في ظل المشهد الجيوسياسي الراهن، الموسوم بتصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وفشل أولى جولات التفاوض المباشر، ومع احتدام صراع يتجاوز أبعاد الحرب التقليدية ليتحول إلى ما يمكن وصفه بـ”حرب المعابر التجارية”، يصبح استحضار أدوات تحليل الاقتصاد السياسي الدولي ضرورة لفهم أعمق لطبيعة هذا النزاع.
هذا الامتداد يعكس بوضوح عودة مبادئ النظرية الميركانتيلية، التي تركز على تعظيم قوة الدولة وثروتها من خلال التحكم في سلاسل التجارة والموارد الاستراتيجية، مثل النفط الذي حلّ محل الذهب بوصفه مقياسًا للقوة. إن فهم هذا الصراع من منظور ميركانتيلي يكشف عن دوافع اقتصادية عميقة تقف وراء التنافس الجيوسياسي، خاصة بين الولايات المتحدة والصين، حيث باتت واشنطن تستهدف، بشكل غير مباشر، مصادر الطاقة الموجهة نحو بكين، منذ التحركات في فنزويلا وصولًا إلى التوترات في الشرق الأوسط.
ويبرز من خلال هذا السياق كيف أصبحت الممرات المائية الدولية نقاطًا محورية في صراع القوى العالمية، إذ تسعى كل دولة إلى تأمين مصالحها الاقتصادية الحيوية وضمان نفوذها التجاري عبر السيطرة على الموارد والمنافذ الاستراتيجية.
الميركانتيلية، وهي نظرية اقتصادية سادت بين القرنين السادس عشر والثامن عشر، تُعرّف بأنها نظام اقتصادي قومي يهدف إلى زيادة ثروة الدولة وتعزيز قوتها من خلال تحقيق فائض تجاري بين الصادرات والواردات، بما يعزز مداخيلها من الذهب والمعادن النفيسة. غير أن “الذهب الأسود” اليوم، أي النفط، أصبح بديلاً عن الذهب التقليدي، ومؤشرًا رئيسيًا على مكانة الدول في خريطة الاقتصاد العالمي.
وقد تطورت هذه النظرية إلى ما يُعرف بـ”النيو-ميركانتيلية”، حيث تسعى الدول إلى حماية مصالحها الاقتصادية الاستراتيجية، وضمان سيادتها الاقتصادية، بما في ذلك الوصول الآمن إلى الموارد والتحكم في طرق التجارة الحيوية، حتى ولو تطلب ذلك اللجوء إلى أدوات الصراع أو الحرب.
وكما تشير أنجيليكي فرانغو، الرئيسة التنفيذية لشركة Navios Maritime Partners، فإن “كل شيء يدور حول الأمن القومي، إنه يدور حول الميركانتيلية”، مضيفة أن “كفاءة السوق في ظل العولمة والتعريفات المنخفضة ليست وحدها المحدد لهذه المعادلة”. هذا التصور يضع الأمن الاقتصادي في صلب الأمن القومي، ويحوّل المعابر البحرية، مثل مضيق هرمز وباب المندب، إلى ساحات تنافس جيوسياسي ومواجهة مباشرة وغير مباشرة بين القوى الكبرى.
ويُبرز الصراع الأمريكي–الإيراني باعتباره جزءًا من صورة أوسع تخفي وراءها تحديات أعمق تواجه الاقتصاد العالمي. فأهمية مضيق هرمز تكمن في كونه شريانًا حيويًا لتجارة النفط العالمية، ومسارًا لوجستيًا أساسيًا لاقتصادات دول الخليج.
إن تلويح إيران بإغلاق المضيق، أو تعطيل الملاحة فيه عبر توظيف موقعها الجغرافي، لا يندرج فقط ضمن منطق التهديد، بل يمثل ورقة ضغط اقتصادية وسياسية في مواجهة الضغوط الأمريكية، خاصة في ظل العقوبات المفروضة على خلفية البرنامجين النووي والبالستي، وما يثيرانه من قلق لدى حلفاء واشنطن في المنطقة.
هذا السلوك من الطرفين يعكس عقلية ميركانتيلية واضحة، تسعى إلى تعظيم القوة التفاوضية وتقليص هامش مناورة الخصم.
ولفهم أعمق لطبيعة الصراع، تجدر الإشارة إلى أن مضيق هرمز لا يمر عبره سوى نحو 7% من واردات النفط الخام الأمريكية، وأقل من 10% من واردات الغاز الأوروبية، لكنه يمثل شريانًا لما يقارب نصف واردات الصين من الطاقة. ورغم ذلك، فإن أي اختلال في هذا الممر الحيوي ينعكس سلبًا على سلاسل القيمة العالمية، حتى وإن كان تأثيره المباشر على الولايات المتحدة محدودًا نسبيًا.
وفي هذا السياق، تعمل واشنطن على ضمان حرية الملاحة، خصوصًا لناقلات النفط، حفاظًا على استقرار النظام التجاري العالمي الذي يخدم، في نهاية المطاف، هيمنتها الاقتصادية والسياسية.
ولا يقتصر هذا التنافس على النفط فحسب، بل يمتد إلى مختلف السلع التي تعبر هذه الممرات، مما يجعل السيطرة عليها عاملًا حاسمًا في تحديد الفاعل الأكثر تأثيرًا في موازين القوى الاقتصادية العالمية.






تعليقات الزوار ( 0 )