على بُعد شهر ونصف من حلول عيد الأضحى، تتصاعد مخاوف المستهلكين من تكرار سيناريو ارتفاع الأسعار، خاصة في ظل الزيادات التي شهدتها بعض المواد الغذائية خلال الأشهر الماضية، وهذا القلق يتغذى من مشاهد يومية داخل الأسواق، حيث تبدو أثمان اللحوم، خصوصا لحم الغنم والماعز، خارج القدرة الشرائية لعدد واسع من الأسر، ما يطرح تساؤلات ملحة حول مآل أسعار الأضاحي هذه السنة.
وفي المقابل، تشير معطيات مرتبطة بالقطيع الوطني إلى مؤشرات مغايرة توحي بوفرة في العرض، ما يفتح النقاش حول حقيقة الوضع؛ وعن إن كان يتعلق الأمر بندرة فعلية في الأضاحي، أم أن السوق يعيش على وقع اختلالات ناتجة عن المضاربة وسوء تنظيم قنوات التوزيع، وبين هذه المعطيات المتباينة، يظل الحسم رهينا بفهم دقيق للأرقام وسلوك الفاعلين في السوق.
❖ وفرة القطيع
يبرز عبد الحق البوتشيشي، المستشار الفلاحي والخبير في مجال الإنتاج الحيواني، أن نتائج الإحصاء الوطني للقطيع، الذي أنجزته وزارة الفلاحة ووزارة الداخلية بين يونيو وغشت 2025، تؤكد توفر أعداد مهمة من الأغنام والماعز، حيث بلغ عدد رؤوس الأغنام 23.158.248 رأسا، منها 16.348.449 أنثى (بين نعاج وخروفات)، و6.809.799 ذكور (خرفان وأكباش).
وأردف البوتشيشي في تصريح لجريدة “الشعاع”، أن الماعز بلغ عدده 7.474.172 رأسا، منها 5.293.805 إناث (معزات وجديات)، و2.180.367 ذكور (عتارس وجديان)، لافتا إلى أنه عند جمع الإناث من الصنفين، يصل العدد إلى 21.642.254 رأسا، وهو رقم أساسي بالنظر إلى دور هذه الفئة في تجديد القطيع.
وأشار إلى أن الاعتماد على الإناث في الحساب يعود إلى كون جزءًا منها سيوجه للذبح، بينما ستساهم نسبة مهمة منها في الولادات، ما يرفع العرض في السوق.
واستطرد أن مجموع الذكور من الأغنام والماعز يبلغ 8.990.166 رأسا، وإذا افترضنا ذبح حوالي 5 ملايين رأس، فسيبقى ما يقارب 4 ملايين رأس قابلة للتسويق.
❖ حساب العرض
يوضح البوتشيشي أنه إذا افترضنا أن الإناث (21.6 مليون رأس) ستلد حوالي 18 مليون رأس، فإن الناتج سيكون موزعا بين 9 ملايين ذكر و9 ملايين أنثى، مبرزا أنه بالنظر إلى أن الطلب في عيد الأضحى يقدر بحوالي 6 ملايين رأس فقط، فإن العرض يفوق الطلب بكثير.
وأضاف أنه عند جمع 9 ملايين من مواليد هذه السنة (الذكور) مع حوالي 4 ملايين رأس متبقية من السنة الماضية، فإن العرض الإجمالي يصل إلى 13 مليون رأس، دون احتساب الأغنام المستوردة من إسبانيا، أو لجوء بعض الأسر إلى الأضحية بالخروفة.
وهذه المعطيات حسب المستشار الفلاحي والخبير في مجال الإنتاج الحيواني، تؤكد أن “الحولي موجود والخير موجود”، وأن السوق لا يعاني من نقص في العرض، بل من اختلالات في التدبير والتوزيع.
❖ فوضى الأسعار
يرى البوتشيشي أن الارتفاع الحالي في أسعار اللحوم، خاصة لحم الغنم والماعز، لا يعكس حقيقة السوق، بل يرتبط أساسا بسلوكيات المضاربة، مؤكدا أن “الفراقشية” يشترون المواشي من الكسابة بأسعار منخفضة، ثم يعيدون بيعها بأثمنة مضاعفة.
وحذر من أن تسرع المستهلك في الشراء من هذه الفئة يساهم في رفع الأسعار، داعيا إلى عدم إعطاء الفرصة للمضاربين، والتوجه نحو الأسواق الأسبوعية القروية لاقتناء الأضاحي مباشرة من المنتجين.
وشدد على أن ما وقع من تراجع كبير في أسعار زيت الزيتون هذا العام مرشح للتكرار في سوق الأضاحي، إذا لم تستمر نفس السلوكيات، معتبرا أن التحكم في الطلب هو السبيل الوحيد لضبط الأسعار.
❖ مرحلة التسمين
يشير البوتشيشي إلى أن القطيع يوجد حاليا في مرحلة التسمين، وهي فترة حاسمة تسبق عيد الأضحى بحوالي شهر ونصف، مؤكدا أن الموسم الفلاحي الجيد والتساقطات المطرية ساهما في توفير أعلاف طبيعية مهمة.
وأردف أن الربيع نضج في الحقول، وأصبح بالإمكان حصده وتحويله إلى علف مثل “الفوراج”، ليستخدم في تغذية القطيع، ما يخفف من تكاليف الإنتاج ويحسن جودة الأضاحي.
وهذا العامل حسب المستشار الفلاحي والخبير في مجال الإنتاج الحيواني، يعزز من فرص استقرار الأسعار، إذا ما تم تفادي المضاربة، وترك السوق يخضع لمنطق العرض والطلب الحقيقي.
❖ دعوة للمستهلك
يوجه البوتشيشي دعوة صريحة للمواطنين بضرورة مواجهة المضاربين، من خلال عدم الشراء منهم أو التوجه إلى الضيعات التي يستغلونها لترويج المواشي، مؤكدا أن مقاطعة هذه الفئة ستدفعها إلى التراجع عن اقتناء المزيد من الأغنام.
وأوضح أن هؤلاء الوسطاء غالبا ما يعتمدون على تقديم تسبيقات (عربون) للكسابة، ثم يعيدون بيع القطيع بأثمنة مرتفعة دون أن يكون لهم دور في تربيته، ما يجعلهم يحققون أرباحا كبيرة على حساب المستهلك.
وشدد على أن عزوف المستهلك عن هذه القنوات سيكبدهم خسائر، ويجبرهم على بيع المواشي بأسعار منخفضة لتفادي الخسارة، وعدم الإقدام على شراء أغنام أخرى واحتكار السوق؛ خاصة مع اقتراب العيد.
❖ تدخل الدولة
فيما يتعلق بدور الدولة، يقر البوتشيشي بأنها قامت بعدة إجراءات مهمة، من بينها دعم استيراد الأغنام، والإعفاء من الرسوم الجمركية، وتقديم دعم بقيمة 500 درهم لكل رأس مستوردة، إضافة إلى منع ذبح الإناث.
وأشار إلى إطلاق العملية الثانية من إحصاء القطيع، تمهيدا لمنح دعم مباشر للكسابة في إطار برنامج خاص بإناث المواشي، بهدف الحفاظ على القطيع الوطني.
وأكد المستشار الفلاحي والخبير في مجال الإنتاج الحيواني، على أن هذه الإجراءات لم يكن لها أثر ملموس على أرض الواقع، بسبب غياب المراقبة، ما سمح للمضاربين بتحقيق أرباح كبيرة.
❖ إصلاحات مطلوبة
يدعو البوتشيشي إلى ضرورة تدخل الدولة بشكل أكثر صرامة، من خلال فرض تسقيف للأسعار، خاصة في ظل الدعم المقدم للقطاع، لحماية القدرة الشرائية للمواطنين.
وأكد المستشار الفلاحي والخبير في مجال الإنتاج الحيواني، على ضرورة إلغاء نظام البيع بالمعاينة، الذي يترك المستهلك عرضة للتلاعب، وتعويضه بنظام البيع بالكيلوغرام، لضمان الشفافية.
وشدد على أن تنظيم السوق ومراقبته، إلى جانب توعية المستهلك، كفيل بإعادة التوازن، مشيرا إلى أن الوفرة موجودة، وأن التحكم في السوق يظل بيد المستهلك، الذي عليه أن يتحلى بالصبر وحسن الاختيار.



تعليقات الزوار ( 0 )