كشفت تحقيقات أمنية وبيئية في إسبانيا عن نشاط شبكة متخصصة في إدخال كميات ضخمة من النفايات النسيجية القادمة من المغرب عبر ميناء الجزيرة الخضراء، مستغلة ثغرات في إجراءات الشحن والتصنيف الجمركي لإخفاء طبيعة المواد المنقولة.
ووفق المعطيات التي كشف عنها الحرس المدني الإسباني، كانت الشحنات تصل من مدينة طنجة ضمن الخطوط البحرية المنتظمة العابرة لمضيق جبل طارق، بعدما جرى التصريح بها على أنها ملابس مستعملة أو مواد قابلة لإعادة الاستخدام.
غير أن المحتوى الحقيقي للحاويات كان يتكون من بقايا نسيجية صناعية غير صالحة للاستعمال، تشمل مخلفات التنجيد وقطع الإسفنج ومواد تركيبية يصعب التخلص منها وفق المساطر القانونية بسبب تكلفتها المرتفعة.
وأظهرت التحقيقات أن ميناء الجزيرة الخضراء تحول خلال السنوات الأخيرة إلى إحدى أبرز نقاط دخول هذا النوع من النفايات إلى الأراضي الإسبانية، ضمن نشاط منظم يعتمد على شركات تعمل بواجهات قانونية قبل التخلي عن المخلفات في مستودعات أو أراضٍ مفتوحة.
ويعتمد هذا الأسلوب، المعروف لدى المحققين باسم “قنبلة الدخان”، على استئجار مستودعات صناعية وتعبئتها بأكياس ضخمة من النفايات النسيجية، ثم التخلي عنها دون معالجة أو مراقبة بيئية. ويؤدي ذلك إلى مخاطر متعددة تشمل تسرب الملوثات إلى التربة وارتفاع احتمالات اندلاع الحرائق.
وفي واحدة من أكبر القضايا التي تم الكشف عنها في المنطقة، باشرت السلطات الإسبانية تحقيقاً واسعاً منذ أغسطس 2024 امتد حتى فبراير الماضي، وأسفر عن إحالة أربعة مسؤولين ورجال أعمال إلى القضاء بتهم تتعلق بارتكاب جرائم خطيرة ضد البيئة.
وأفضت العملية إلى ضبط أكثر من ألفي طن من النفايات النسيجية نُقلت عبر 97 شحنة غير قانونية، كان مصدرها الرئيسي المغرب ودخلت إلى إسبانيا عبر ميناء الجزيرة الخضراء بشكل متكرر ومنظم.
ورصد المحققون عدة مواقع لتجميع هذه المخلفات في منطقة كامبو دي جبل طارق، من بينها مستودعات في تاراغويّا وكامبامينتو التابعة لبلدية سان روكي، إضافة إلى أراض مفتوحة في مدينة لا لينيا دي لا كونثبثيون استُخدمت لتخزين النفايات دون تراخيص قانونية.
كما كشفت التحقيقات عن مواقع أخرى مشابهة في المنطقة، حيث عُثر على أكوام كبيرة من بقايا الأقمشة والإسفنج الصناعي ومخلفات النسيج المتروكة في ظروف تفتقر إلى أدنى معايير السلامة البيئية، ما أثار مخاوف بشأن تلوث المياه الجوفية والتربة.
وتشير السلطات الإسبانية إلى أن الظاهرة لا تقتصر على هذه المنطقة فقط، بل تندرج ضمن مشكلة أوسع على المستوى الأوروبي. فقد صنفت عملية “كوستوس فيريديس” الدولية، التي شاركت فيها 71 دولة خلال عام 2025، إسبانيا كدولة منشأ وعبور واستقبال للنفايات غير القانونية، مع اعتبار موانئ الجزيرة الخضراء وبرشلونة وفالنسيا وسانتاندير من أبرز النقاط الحساسة.
وتؤكد التحقيقات أن الشركات المتورطة خالفت مجموعة من القوانين الأوروبية المتعلقة بنقل النفايات، من بينها اللوائح التي تمنع استيراد النفايات الصناعية من دول خارج الاتحاد الأوروبي دون موافقات رسمية مسبقة من السلطات المختصة في الدول المعنية.
وفي الوقت الذي اعتمد فيه الاتحاد الأوروبي تشريعات جديدة خلال عام 2025 لتشديد الرقابة على إدارة النفايات النسيجية وتحميل المنتجين جزءا أكبر من تكاليف معالجتها، ترى الجهات المختصة أن هذه الإجراءات قد لا تكون كافية للقضاء على الظاهرة، في ظل الأرباح الكبيرة التي تحققها شبكات التهريب واستمرار محاولات الالتفاف على القوانين البيئية المعمول بها.


تعليقات الزوار ( 0 )