
ليست القضايا التي تنفجر فجأة في الفضاء العمومي سوى أعراض لاحتقان أعمق تتراكم فيه التوترات بين السلطة والوساطة، وبين من يملك القرار ومن يملك الكلمة وبين من يحتكر أدوات الإكراه ومن يشتغل في مجال الدفاع والاعتراض، فحين تتحول اللغة القانونية إلى مادة للتجييش ويستدعى المواطن بوصفه كتلة شعورية لا ذاتا عاقلة نكون أمام لحظة انكشاف بنيوي لا لخلل عابر، ونصبح منطق اشتغال كامل يقوم على تحويل النقاش العمومي من مجال للعقلانية إلى مسرح للانفعال.
لقد نبه إميل دوركهايم إلى أن المجتمعات لا تنهار حين تغيب القواعد فقط بل حين تفقد القواعد معناها الأخلاقي، وحين تنفصل القاعدة القانونية عن شعور الأفراد بالعدالة، ومن هذا المنظور فإن أي خطاب يدعي حماية أموال المواطنين بينما يتغاضى عن البنية التي تنتج الإثراء الفاحش غير المبرر، إنما يعمق هذا الانفصال ويراكم ما سماه دوركهايم الأنومي أي فقدان المعايير الجامعة.
إن استدعاء أموال المواطنين في سياق صراع مهني ليس سوى تقنية خطابية كلاسيكية وصفها ميشيل فوكو بدقة حين تحدث عن اقتصاد الحقيقة، حيث لا تنتج الحقيقة باعتبارها مطابقة للواقع بل باعتبارها ما يخدم توازنات القوة السائدة، فالحقيقة في هذا المنطق لا تقاس بمدى قانونيتها بل بمدى قابليتها للتداول والتأثير والإقناع، وهكذا تتحول الوديعة القانونية المحكومة بنصوص واضحة وإجراءات صارمة إلى رمز أخلاقي فضفاض يستعمل لإعادة ترتيب مشاعر الغضب والريبة.
لقد كان بيير بورديو أكثر صراحة حين أكد أن أخطر أشكال الهيمنة هي تلك التي تمارَس باسم الأخلاق، لأن الأخلاق حين تفصل عن بنيتها الاجتماعية تتحول إلى أداة إدانة انتقائية، وما يحدث هنا ليس دفاعا عن المواطن بل إعادة توجيه لغضبه نحو فاعل قريب ومكشوف، بدل توجيهه نحو بنى معقدة ومحصنة، فالمحامي بحكم موقعه الوسيط هو الحلقة الأضعف رمزيا والأسهل شيطنة، رغم كونه في العمق أحد أعمدة توازن السلطة.
وقد كتب مونتسكيو في مؤلفه روح التشريعات والقوانين أن السلطة تميل بطبعها إلى التوسع ولا يحدها إلا سلطة مضادة، وهذه السلطة المضادة لا تكون فقط في المؤسسات بل في الأجسام الوسيطة وفي مقدمتها مهنة المحاماة، وحين تستهدف هذه المهنة خطابيا فإن الاستهداف لا يطال أشخاصا بل يطال فكرة الدفاع ذاتها ويطال حق المواطن في أن لا يكون أعزل أمام الدولة.
وأما المفارقة التي لا يمكن القفز عليها فهي أن الخطاب الذي يضخم مسألة ودائع منظمة قانونا هو ذاته الذي انسحب أمام مشروع قانون الإثراء غير المشروع، وهنا نستحضر تحليل نوربرتو بوبيو الذي ربط بين الديمقراطية والشفافية معتبرا أن الدولة الحديثة لا تقاس فقط بوجود القوانين، بل بجرأتها في مساءلة من يمسكون بمفاصل الثروة والقرار، فالإثراء غير المشروع كما يؤكد فقهاء القانون الجنائي مثل مارك أنسيل وجان برادل وكونستانتان فاسيليفسكي ليس اعتداء على قرينة البراءة بل هو آلية عقلانية لضبط التفاوت غير المشروع بين الدخل المشروع ونمط العيش الفعلي اعتمادا على قرائن قوية قابلة للدحض.
وقد ذهب الفقيه الإيطالي لويجي فيراجولي إلى أبعد من ذلك حين اعتبر أن مكافحة الفساد ليست مسألة أخلاقية بل مسألة ضمانات مؤسساتية، وأن غياب آليات المساءلة الفعالة يفرغ دولة القانون من مضمونها مهما بلغت دقة نصوصها، ومن هنا فإن التراجع عن قانون الإثراء غير المشروع بذريعة صعوبة الإثبات أو حماية قرينة البراءة، ليس سوى انسحاب من معركة جوهرية واختيار واع لإدارة الصراع في هوامشه بدل قلبه.
إن الأموال التي أُثير حولها هذا الجدل ليست مجهولة المصير ولا سائبة بين أيدي الأفراد، بل هي ودائع خاضعة لنصوص قانونية دقيقة ولمسطرة صارمة ولا تصرف إلا برضى الأطراف وبمقتضى إجراءات موثقة، لكن الخطاب الشعبوي كما يشرح غوستاف لوبون في كتابه سيكولوجية الجماهير لا يبحث عن الحقيقة بل عن الأثر، ولا عن البرهان بل عن الصورة، وحين تختزل القضايا المعقدة في ثنائيات أخلاقية مبسطة يصبح من السهل تعبئة الجماهير ومن الصعب مساءلة السلطة.
وهنا يحضر أنطونيو غرامشي بقوة حين تحدث عن الهيمنة بوصفها قدرة على جعل رؤية معينة للعالم تبدو طبيعية وبديهية، فالهيمنة لا تمارَس بالقمع فقط بل بإقناع المحكومين بأن ما يقال لهم هو الحقيقة الوحيدة الممكنة، وفي هذا السياق يصبح تحويل النقاش من الفساد البنيوي إلى ودائع قانونية، ومن مساءلة الثروة إلى التشكيك في الوساطة جزءا من استراتيجية إعادة إنتاج السيطرة الرمزية.
وقد كتب بول ريكور أن العدالة ليست مجرد تطبيق للنص بل هي فعل اعتراف، فهي اعتراف بكرامة الأطراف وبحقهم في الفهم لا في التضليل، وكل خطاب يتعامل مع المواطن ككتلة انفعالية لا كذات عاقلة هو خطاب يهين ذكاءه حتى وإن ادعى الدفاع عنه، فالمواطن لا يحتاج إلى من يحرضه بل إلى من يحترمه ولا يحتاج إلى شعارات بل إلى مؤسسات قوية وقوانين شجاعة.
إن الأمر لا يتعلق الأمر بصراع بين وزير ومحامين ولا بين سلطة ومهنة، بل بصراع بين منطقين، فهناك منطق يدير الأزمات بالإلهاء ومنطق آخر يواجهها في جذورها، والدفاع الحقيقي عن المواطن لا يكون بتبسيط مخل ولا بإثارة الريبة بل بإعادة الاعتبار للمساءلة وبحماية الأجسام الوسيطة وبالجرأة في مواجهة الإثراء غير المشروع أينما كان. وكل ما عدا ذلك مهما بدا أخلاقيا ليس سوى ضجيج يغطي على صمت أكثر خطورة.




تعليقات الزوار ( 0 )