أخبار ساعة

13:25 - أزمة خصاص الأطر الطبية بمستشفى الرازي ببرشيد تثير القلق 13:14 - توقيف مروج مخدرات بحوزته 2100 قرص “ريفوتريل” بالدار البيضاء12:15 - تعاون عسكري مغربي فرنسي لتعزيز الأمن البحري في “أوريون 26”11:30 - فرنسا تعزز شراكتها مع المغرب لدعم تنظيم مونديال 2030 عبر تحالف اقتصادي واستثماري11:00 - دعوات لوزير الصحة لكشف أسباب سحب مصل “الكزاز” من المستشفيات10:26 - ترامب يستعد لإلقاء خطاب للأمّة وتوقعات بأن يؤكد أن أهداف حرب إيران أُنجزت09:10 - طقس الخميس: برودة بالأطلس وقطرات مطرية متفرقة جنوبا23:59 - نفق سبتة.. تهريب متطور أم تفوق أمني؟23:30 - سانشيز يندد بالعنصرية في مباراة إسبانيا ومصر23:16 - مغاربة في حرب أوكرانيا؟ معطيات تكشف تجنيد أجانب في الجيش الروسي وتحذيرات من “مصير مجهول”
الرئيسية » مقالات الرأي » تحولات الحركات الإسلامية المغربية: من منطق الأزمة إلى استراتيجيات البناء والاستشراف

تحولات الحركات الإسلامية المغربية: من منطق الأزمة إلى استراتيجيات البناء والاستشراف

مقدمة

الحركات الإسلامية في المغرب ظاهرة بحثية غنية بالتعقيدات، نظرا لتفاعلها مع سياق سياسي واجتماعي فريد يتميز بوجود ملكية ذات شرعية دينية تاريخية متجذرةٍ في مؤسسة إمارة المؤمنين، إلى جانب تعددية حزبية وسياسية عريقة. تسعى هذه الدراسة إلى تحليل المسار التحولي لهذه الحركات، مركزة على انتقالها من (منطق الأزمة) الذي طبع نشأتها كاستجابة احتجاجية لتحديات الدولة الحديثة وتداعيات سقوط الخلافة، إلى (منطق البناء) الذي يقتضي تحولها إلى فاعلٍ استراتيجي يسهم بفاعلية في صياغة البدائل والسياسات العمومية.

جدلية النشوء ومنطق الأزمة: السياق التاريخي والفكر الحركي

ارتبطت نشأة الحركات الإسلامية المغربية، شأنها في ذلك شأن نظيراتها في المشرق، بسياق تاريخي اتسم بـ(الأزمة) الوجودية التي أعقبت مرحلة الاستعمار وبناء الدولة الوطنية الحديثة. لم يكن (منطق الأزمة) مجرد ظرف تاريخي عابر، بل امتد ليشمل بنية العقل الحركي الذي ظل لفترة طويلة محكوما بعدة هواجس أساسية. تمحور الخطاب حول حماية الهوية الإسلامية من التحديات الخارجية، مثل التغريب والعلمانية، مما جعل المبادرة الفكرية للحركات تابعة لرد الفعل بدلا من أن تكون منتجة للفعل الاستباقي. هذا التوجه الدفاعي أثر على قدرتها على صياغة رؤى مستقبلية متكاملة. كما عانت الحركات من تردد بين العمل الدعوي الصرف والعمل السياسي الحزبي، مما أحدث غموضا مفاهيميا في تحديد طبيعة مشروعها، متسائلة هل هو مشروع خلاصٍ فردي أم مشروع تدبيرٍ مجتمعي شامل؟ هذا التردد أثر على وضوح الرؤية الاستراتيجية للحركات. بالإضافة إلى ذلك، اتسمت العلاقة مع الدولة بحذر مفرط، مما أدى إلى تفضيل التنظيمات المغلقة على المؤسسات المفتوحة، وغلبة التعبئة الأيديولوجية على التحليل المؤسسي الرصين. هذا الارتياب حد من قدرتها على الاندماج الفعال في الحياة السياسية والمؤسساتية. في الحالة المغربية، تجلى هذا المنطق بوضوح في المسارات الأولى لجمعية الشبيبة الإسلامية، وصولا إلى الانشقاقات التي أفرزت تيارات اختارت الاندماج في العمل السياسي (مثل حركة التوحيد والإصلاح التي أفرزت حزب العدالة والتنمية)، وأخرى فضلت المعارضة من الخارج (مثل جماعة العدل والإحسان). ورغم التباين في الوسائل والتوجهات، إلا أن (إرث الأزمة التأسيسية) ظل يلقي بظلاله على قدرة هذه الحركات في التحول نحو (منطق البناء الكامل)، الذي يتطلب رؤية استراتيجية تتجاوز رد الفعل إلى المبادرة.

إشكالية الدين والدولة: نحو نموذج مدني بمرجعية قيمية

تشكل علاقة الدين بالدولة العقدة المركزية والناظم الأساسي في فكر الحركات الإسلامية المغربية، وهي إشكالية تتجاوز في عمقها السياق المحلي لتلامس جوهر الاستعصاء الذي لم يحسم بعد في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر بصفة عامة. لقد ظلت هذه العلاقة محكومة لعقود بتصورات تقليدية ترى في الدولة مجرد أداة وظيفية لتنزيل الأحكام الشرعية، متجاهلة تعقيدات الواقع السياسي والاجتماعي. غير أن الممارسة السياسية الميدانية، ولاسيما تجربة حزب العدالة والتنمية في التدبير الحكومي على مدى عقد من الزمن، كشفت عن حدود هذه التصورات ووضعتها أمام اختبار الواقع المعقد، مما أظهر الحاجة الملحة إلى مراجعات فكرية وعملية عميقة. هذا الانكشاف لم يكن مجرد إخفاق إجرائي، بل كان محفزا قويا نحو إعادة صياغة مفهوم (الدولة) من كيان أيديولوجي يسعى لفرض رؤية دينية أحادية، إلى مؤسسة لتدبير الشأن العام تخدم مصالح المواطنين كافة، مما فرض على هذه الحركات الانتقال من منطق (التمكين للدين) إلى منطق (الخدمة العامة) تحت سقف المرجعية الوطنية الجامعة.

وفي هذا السياق، يبرز النموذج المغربي بخصوصية فريدة تفرضها مؤسسة (إمارة المؤمنين)، التي تعد ركيزة دستورية وتاريخية عميقة الجذور في الوعي الجمعي المغربي. لقد أجبر هذا الإطار الحركات الإسلامية على تطوير (براغماتية سياسية) عالية للتعايش مع هذا الواقع، مما أدى إلى تقليص النزعة الأيديولوجية الصدامية التي ميزت بعض الحركات الإسلامية في سياقات أخرى. دفع هذا الواقع الفاعلين الإسلاميين نحو الاندماج في اللعبة السياسية ضمن قواعد واضحة المعالم، حيث أصبح العمل السياسي محكوما بضوابط الدولة الوطنية ومؤسساتها الدستورية، بدلا من الانكفاء على أحلام الخلافة المتجاوزة أو السعي لفرض نموذج ديني معين. ومع ذلك، فإن هذه البراغماتية، التي حققت مكاسب ميدانية وتوازنات سياسية مهمة، قد أدت في المقابل إلى نوع من الفتور في الاجتهاد النظري؛ إذ انشغلت الحركات بالتدبير اليومي والتكيف مع التوازنات الكبرى على حساب تعميق البحث في الأسس الفلسفية والسياسية لعلاقة الدين بالدولة في ظل الملكية الدستورية، مما ترك فراغا نظريا في هذا المجال الحيوي.

وبموازاة هذا التكيف الميداني، بدأ يتبلور في الأدبيات المعاصرة لهذه الحركات تحول استراتيجي نحو مفهوم “الدولة المدنية”، وهو تحول يستند إلى تمييز وظيفي دقيق بين المجال “الديني” والمجال “السياسي”. فالدين في هذا التصور الجديد يُنظر إليه باعتباره مجالاً للقيم المطلقة والمشترك الوطني الجامع الذي يتسامى فوق الصراعات الحزبية والسياسية الضيقة، بينما يعتبر السياسي مجالا للتدبير البشري النسبي القابل للخطأ والصواب والمحاسبة الديمقراطية. هذا التمييز لا يعني العلمانية بمعناها الانفصالي الحاد بين الدين والدولة، بل يطرح نموذجا للدولة كمؤسسة مدنية تدبر الشأن العام بكفاءة وحيادية، يكون فيها الدين مرجعية قيمية وأخلاقية توجه السياسات العامة وتلهم التشريعات، دون أن يتحول إلى أداة سلطوية قهرية بيد فئة معينة أو حزب سياسي. إن الهدف من هذا النموذج هو تحقيق تكامل وظيفي يضمن للدولة مدنيتها وعصريتها، وللدين قدسيته وتأثيره الإيجابي في بناء المجتمع، بعيدا عن الاندماج الكلي الذي يؤدي إلى تسييس الدين وتشويه رسالته، أو الانفصال التام الذي يؤدي إلى تجفيف المنبع القيمي والأخلاقي للمجتمع وتهميش دوره في الحياة العامة.

وعلى الرغم من هذا التطور الملموس على مستوى الممارسة والخطاب، لا يزال هناك فقر نظري واضح في تعريف الدولة المدنية من منظور إسلامي مغربي خالص، يتجاوز العموميات والشعارات. فالانتقال من شعارات تطبيق الشريعة إلى مفاهيم الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية لا يزال يواجه توترات مستمرة بين مبدأ السيادة الشعبية الذي تفرضه الديمقراطية الحديثة، وبين المرجعية الدينية التي تظل حاضرة بقوة في الوجدان الشعبي والنصوص الدستورية. هذا التوتر يتطلب اجتهادا فقهيا وسياسيا عميقا يتجاوز الخطاب الوعظي والتقليدي نحو هندسة دستورية وقانونية واضحة المعالم، قادرة على التوفيق بين القيم الكونية لحقوق الإنسان والديمقراطية والحكم الرشيد، وبين الخصوصية الثقافية والدينية للمجتمع المغربي. إن التحدي القائم اليوم أمام هذه الحركات هو تحويل المراجعات الفكرية إلى برامج عمل ومشاريع قوانين ملموسة تكرس مدنية الدولة، وتضمن في الوقت ذاته استمرارية الوظيفة الأخلاقية والروحية للدين كعامل استقرار وتماسك اجتماعي، وهو ما يقتضي بناء جسور معرفية جديدة بين الفقه التقليدي المتجدد والعلوم السياسية الحديثة، لإنتاج رؤية متكاملة للدولة المدنية في السياق المغربي، رؤية تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وتستجيب لتحديات الحاضر وتطلعات المستقبل.

التحول نحو منطق البناء

يمثل الانتقال من منطق الأزمة إلى منطق البناء ضرورة وجودية للحركات الإسلامية، لا سيما في سعيها لضمان استمراريتها وفعاليتها ضمن المشهدين السياسي والاجتماعي المعاصرين. هذا التحول ليس مجرد تعديل تكتيكي، بل هو تغيير جوهري في الرؤية والمنهج، يتسم بخصائص محورية تتجاوز مجرد الاستجابة للظروف الطارئة.

أولا يتطلب منطق البناء التفكير الاستباقي وصياغة السياسات، وهو ما يعني تجاوز مرحلة الاكتفاء بالاحتجاج على السياسات القائمة أو انتقادها. فبدلا من ذلك، ينبغي للحركات الإسلامية أن ترتقي إلى مستوى صياغة بدائل سياساتية متكاملة في مختلف القطاعات الحيوية التي تمس حياة المجتمعات، مثل الاقتصاد، التعليم، الصحة، والشأن الاجتماعي. هذا المسعى يستلزم القدرة على تقديم حلول عملية ومستدامة للمشكلات المجتمعية، مبنية على دراسات معمقة، تحليل دقيق للواقع، ورؤى استراتيجية واضحة المعالم، مما يعكس نضجا سياسيا وفكريا.

ثانيا، يبرز منطق البناء من خلال الفعالية المؤسساتية والانفتاح. ففي حين قد يغلب على منطق الأزمة الطابع التنظيمي الحركي المغلق، الذي يركز على الولاء الأيديولوجي الضيق، يدعو منطق البناء إلى تبني منطق المؤسسة. هذا الأخير يستدعي الانفتاح على الكفاءات الوطنية من خارج الدائرة الأيديولوجية الضيقة، والاستفادة من خبراتهم المتنوعة في مجالات تخصصهم. هذا الانفتاح لا يعزز فقط من قدرة الحركات على بناء تحالفات أوسع وأكثر شمولية، بل يسهم أيضا في تعزيز شرعيتها وفعاليتها في خدمة المجتمع ككل، بعيدا عن الانغلاق والتقوقع.

ثالثا، يشدد منطق البناء على أهمية المراجعة المعرفية الشاملة والنقد الذاتي. فالإصلاح التنظيمي أو التكيف البراغماتي السطحي لا يكفيان لتحقيق التحول المنشود. بل لا بد من نقد ذاتي عميق للمنطلقات الفكرية التي قامت عليها هذه الحركات، واستيعاب لأدوات العلوم الاجتماعية الحديثة لفهم تعقيدات الواقع المجتمعي، لا سيما في سياقات مثل الواقع المغربي. هذا النقد الذاتي يمثل حجر الزاوية في أي تجديد فكري حقيقي، ويساعد على تجاوز الأفكار الجامدة أو الرؤى التي قد تعيق التطور والاندماج الإيجابي في مسار التنمية المجتمعية.

إن الفروقات الجوهرية بين هذين المنطقين تتجلى بوضوح في عدة أوجه. فمن حيث طبيعة الخطاب، يتسم منطق الأزمة بكونه تعبويا، أيديولوجيا، دفاعيا، ورد فعل على الأحداث، بينما يتحول الخطاب في منطق البناء ليصبح برامجيا، واقعيا، استباقيا، وموجها نحو تقديم الحلول. أما العلاقة مع الآخر، ففي منطق الأزمة قد تكون صراعية، إقصائية أحيانا، وقائمة على الشك والارتياب، في حين تصبح في منطق البناء توافقية، تشاركية، مدنية، ومبنية على التعاون المشترك. وبخصوص الهدف المركزي، يركز منطق الأزمة على التمكين للتنظيم أو الهوية، ومحاولة استعادة الماضي، بينما يهدف منطق البناء إلى تحقيق التنمية والإصلاح المجتمعي، وبناء مستقبل أفضل للجميع.

وفيما يتعلق بـالمرجعية، يعتمد منطق الأزمة غالبا على نصوصية مغلقة واجتهاد محدود، بينما ينفتح منطق البناء على مرجعية مقاصدية متجددة، تأخذ في الاعتبار تعقيدات الواقع وتحدياته.

 وأخيرا يختلف التعامل مع الدولة بشكل كبير ففي منطق الأزمة، يسود الحذر والارتياب، مع محاولة التغيير من الخارج، بينما يدعو منطق البناء إلى الاندماج والمشاركة الفعالة، ومحاولة التغيير من الداخل عبر القنوات الشرعية والمؤسساتية. هذا التحول الشامل هو ما يمكن الحركات الإسلامية من الانتقال من مجرد رد الفعل إلى الفعل الإيجابي، ومن التكيف المؤقت إلى البناء المستدام، مما يعزز دورها كشريك فاعل في تقدم مجتمعاتها.

الاستشراف والمالات المستقبلية

التحولات الجارية داخل الحركات الإسلامية المغربية تقف اليوم عند مفترق تاريخي حاسم، حيث لم تعد الإشكالات التي تواجهها محصورة في التكيف الظرفي مع السياق السياسي، بل باتت ترتبط بطبيعة نموذجها الفكري والتنظيمي وحدود قدرته على الاستمرار في بيئة متحولة تتسم بتعقيد متزايد. فمنذ نهاية مرحلة الصعود السياسي التي أعقبت موجة الانفتاح النسبي، مرورا بتجربة المشاركة الحكومية وما أفرزته من اختبارات عملية، وصولا إلى التراجع الانتخابي والضغط المؤسساتي، دخلت هذه الحركات في طور إعادة تقييم عميق، سواء بشكل معلن أو ضمني. هذا الوضع يفتح المجال أمام استشراف مآلات متعددة، غير أن جوهرها يدور حول سؤال مركزي: هل ستنجح هذه الحركات في إعادة تعريف ذاتها بما ينسجم مع التحولات العميقة التي يعرفها المجتمع والدولة، أم ستظل أسيرة نموذجها التأسيسي الذي نشأ في سياق تاريخي مغاير؟

في هذا الإطار، يبدو أن أحد المسارات المرجحة يتمثل في استمرار التكيف البراغماتي، حيث تميل الحركات الإسلامية إلى تعميق اندماجها داخل بنية النظام السياسي، مع تخفيف حضورها الأيديولوجي لصالح خطاب محافظ ذي طابع مدني. هذا التوجه يجد ما يسنده في الأدبيات التي تناولت تطبيع الإسلام السياسي (Asef Bayat) أو( تحوله إلى فاعل ما بعد إسلامي)، حيث تتراجع الشعارات الكبرى لصالح إدارة الشأن العام ضمن قواعد اللعبة القائمة. غير أن هذا المسار، رغم ما يوفره من استقرار نسبي، يحمل في طياته مفارقة بنيوية  إذ إن نجاحه في تحقيق الاندماج قد يقوض في الان ذاته الأسس الرمزية التي منحت هذه الحركات جاذبيتها الأصلية، وهو ما قد يؤدي على المدى المتوسط إلى تاكل قاعدتها الاجتماعية وتحولها إلى فاعل سياسي عادي يفتقد لخصوصيته.

في المقابل، يظل احتمال الانكفاء الدعوي قائما، خاصة في حال استمرار الضغوط السياسية أو تعمق فقدان الثقة الانتخابية. هذا السيناريو يعكس ما أشار إليه Olivier Roy في حديثه عن (فشل الإسلام السياسي) بمعناه الحركي، حيث تنتهي بعض التجارب إلى إعادة التموضع خارج المجال السياسي المباشر، والتركيز على العمل التربوي والاجتماعي. ورغم أن هذا الخيار قد يسمح بإعادة بناء الرأسمال الرمزي والتنظيمي للحركات، فإنه يحمل مخاطر العزلة وفقدان التأثير في السياسات العمومية، خاصة في سياق مجتمعي تتزايد فيه المطالب المرتبطة بالتنمية والعدالة والتمثيلية السياسية. كما أن الأجيال الجديدة، التي تنشأ في بيئة رقمية مفتوحة وتبحث عن أدوات تأثير ملموسة، قد لا تجد في هذا النموذج ما يلبي تطلعاتها.

غير أن السيناريو الأكثر أهمية، وإن كان الأكثر تعقيدا، يتمثل في إمكانية حدوث تجديد عميق يعيد تشكيل الحركات الإسلامية على أسس جديدة. هذا المسار لا يقتصر على تعديلات تنظيمية أو خطابية، بل يفترض مراجعة جذرية للنموذج الفكري الذي حكم نشأة هذه الحركات، والذي ارتبط بسياق (الأزمة التأسيسية) عقب سقوط الخلافة والاستعمار. إن تجاوز هذا الإرث يقتضي الانتقال من منطق الدفاع ورد الفعل إلى منطق الإنتاج والمبادرة، ومن مركزية الهوية إلى مركزية الفعل التنموي والقيمي. وهو ما يتقاطع مع أطروحات عدد من الباحثين الذين دعوا إلى إسلام مدني يندمج في الدولة الحديثة دون أن يفقد مرجعيته الأخلاقية.

يتطلب هذا التحول، أولا، إرساء فصل وظيفي واضح بين المجال الدعوي والسياسي، بما يسمح لكل منهما بالعمل وفق منطقه الخاص دون تداخل يضر بالمصداقية أو الفعالية. كما يستدعي، ثانيا، الاستثمار في الإنتاج المعرفي عبر إنشاء مراكز تفكير قادرة على تقديم حلول علمية لمشكلات التنمية، مستفيدة من مناهج العلوم الاجتماعية والاقتصادية الحديثة، وهو ما يشكل شرطا أساسيا للانتقال من خطاب عام إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ. أما ثالثا، فيكمن في إعادة صياغة المشروع القيمي للحركات بحيث يتحول من خطاب هوياتي دفاعي إلى نموذج إيجابي يربط بين المرجعية الإسلامية وقيم العدالة والحرية والحكامة وحقوق الإنسان، في انسجام مع السياق الوطني والكوني.

إن أفق هذا السيناريو يتجاوز مجرد بقاء الحركات الإسلامية كفاعل سياسي، ليطرح إمكانية تحولها إلى مساهم فعلي في بلورة نموذج تنموي متجدد، قائم على التكامل بين القيم والفعالية. غير أن تحقق هذا الأفق يظل رهينا بقدرتها على إنتاج نخب جديدة تمتلك أدوات التفكير النقدي والخبرة التقنية، وعلى بناء جسور مع باقي الفاعلين السياسيين والفكريين، بعيدا عن منطق الاصطفاف الإيديولوجي الحاد. كما يتوقف على مدى استعدادها لتحمل كلفة المراجعة، بما في ذلك التخلي عن بعض المسلمات التي لم تعد قابلة للاستمرار.

في المحصلة لا يبدو مستقبل الحركات الإسلامية المغربية محسوما في اتجاه واحد، بل يتشكل في منطقة توتر بين الاستمرار والتغيير، بين المحافظة والتجديد. غير أن المؤكد هو أن السياق لم يعد يسمح بإعادة إنتاج الصيغ السابقة، وأن البقاء كفاعل مؤثر يمر حتما عبر إعادة تعريف الذات في ضوء تحولات الدولة والمجتمع. وفي هذا المعنى، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في اختيار أحد السيناريوهات الجاهزة، بل في القدرة على تركيب مسار خاص يجمع بين الواقعية السياسية والابتكار الفكري، بما يضمن لهذه الحركات موقعا فاعلا في مستقبل يتسم بدرجة عالية من السيولة والتعقيد.

إن مستقبل الحركات الإسلامية المغربية ليس قدرا محتوما، بل هو رهين بقدرتها على مغادرة مربع الأزمة التاريخية نحو رحاب البناء الاستراتيجي. إن التحول المطلوب ليس مجرد مناورة تكتيكية للبقاء، بل هو عملية إعادة تأسيس شاملة للعلاقة بين الفكر والممارسة، تتطلب شجاعة فكرية ونقدا ذاتيا عميقا. فالمغرب، بخصوصيته التاريخية والدينية، يوفر مختبرا فريدا لنجاح هذا التحول، شريطة أن تملك هذه الحركات الشجاعة الكافية للنقد الذاتي والانفتاح على آفاق الحداثة والقيم الكونية، دون التفريط في المرجعية الأخلاقية التي تشكل عمق هويتها. إن الفشل في هذا التجديد العميق قد يؤدي إلى تراجعٍ تاريخي للحركات، بينما النجاح سيضمن لها دورا محوريا في بناء مستقبل المغرب .

           
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع ذات صلة

من الدعوة إلى الأرشفة.. أزمة التوثيق في التجربة الإسلامية المغربية!

1 أبريل 2026 - 6:10 م

رغم الحضور الوازن الذي تمارسه الحركات الإسلامية بمختلف تياراتها (الإخوانية،    السلفية، الجهادية، الحركية…) في الحياة السياسية والاجتماعية والفكرية في العالم

تمكين النساء مدخل أساسي لإصلاح التزكيات الحزبية

31 مارس 2026 - 11:49 م

التزكيات الحزبية مرآة تعكس نضج الممارسة الديمقراطية، ومؤشر على قدرة الأحزاب السياسية على إنتاج نخب ذات مصداقية وكفاءة. ذلك أن

دبلوماسية بلا أدوات… أم أدوات بلا دبلوماسية؟

29 مارس 2026 - 10:53 م

راقني هذا العنوان الذي عرضته عليّ صحافية أجرت معي مقابلة حول الزاوية الدبلوماسية من الصراع الإسرائيلي- الأمريكي على إيران. راقني

عنصرية بلا استثناء: اليهود الشرقيون في عين الإهانة

29 مارس 2026 - 9:29 م

القاعدة عتيقة، عابرة للعصور والثقافات والأعراق والقارات، وضاربة الجذور في كثير من الفقه الحاخامي: أن يكون امرؤ ما يهودياً، تقول

المنظومة الحزبية بالمغرب بين معوقات التشبيب وآليات التجديد

29 مارس 2026 - 2:04 ص

عرضت القناة الثانية “دوزيم”، ليلة يوم الأربعاء 25 مارس، على الساعة التاسعة و25 دقيقة مساء، أولى حلقات البرنامج الحواري نصف

اختر مدينتك
الفجرالشروقالضهرالعصرالمغربالعشاء
الرطوبة : %
الرياح : km/h
°
°
°