أثارت بعض الأنباء والتقارير حول إطلاق اسم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على أحد الشوارع الرئيسية في العاصمة المغربية الرباط جدلاً واسعاً ونقاشاً محتدماً بين الأوساط السياسية والشعبية وعلى منصات التواصل الاجتماعي. فقد انطلق هذا السجال عقب تداول تقارير إعلامية (مثل منصة مغرب إنتلجنس) تفيد بعزم السلطات المحلية تغيير اسم “شارع النخيل” الشهير في حي الرياض الراقي ليصبح “شارع دونالد ترامب”.
ورغم تضارب الأنباء وتوضيح مصادر من داخل مجلس جماعة الرباط لصحف بأن المقترح لم يتم البت فيه رسمياً عبر المساطر القانونية الإدارية، إلا أن النقاش انقسم بوضوح بين اتجاهين: حيث يرى المؤيدون أن الخطوة تعد التفاتة رمزية مستحقة “لصديق كبير للمغرب”. ويأتي ذلك اعترافاً بقراره التاريخي في ديسمبر 2020 القاضي بالاعتراف الأمريكي الرسمي بالسيادة المغربية على الصحراء، ودور إدارته في استصدار قرارات داعمة داخل مجلس الأمن الدولي (مثل القرار 2797). كما يعتبر هذا التيار أن إطلاق اسم ترامب لا يختلف عن تسمية شوارع مغربية أخرى سابقة بأسماء رؤساء أمريكيين مثل “فرانكلين روزفلت” أو “جون كينيدي”، فهي تندرج ضمن تعزيز العلاقات الاستراتيجية بين الرباط وواشنطن.
أما المعارضون للمبادرة فهم يركزون على ضرورة إعطاء الأولوية للرموز الوطنية حيث تطالب فئات واسعة بأن تظل أسماء الشوارع الكبرى مخصصة لتكريم شهداء المقاومة المغربية، والعلماء، ورموز الثقافة والتاريخ الوطني بدلاً من الشخصيات السياسية المعاصرة أو الأجنبية. مبدية تحفظها على السياسات الخارجية لترامب ورفضها القاطع للاسم بالنظر إلى مواقف دونالد ترامب السياسية المثيرة للجدل في الشرق الأوسط، ولاسيما انحيازه لإسرائيل والقرارات المرتبطة بالقضية الفلسطينية، معتبرين التكريم خطوة لا تتماشى مع الموقف الشعبي التاريخي الداعم لفلسطين. وبالتالي ،فقد عكست هذه الحالة السجالية الطريقة الحساسة التي يتفاعل بها الرأي العام المغربي مع الفضاء العمومي، مبرزة التوازن الدقيق بين تقدير المكاسب الدبلوماسية المرتبطة بقضية الوحدة الترابية للمملكة، وبين الحفاظ على الرموز الوطنية والقيم القومية .
1-مغربة أسماء الشوارع وتكريس الهوية الوطنية
شهدت فترة الحماية الفرنسية التي كانت تعكس الهيمنة الاستعمارية الفرنسية والتحالفات الدولية المصاحبة لها إطلاق أولى أسماء القادة الأجانب، من جنرالات ورؤساء فرنسيين. وهكذا أطلقت سلطات الحماية أسماء قادة فرنسيين على شوارع كبرى في بعض المدن : مثل شارع”الجنرال ليوطي”، وشارع”الجنرال موانيي”، والرئيس الفرنسي “ريمون بوانكاريه”. كما حملت العديد من الشوارع والساحات الكبرى في الدار البيضاء أسماء قادة عسكريين وجنرالات ورؤساء فرنسيين وأجانب خلال فترة الحماية. وهكذا ، فبعد حصول المغرب على استقلاله عام 1956، انطلقت حملة واسعة لـ “مغربة الفضاء العمومي” حيث تم استبدال أسماء المقيمين العامين الفرنسيين بأسماء ملوك المغرب (مثل محمد الخامس والحسن الثاني) وشهداء الحركة الوطنية .فرغم أن معظمها جرى تغييره بعد الاستقلال لتكريم المقاومين والملوك، إلا أن بعضها لا يزال متداولاً شعبياً أو حافظ على تسميته. حيث أن من أبرز هذه الشوارع والساحات قبل وبعد التغيير: شارع الجنرال ديماد Avenue Général d’Amade) سُمي تخليدا لاسم القائد العسكري الذي قاد الحملات الأولى في الشاوية عام 1907، وتحول بعد الاستقلال إلى شارع الحسن الثاني. وساحة مارشال ليوطي (Place Lyautey): ) التي كانت تطلق على الساحة الإدارية الكبرى التي تضم القنصلية الفرنسية والمحكمة، وتغيرت لتصبح ساحة محمد الخامس. وشارع المارشال جوفر (Boulevard Maréchal Joffre )القائد العسكري الفرنسي البارز في الحرب العالمية الأولى، وتحول إلى شارع بئر انزران. وشارع المارشال فوش (Boulevard Maréchal Foch): ) الذي سُمي باسم قائد جيوش الحلفاء في الحرب العالمية الأولى، وتحول اسمه إلى شارع المقاومة. وشارع الجنرال كورو Général Gouraud): أحد القادة العسكريين البارزين في جيش الحماية، وتحول إلى زنقة صلاح الدين الأيوبي. و شارع لورين (Boulevard Lorraine): )إشارة إلى الفيلق العسكري ومنطقة الصراع العسكري بالبلاد، وتغير إلى شارع رحال المسكيني. وساحة فيردان (Place Verdun): ) تيمنًا بمعركة فيردان الشهيرة، وتغيرت إلى ساحة وادي المخازن .وشارع فرنسا (Boulevard de France): ) الذي تحول بعد الاستقلال إلى شارع محمد الخامس. وساحة فرنسا Place de France) الساحة التاريخية الشهيرة المطلة على باب مراكش بالمدينة القديمة، وتحولت إلى ساحة الأمم المتحدة. وشارع روشيرو (Avenue Rochereau) ) الذي سُمي تيمناً بالقائد السياسي والعسكري الفرنسي “دينفير روشيرو”، وتحول اسمه إلى شارع باحماد. وشارع كامي ديمولان Camille Desmoulins) )الذي حمل اسم أحد أبرز قادة ومفكري الثورة الفرنسية، وتغير ليصبح شارع المسيرة الخضراء. وشارع لافاييت (Rue Lafayette): ) الذي يحمل اسم العسكري والسياسي الفرنسي الشهير “ماركيز دي لافاييت ومدار إميل زولا (Place Émile Zola): ) الذي لا يزال يحمل اسم الروائي والمفكر الفرنسي الشهير في قلب منطقة الصخور السوداء. وخلال فترة الحماية الإسبانية بشمال المغرب خضعت تسميات الشوارع، ببعض المدن ، خاصة في العاصمة الإدارية للحماية مدينة تطوان (حي “الإنسانشي” الإسباني) ومدينة طنجة، لتغييرات عكست النفوذ السياسي والعسكري الإسباني وايديولوجية نظام “فرانسيسكو فرانكو”. وقد جرى استبدال هذه الأسماء بأسماء وطنية مغربية وعربية مباشرة بعد الاستقلال عام 1956: ففي مدينة تطوان (عاصمة الحماية الاسبانية ) أطلق شارع الجنرال فرانكو (Avenida del Generalísimo Franco )على الشارع الرئيسي والأكبر في الحي الإسباني، ليتغير اسمه رسمياً في سبتمبر 1957 بحضور الملك محمد الخامس ليصبح شارع محمد الخامس. وشارع الجنرال مولا (General Mola ) أحد أبرز القادة العسكريين في الحرب الأهلية الإسبانية، الذي تغير بعد الاستقلال ليصبح شارع 10 ماي. وشارع الجنرال آراندا General Aranda) ) القائد العسكري الإسباني البارز في عهد فرانكو، ليتحول اسمه إلى شارع الوحدة. وشارع بريمو دي ريفيرا Primo de Rivera)) الذي سُمي تخليدا لاسم الديكتاتور العسكري الإسباني ميغيل بريمو دي ريفيرا، وتغير الاسم لاحقاً ليحمل طابعاً وطنياً. وشارع خافيير بولانيس (Javier Bolaños): )أحد المسؤولين العسكريين بجيش الحماية الاسبانية ، وتحول بعد الاستقلال إلى شارع عبد الخالق الطريس (زعيم الحركة الوطنية بشمال المغرب). بينما استبدل اسم ساحة إسبانيا (Plaza de España )الساحة الإدارية المركزية المقابلة للقصر الملكي، بتسمية ساحة حسن الثاني (المعروفة بساحة الفدان). أما في مدينة طنجة التي كانت تعتبر منطقة دولية ، فقد أطلق اسم الجنرال سانخورخو General Sanjurjo) )أحد الجنرالات الإسبان البارزين في حرب الريف، على أحد المحاور الحيوية بالمدينة خلال فترة الاحتلال الإسباني لطنجة (1940-1945)، وتحول لاحقاً إلى شارع المقاومة. وشارع الكولونيل بيكبيدير (Coronel Beigbeder) ) الحاكم العسكري والمندوب السامي الإسباني السابق في المغرب، قبل أن يتم تعريبه ومغربته بعد عودة طنجة للسيادة الوطنية ويستبدل باسم شارع عبد الخالق الطريس. ويعتبر هذا التغيير من الخطوات الرمزية البارزة في شمال المغرب التي تتمثل في تكريم زعيم الحركة الوطنية حيث جاء اختيار اسم عبد الخالق الطريس (زعيم حزب الإصلاح الوطني بشمال المغرب) لتسمية هذا الشارع الاستراتيجي بالحي الإسباني (“الإنسانشي”) كنوع من إحلال الرموز الوطنية التحررية محل قادة الإدارة الاستعمارية والعسكرية الأجنبية. فقد كان بيكبيدير هو المندوب السامي الإسباني الذي تعامل وتفاوض بشكل مباشر مع عبد الخالق الطريس إبان فترة الثلاثينيات والأربعينيات؛ لذا حمل استبدال الاسم رمزية بالغة تؤكد انتصار مشروع الاستقلال والسيادة الوطنية على عهد الحماية والاحتلال. لذا تعتبر وثائق إعادة تسمية هذه الشوارع جزءاً هاماً من أرشيف الذاكرة التاريخية المشتركة في شمال المغرب، حيث عكست الانتقال من الفضاء الاستعماري العسكري إلى تكريس الهوية الوطنية المغربية. وبالتالي ، فقد شكلت عملية “تطهير الفضاء العام” من هذه الأسماء العسكرية الاستعمارية خطوة رمزية بالغة الأهمية للمغرب المستقل، حيث استُبدلت برموز الحركة الوطنية لترسيخ السيادة والهوية المغربية.
2- تسمية الشوارع وتكريس الانفتاح الدبلوماسي
في غمرة الانفتاح الدبلوماسي للمغرب المستقل على المسرح الدولي، تم إطلاق أسماء زعماء تحرريين مثل المهاتما غاندي على شوارع حيوية بالدار البيضاء، لتأكيد انخراط المغرب في قضايا التحرر العالمية وعدم الانحياز. كما تزامنت هذه الفترة مع توطيد المغرب لعلاقاته الإستراتيجية مع دول الخليج وإفريقيا، حيث أطلقت أسماء مثل “الملك فيصل بن عبد العزيز” و”الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان” على محاور طرقية كبرى مباشرة بعد طفرة الدعم المتبادل في السبعينيات (مثل حرب أكتوبر 1973 والمسيرة الخضراء 1975).في حين حظي قادة بارزون مثل الرئيس العاجي “فيليكس هوفويت بوانيي” بتسمية شارع استراتيجي باسمه في قلب الدار البيضاء تثميناً للعلاقات المتميزة مع دول غرب إفريقيا. وعادة ما تخضع هذه التسميات قانونياً إلى تعديلات مستمرة تقرها مجالس الجماعات الترابية المنتخبة بناءً على التطورات الدبلوماسية وتوجهات السياسة الخارجية للمملكة. حيث تحمل تسمية الشوارع المغربية أسماء رؤساء وزعماء دول أجنبية دلالات سياسية ورمزية عميقة تعكس توجهات المملكة الخارجية وتاريخها الدبلوماسي.
-تكريس تحالفات المملكة الإستراتيجية
تعبر تسمية بعض الشوارع سواء بالعاصمة الإدارية أو الاقتصاية أو مدن أخرى للمملكة عن الامتنان لقادة دعموا قضايا المغرب المصيرية، مثل تسمية شوارع باسم الرئيس الأمريكي الأسبق “فرانكلين روزفلت” تقديراً لدعمه استقلال المغرب في مؤتمر أنفا 1943. كما تحمل تسمية بعض الشوارع الكبرى في المدن المغربية اسم الرئيس الأمريكي الأسبق والجنرال العسكري دوايت أيزنهاور (Dwight D. Eisenhower ) دلالات تاريخية وعسكرية واستراتيجية بالغة الأهمية، حيث يمكن حصر أبرز هذه الدلالات في النقاط التالية:
*تخليد “عملية الشعلة” (Operation Torch) 1942 ) حيث ترتبط صورة الرئيس ايزنهاور في الذاكرة التاريخية المغربية بقيادته لإنزال قوات الحلفاء في السواحل المغربية (الدار البيضاء، المهدية، وآسفي) خلال الحرب العالمية الثانية. وكان هذا الإنزال العسكري الناجح، الذي أداره أيزنهاور شخصياً كقائد أعلى لقوات الحلفاء، نقطة تحول حاسمة لطرد قوات المحور من شمال إفريقيا وتغيير مسار الحرب بالكامل.
*الاعتراف الدبلوماسي بالاستقلال: حيث تولى أيزنهاور رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية (1953 – 1961) في الفترة التي نال فيها المغرب استقلاله عام 1956. وبالتالي فقد عكست تسمية الشوارع باسمه ترحيب المغرب بمساندة إدارته الضمنية للمسار الاستقلالي للمملكة، وتأكيداً على اعتراف واشنطن السريع بالسيادة المغربية الكاملة.
*تمتين العلاقات الإستراتيجية مع أمريكا: حيث أطلقت هذه التسمية لتوثيق مرحلة هامة من التقارب العسكري والاقتصادي. فقد زار الرئيس أيزنهاور المغرب عام 1959 والتقى بالملك الراحل محمد الخامس وولي عهده آنذاك (الملك الحسن الثاني)، وتم خلال هذه المرحلة التنسيق بشأن إخلاء القواعد العسكرية الأمريكية بالمغرب بشكل مرن ودبلوماسي، مما عزز الثقة بين البلدين.
*ترسيخ التوجه الغربي للمغرب إبان الحرب الباردة: إذ تندرج التسمية ضمن الدبلوماسية الرمزية للمملكة لتأكيد تموقعها السياسي كحليف إستراتيجي رئيسي للولايات المتحدة المعسكر الغربي في تلك الحقبة، في مواجهة التمدد الشيوعي في المنطقة.
* التقدير الشخصي لبعض الرؤساء الأمريكيين ، فتسمية بعض الشوارع الرئيسية في المدن المغربية، مثل الدار البيضاء والرباط وطنجة وفاس، باسم الرئيس الأمريكي الأسبق جون كينيدي (John F. Kennedy ) تحمل دلالات سياسية وتاريخية وإنسانية عميقة ارتبطت بظروف المرحلة التي حكم فيها. إذ يمكن تلخيص هذه الدلالات في التقدير العالي للعلاقة الخاصة مع الملك الحسن الثاني حيث تعكس التسمية رمزية الزيارة التاريخية التي قام بها الملك الراحل الحسن الثاني إلى واشنطن عام 1962 والتقى فيها بالرئيس جون كينيدي حيث اتخذت هذه الزيارة طابعا عائليا . فقد نشأت بين الزعيمين الشابين آنذاك كيمياء سياسية وصداقة قوية ساهمت في نقل العلاقات المغربية الأمريكية إلى مرحلة متطورة من التعاون الإستراتيجي والاقتصادي. كما جاء إطلاق اسمه على بعض الشوارع الكبرى بالمملكة بعيد اغتياله الصادم عام 1963، كنوع من التضامن الإنساني والدبلوماسي من طرف المغرب، وتخليداً لذكراه كقائد عالمي شاب حظي بشعبية دولية واسعة خاصة من خلال دعمه المبكر لحق الشعوب في الاستقلال حيث كان الرئيس جون كينيدي معروفاً بمواقفه المتحررة نسبياً مقارنة بأسلافه؛ إذ ألقى خطابه الشهير عام 1957 وهو لا يزال سيناتوراً يدعم فيه استقلال الجزائر والدول الإفريقية من الاستعمار الفرنسي، وهو موقف نال تقدير الحركة الوطنية والمحيط الملكي في المغرب. كما تندرج هذه التسمية ضمن الرؤية الدبلوماسية المغربية القائمة على الانفتاح وتكريم قادة الدول الحليفة الكبرى، تماماً مثل تسمية شوارع أخرى باسم “روزفلت” أو “أيزنهاور”، لتوثيق الروابط التاريخية بين الرباط وواشنطن.
-تكريس عقيدة عدم الانحياز ،
دخلت تسمية شارع المهاتما غاندي بالدار البيضاء مباشرة في سياق تكريس عقيدة “عدم الانحياز” والتوجه التحرري الذي تبناه المغرب. حيث تتجلى الدلالات السياسية والتاريخية لهذا الاختيار في مشاركة المغرب في مؤتمر باندونغ 1955عبر الحركة الوطنية قبل الاستقلال الرسمي وهو المؤتمر التأسيسي لحركة عدم الانحياز الذي تزعمه قادة كبار من بينهم رئيس الهند. وكان إطلاق اسم غاندي لاحقاً تجسيداً لالتزام المغرب بمبادئ هذا المؤتمر. ففي ستينيات القرن الماضي، حرص المغرب على إيجاد توازن في فضائه العام؛ فبينما حملت شوارع أسماء قادة غربيين (مثل روزفلت وكينيدي)، أُطلقت أسماء رموز التحرر الآسيوي والإفريقي مثل المهاتما غاندي لتأكيد أن المملكة لا تتبنى التبعية المطلقة للمعسكر الغربي الرأسمالي. خاصة وأن المغرب والهند قد عانيا من الاستعمار الأجنبي، وكان كفاح غاندي السلمي ضد الإمبراطورية البريطانية ملهماً لنخبة الحركة الوطنية المغربية. لذا جاءت التسمية كإشادة برمز عالمي للتحرر والسيادة الوطنية. وقد تجاوزت شخصية غاندي الحسابات السياسية الضيقة، فكان اسمه مقبولاً من جميع التيارات السياسية المغربية المحافظة واليسارية على حد سواء، مما جعل إطلاق اسمه على محور طرقي حيوي بالدار البيضاء خطوة تحظى بإجماع وطني. كما برز حضور قادة وزعماء حركة عدم الانحياز بشكل لافت في هندسة الفضاء العمومي للمدن المغربية بعد الاستقلال، حيث اعتُمدت أسماؤهم لتسمية شوارع وساحات كبرى لتأكيد الهوية التحررية للمملكة والانفتاح على دول الجنوب. ومن أبرز هؤلاء الزعماء: جواهر لال نهرو رفيق درب المهاتماغاندي وأحد أبرز المؤسسين الخمسة للحركة؛ الذي اطلق اسمه على شارع حيوي في مدينة طنجة ومناطق أخرى، تكريماً لدوره في صياغة مبادئ التعايش السلمي ، والرئيس جمال عبد الناصر الذي يعتبر أحد الأقطاب التاريخيين للحركة؛ حيث يحمل اسمه شارع رئيسي واستراتيجي في قلب العاصمة الرباط (بحي أكدال)، بالإضافة إلى شوارع بمدن أخرى، تعبيراً عن عمق البعد القومي العربي والمشترك والتحرري. بالإضافة إلى القائد اليوغوسلافي تيتو الذي استضاف مؤتمر بلغراد الأول للحركة عام 1961 والذي شارك فيه العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني شخصياً؛ حيث حظي باسم شارع في العاصمة الرباط لتوثيق هذا التموقع الدبلوماسي المشترك. والرئيس أحمد سوكارنو مستضيف مؤتمر باندونغ التاريخي عام 1955 الذي وضع اللبنات الأولى للحركة؛ حيث أُطلق اسمه على شارع هام في العاصمة الرباط كالتفاتة رمزية للدولة التي احتضنت ودعمت القضية المغربية قبل الاستقلال.
– تكريس حركة التحرر والامتداد القومي والعربي:
حيث يعكس إطلاق أسماء قادة وزعماء عرب (مثل الملك فيصل، أو الشيخ زايد) على شوارع رئيسية عمق الروابط الأخوية، والتضامن المشترك، والتقدير للدعم الاقتصادي والسياسي للمملكة. إذ تحمل تسمية الشوارع والمحاور الطرقية الكبرى في المدن المغربية بأسماء الملوك والقادة العرب دلالات سياسية، وقومية، واقتصادية بالغة الأهمية، تعكس طبيعة العلاقات الخارجية للمملكة وامتدادها العربي. حيث يمكن تلخيص أبرز هذه الدلالات في النقاط التالية:
*تخليد الروابط الأخوية والعائلية: حيث تعبر هذه التسميات عن عمق العلاقات الشخصية والتاريخية التي جمعت ملوك المغرب (خاصة الملكين الراحلين محمد الخامس والحسن الثاني) بالقادة العرب، لا سيما في دول الخليج العربي والأردن، وهي علاقات كانت قائمة على التقدير المتبادل والاحترام المرجعي المشترك.
*الاعتراف بالدعم السياسي والمصير المشترك: حيث جاء إطلاق أسماء مثل الملك فيصل بن عبد العزيز أو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان على شوارع استراتيجية كنوع من الوفاء لمواقفهم التاريخية الداعمة لقضايا المغرب المصيرية، وفي مقدمتها مغربية الصحراء، والمسيرة الخضراء عام 1975، والدعم الدبلوماسي في المحافل الدولية.
*تثمين الشراكة الاقتصادية والتنموية: حيث ترتبط التسميات في كثير من الأحيان بمشاريع تنموية كبرى؛ فعلى سبيل المثال، يرتبط اسم “الشيخ زايد” بمؤسسات استشفائية ومحاور طرقية حيوية، مما يعكس الامتنان للمساهمات والاستثمارات الخليجية السخية في البنية التحتية والمشاريع الاجتماعية بالمملكة. وهكذا تم إطلاق اسم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان على واحد من أهم وأكبر المحاور الطرقية الاستراتيجية في العاصمة الاقتصادية للمملكة، وهو شارع الشيخ زايد بالدار البيضاء (المعروف تاريخياً ومحلياً بجزء من طريق أولاد زيان أو الامتداد المؤدي للمدخل الجنوبي للمدينة). حيث يمثل الشارع شرياناً رئيسياً يربط قلب الدار البيضاء بالشبكة الطرقية المؤدية إلى العاصمة الرباط والمطار الدولي محمد الخامس، ويمر بمحاذاة مناطق اقتصادية وسكنية كبرى. ولا يقتصر هذا التكريم على الدار البيضاء وحده، بل يمتد إلى العاصمة الرباط من خلال شارع الشيخ زايد بن سلطان المتواجد في منطقة السويسي الدبلوماسية.
بينما أطلق اسم الملك الحسين بن طلال (ملك الأردن الراحل) على واحد من أبرز الشوارع الاستراتيجية والحيوية في العاصمة المغربية الرباط، وهو شارع المحيط سابقاً، والذي أصبح يُعرف رسمياً بـ شارع الملك الحسين (Avenue El Oussain). ) حيث تتجلى الأهمية الجغرافية والرمزية لهذا الشارع في موقعه الجغرافي بالعاصمة ، إذ يقع الشارع في قلب حي المحيط الشهير، وهو شريان طرقي رئيسي وتجاري نابض يربط بين وسط المدينة التاريخي والمناطق الساحلية للعاصمة. وقد جاءت هذه التسمية لتخليد العلاقة الأخوية والشخصية الاستثنائية التي جمعت بين العاهلين الراحلين، الملك الحسن الثاني والملك الحسين بن طلال، واللذين كانا يتقاسمان رؤى سياسية متطابقة وروابط متينة دامت لعقود. وبالتالي لا يقتصر هذا التكريم على العاصمة الرباط؛ بل يمتد إلى مدن مغربية كبرى أخرى، حيث يطلق اسمه على شارع في مدينة طنجة (بمنطقة مالاباطا السياحية الحيوية)، وأيضاً في مدينة أكادير، تعبيراً عن التقدير الوطني الشامل لمكانة الأسرة الهاشمية الأردنية لدى المغاربة.
-تأكيد الهوية القومية والعربية للمغرب:
يعكس إدراج أسماء قادة من مختلف الأقطار العربية (مثل شوارع باسم الملك حسين بن طلال، أو الأمير عبد القادر الجزائري) التزام المغرب ببعده العربي والإسلامي، وحرصه على جعل الفضاء العمومي مرآة للتضامن والتكامل بين الشعوب العربية. وهكذا أطلق اسم الأمير عبد القادر الجزائري على واحد من أشهر وأعرق الشوارع التجارية والحيوية في قلب العاصمة الاقتصادية الدار البيضاء، وهو الشارع المعروف تاريخياً باسم شارع لافاييت (Rue Lafayette). ) حيث تتجلى الأهمية الجغرافية والرمزية لهذا الشارع في موقعه الجغرافي بالدار البيضاء ، فهو يقع ا في منطقة مركز المدينة النابضة، ويتفرع من شوارع رئيسية كبرى مثل شارع محمد الخامس وشارع لالا الياقوت، ويتميز بمعماره الأوروبي الكلاسيكي ومحلاته التجارية المتنوعة. وقد جاءت هذه التسمية مباشرة بعد الاستقلال تكريماً للأمير عبد القادر باعتباره رمزاً عالمياً للمقاومة ضد الاستعمار الفرنسي، وتقديراً للروابط التاريخية المشتركة؛ حيث حظي الأمير بدعم ومساندة من سلطان المغرب والمغاربة إبان مقاومته في القرن التاسع عشر. ويحضر اسم الأمير عبد القادر في جُل الحواضر المغربية الكبرى؛ فنجد شارع الأمير عبد القادر في قلب المنطقة السياحية بمدينة فاس (المدينة الجديدة)، بالإضافة إلى شوارع رئيسية في وجدة (بحكم القرب الجغرافي والتاريخي المشترك للمقاومة)، والرباط، وطنجة. كما تحمل تسمية الشوارع والساحات المغربية بأسماء فلسطينية دلالات قومية ووجدانية عميقة، وتجسد المكانة المركزية التي تحظى بها القضية الفلسطينية لدى الشعب المغربي والمؤسسة الملكية. إذ تتوزع هذه التسميات عبر معظم المدن المغربية من خلال : شارع فلسطين بالدار البيضاء الذي يعد من المحاور الطرقية الحيوية والتاريخية في العاصمة الاقتصادية، ويقع في منطقة “بلفيدير” (Bélvédère))، ويمتد ليربط بين شرايين مرورية رئيسية بالمدينة. وشارع القدس بالدار البيضاء الذي يعتبر بمثابة شريان طرقي استراتيجي ضخم وبمواصفات حديثة، حيث يربط بين عمالة عين الشق ومنطقة سيدي معروف، ويضم منشآت اقتصادية وجامعية هامة. وشارع ياسر عرفات حيث أُطلق اسم الزعيم الفلسطيني الراحل على شوارع رئيسية في عدة مدن مغربية (مثل مدينة وجدة وأكادير)، تكريماً لرمزيته كقائد لحركة التحرر الوطني الفلسطيني وعلاقته التاريخية المتينة بالمغرب. ولا تقتصر هذه التسميات على الشوارع فقط، بل تحمل أحياء سكنية كاملة اسم “القدس” أو “فلسطين” في مدن مثل وجدة، وفاس، وتازة، والرشيدية، تخليداً للمدينة المقدسة. إذ عادة ما تحرص المجالس الجماعية المنتخبة (مثل مجالس الرباط، طنجة، ومراكش) في كثير من الدورات على إطلاق أسماء مدن فلسطينية (مثل غزة، رام الله، نابلس، وجنين) أو شهداء ورموز الصحافة والمقاومة الفلسطينية على أزقة وشوارع جديدة، تعبيراً عن التضامن الميداني المستمر مع الأحداث في الأراضي المحتلة.
– تكريس البعد الإفريقي والتحرري للمملكة:
تعكس تسمية الشوارع المغربية بأسماء قادة أفارقة العمق الإفريقي للمملكة، والالتزام التاريخي بدعم حركات التحرر، وتعزيز العلاقات الدبلوماسية مع دول القارة الافريقية. إذ تحمل كبريات المدن المغربية أسماء بعض القادة الأفارقة ومن أبرزهم:
*الرئيس نيلسون مانديلا Nelson Mandela) ) حيث يحضر اسم الزعيم والمناضل الجنوب إفريقي بقوة في الفضاءات المغربية؛ بعدما أطلق اسمه على الشارع المحاذي لمركب محمد الخامس بقلب الدار البيضاء، وعلى شوارع رئيسية أخرى في الرباط وطنجة وأكادير، تخليداً لذكرى الدعم العسكري والمالي الذي تلقاه مانديلا من المغرب في ستينيات القرن الماضي.
* الرئيس فيليكس هوفويت بوانيي Félix Houphouët-Boigny) )رئيس ساحل العاج الراحل وأحد أبرز حلفاء المغرب التاريخيين؛ الذي يحمل اسمه شارع استراتيجي وحيوي يربط بين وسط مدينة الدار البيضاء ومنطقة عين الذئاب الساحلية، تعبيراً عن متانة المحور الدبلوماسي بين الرباط وأبيدجان.
* الرئيس ليوبولد سيدار سينغور éopold Sédar Senghor) الرئيس الشاعر والزعيم التاريخي للسنغال الذي جمعته علاقة استثنائية بالملك الحسن الثاني؛ حيث اطلق اسمه على شوارع رئيسية ومحاور طرقية في الرباط (بحي الرياض) والدار البيضاء، تكريماً لدوره في تعزيز الأخوة المغربية السنغالية.
* الرئيس أحمد سيكو توري Ahmed Sékou Touré) أول رئيس لجمهورية غينيا؛ حظي باسم شارع حيوي في العاصمة الرباط لتوثيق العلاقات التاريخية، ومواقفه المبكرة الداعمة للقضايا الاستراتيجية للمملكة.
* الرئيس عمر بونغو (Omar Bongo) رئيس الغابون الراحل الذي ربطته بالعرش العلوي علاقة صداقة وطيدة؛ حيث أُطلق اسمه على شوارع ومحاور كبرى في مناطق دبلوماسية بـالرباط وطنجة، اعترافاً بدفاعه المستميت عن الوحدة الترابية للمغرب في المحافل الإفريقية.
*كوامي نكروما Kwame Nkrumah) )الزعيم الغاني وأحد الآباء المؤسسين لمنظمة الوحدة الإفريقية؛ حيث يحمل اسمه شارع في العاصمة الرباط (بحي حسان)، تخليداً لدوره في حركة التحرر الإفريقي و”مجموعة الدار البيضاء” التاريخية عام 1961.
* باتريس لومومبا حيث أطلق اسم هذا الزعيم والمناضل الكونغولي الراحل باتريس لومومبا (Patrice Lumumba) على واحد من أهم وأشهر الشوارع الحيوية والتاريخية في العاصمة المغربية الرباط ، وهو الشارع الذي ان يُعرف إبان فترة الحماية الفرنسية باسم شارع مارشال ليوطي ( Avenue Maréchal Lyautey) حيث تتجلى الأهمية الجغرافية والرمزية لهذا الشارع في تموقعه في قلب حي حسان الأثري والإداري، وهو شريان طرقي رئيسي يربط بين معالم تاريخية كبرى مثل صومعة حسان وضريح محمد الخامس، وبين وسط المدينة الإداري .وقد جاءت تسمية الشارع باسم لومومبا (أول رئيس وزراء منتخب لجمهورية الكونغو الديمقراطية بعد الاستقلال) مباشرة بعد اغتياله الصادم في يناير 1961. وحملت هذه الخطوة رمزية بالغة من الملك الراحل محمد الخامس تضامناً مع قضايا التحرر الإفريقي وضد المؤامرات الاستعمارية. ولا يقتصر هذا التكريم على العاصمة؛ بل يمتد اسم شارع باتريس لومومبا إلى مدن أخرى مثل الدار البيضاء (بمنطقة الصخور السوداء) ومدينة طنجة، تعبيراً عن التقدير الوطني لرموز التحرر العالمي.
وعموما ، فعادة ما تُستخدم تسمية الشوارع بأسماء قادة أجانب كأداة دبلوماسية ورمزية لتكريم الدول الصديقة، ومبادلة نفس الخطوات التكريمية التي تقوم بها تلك الدول تجاه ملوك المغرب في عواصمها. إذ تعد تسمية الشوارع بأسماء قادة أجانب واحدة من أبرز أدوات “الدبلوماسية الناعمة” والانفتاح الدولي للمغرب. فالفضاء الحضري في المملكة لا يُنظم فقط لتسهيل حركة المرور، بل يُصاغ ليكون مرآة تعكس التوجهات الإستراتيجية والسياسية للدولة. حيث تتجلى أبعاد هذا الانفتاح الدبلوماسي من خلال تسمية الشوارع في:
*بعث رسائل سياسية مشفرة للدول ، فإطلاق اسم رئيس أو ملك أجنبي على شارع رئيسي بالعاصمة الرباط أو العاصمة الاقتصادية الدار البيضاء، هو بمثابة “وسام حضري” يُمنح لتلك الدولة، وتعبير رسمي عن متانة العلاقات الثنائية والتقدير المتبادل.
*المعاملة بالمثل والتكريم المتبادل: حيث تدخل هذه الخطوات في إطار الأعراف الدبلوماسية؛ فمثلما يطلق المغرب أسماء قادة أجانب على شوارعه (مثل كينيدي، أيزنهاور، أو الشيخ زايد)، قامت دول صديقة عديدة بإطلاق أسماء ملوك المغرب (مثل محمد الخامس والحسن الثاني) على ساحات وشوارع كبرى في عواصمها (مثل باريس، بروكسيل، تونس، وأبوظبي).
*توثيق الشراكات الاقتصادية والإستراتيجية: حيث ترتبط التسميات أحياناً ببدء مشاريع تنموية أو استثمارية ضخمة ممولة من الدول الصديقة، مما يجعل التسمية أداة لترسيخ الالتزام المشترك وتخليد التعاون الاقتصادي في ذاكرة المواطنين.
*تأكيد التموقع المتعدد الأبعاد: فمن خلال تنويع الأسماء بين قادة غربيين (أمريكيين وأوروبيين)، وزعماء عرب، وقادة أفارقة، ورموز من آسيا (حركة عدم الانحياز)، يرسل المغرب رسالة واضحة للعالم بأنه دولة ذات سياسة خارجية مرنة ومتوازنة ومنفتحة على مختلف القارات والمحاور الدولية. إذ تتوزع أسماء زعماء حركة عدم الانحياز والقادة الأجانب داخل الفضاء الدبلوماسي للعاصمة الرباط بناءً على هندسة بروتوكولية دقيقة ومخطط تهيئة حضري يربط بين جغرافية المكان والرمزية السياسية للدول والعلاقات الخارجية للمملكة.ففي حي السويسي (الحي الدبلوماسي الأبرز) فقد توزعت فيه أسماء قادة العالم الكبار ورؤساء الدول الحليفة؛ بشكل محسوب :حيث نجد فيه محاور كبرى مثل شارع فرانكلين روزفلت وشارع بنيامين فرانكلين، إلى جانب أسماء ملوك وقادة عرب وأفارقة وأوروبيين يعكسون شبكة العلاقات الاستراتيجية للمملكة. أما حي أكدال الذي يتميز بحركيته الثقافية والطلابية، فهو يضم أسماء أقطاب حركة عدم الانحياز والزعماء القوميين؛ حيث يشق شارع جمال عبد الناصر قلب الحي كأحد أهم محاوره التجارية والحيوية، بالإضافة إلى شوارع تحمل أسماء قادة ومفكرين من العالم العربي والإسلامي. وحي الرياض ، الحي الإداري والدبلوماسي الحديث ، فقد وضعت فيه تسميات تعكس الانفتاح الدبلوماسي المعاصر للمغرب، حيث نجد فيه شوارع بأسماء زعماء وقادة ارتبطوا بالشراكات الاقتصادية والسياسية الحديثة للمملكة. أما حي حسان وتواركة الذي يحيط بالمركز الإداري والقصر الملكي، فتتوزع فيه أسماء زعماء ارتبطوا بمحطات الاستقلال والسيادة الوطنية؛ حيث نجد شوارع قريبة من المقرات السيادية تحمل أسماء قادة دعموا المغرب تاريخياً مثل أحمد سوكارنو (مستضيف مؤتمر باندونغ) وجوزيف بروز تيتو أحد القادة الكبار لحركة عدم الانحياز.






تعليقات الزوار ( 0 )