الحكومي الفرنسي تقريباً في أول زيارة خارجية لرئيس الوزراء يبعث رسالة واضحة إلى شركاء فرنسا الإقليميين والدوليين بأن الرباط باتت الشريك الاستراتيجي الأول والمركز المحوري لباريس في شمال إفريقيا والمتوسط، متجاوزةً فكرة “الحفاظ على التوازنات التقليدية السابقة” في المنطقة خاصة بعد التوتر السياسي القائم بين فرنسا والجزائر .
رابعا – الإعداد الجدي للقمة الملكية المرتبة حيث يعكس حجم الوفد الفرنسي رغبة الإدارة الفرنسية في إنهاء كافة التفاصيل القانونية والمالية للمشاريع المشتركة مسبقاً، وذلك لتمهيد الطريق وصياغة “معاهدة الصداقة الكبرى غير المسبوقة” التي سيوقعها، الملك محمد السادس والرئيس إيمانويل ماكرون، خلال زيارة الدولة الملكية المرتقبة إلى باريس.
وعموما ، تشكل زيارة رئيس الحكومة الفرنسي، سيباستيان لوكورنو، إلى المملكة المغربية منعطفاً تاريخياً حاسماً، حيث تُوجت بإعلان “ولادة العصر الاستراتيجي الجديد” والمأسسة الفعلية لـ “معاهدة الصداقة الكبرى” التي طوت صفحات الجفاء الدبلوماسي بين البلدين بصفة نهائية كما.تتلخص القيمة الجيوسياسية والبنيوية لهذه الزيارة في الانتقال من “الاعتراف السياسي” إلى “التنزيل الميداني”لم تعد العلاقات محكومة بالخطابات؛ بل، حيث شكلت هذه الزيارة التنزيل العملي الأول للموقف الفرنسي التاريخي الداعم لسيادة المغرب على صحرائه والذي تجسد في الاتفاق على توجيه الاستثمارات ومشاريع البنية التحتية الفرنسية نحو الأقاليم الجنوبية للمملكة، وفتح قنصلية فرنسية هناك لترسيخ هذا الاعتراف قانونياً ودبلوماسياً .كما أعادت هذه الزيارة الروح إلى الاجتماع رفيع المستوى المغربي-الفرنسي (الدورة 15) بعد توقف دام منذ سنة 2019، مما يعيد ضبط عقارب الساعة الحكومية والتنفيذية بين العاصمتين، حيث تم الاتفاق على صياغة اتفاقية تاريخية شاملة تتجاوز إطار عام 1955، ليتم توقيعها كـ “معاهدة صداقة كبرى غير مسبوقة” خلال زيارة الدولة المرتبة للعاهل المغربي الملك محمد السادس إلى باريس كما عكست هذه الزيارة تحول المغرب إلى الشريك الأمني والدفاعي الأول لفرنسا في شمال إفريقيا والمتوسط بعدما تم الاتفاق على شراكات تسليح متطورة، وتنسيق استخباراتي وثيق لمكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود، وإيجاد مقاربات مشتركة للاستقرار في منطقة الساحل الإفريقي .أما على الصعيد الاقتصادي ، فقد شملت الزيارة توقيع حزمة اتفاقيات ضخمة وملموسة تقودها الشركات الفرنسية والمغربية في قطاعات مستقبلية استراتيجية منها تمويل وتجهيز شبكة القطار الجهوي السريع RER) )بمدينة الرباط وسلا تمهيداً لمونديال 2030 . بالإضافة إلى مشاريع عملاقة لـ تحلية مياه البحر ومكافحة الجفاف ، واستثمارات ضخمة في مجال الهيدروجين الأخضر والطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي.
فإجمالا ، تشكل هذه الزيارة “حجر الزاوية التنفيذي” الذي نقل المحور الرباط-باريس من مرحلة إدارة الأزمات العابرة إلى مرحلة الاندماج الجيوسياسي والاقتصادي الشامل لعقود قادمة.




تعليقات الزوار ( 0 )