أبرزت مجلة “أتالايار” الإسبانية دلالات أكاديمية ودبلوماسية متنامية لخطة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب كحل لنزاع الصحراء، وذلك في أعقاب ندوة دولية نظمتها المؤسسة الدولية من أجل السلام والتنمية المستدامة عبر تقنية التناظر المرئي.
والندوة التي جمعت باحثين ودبلوماسيين من المكسيك والمغرب، لم تكتف بمناقشة الأبعاد القانونية والسياسية للمبادرة، بل قدمتها كنموذج محتمل للاستقرار الإقليمي والتنمية المستدامة، في سياق دولي يتسم بتشابك الأزمات الأمنية والاقتصادية.
والتقرير أظهر أن الاهتمام الأكاديمي اللاتيني بقضية الصحراء المغربية لم يعد هامشياً، بل بات جزءاً من نقاش أوسع حول إعادة تموضع المكسيك جيوسياسياً وانفتاحها على أفريقيا، مع اعتبار المبادرة المغربية أرضية اختبار لخيارات جديدة في إدارة النزاعات الإقليمية.
#POLÍTICA | #México y #Marruecos destacan el Plan de Autonomía como modelo de estabilidad regional
Por Ignacio Ortizhttps://t.co/BIA81M3NlA
— Atalayar (@Atalayar_) February 14, 2026
-دينامية أكاديمية
الندوة الدولية التي عقدت مطلع فبراير شكلت منصة علمية لتحليل المبادرة المغربية من زوايا متعددة، سياسية واقتصادية واجتماعية.
وتولى إدارة النقاش كل من الباحثة المغربية الدكتورة أمينة المكاوي والأكاديمي المكسيكي الدكتور خوسيه إسرائيل هيريرا، في إطار حوار علمي هدفه تفكيك مضامين الخطة كما قُدمت داخل منظومة الأمم المتحدة.
والاهتمام الواسع الذي رافق الإعلان عن الندوة، حيث سجلت نسب مشاهدة مرتفعة على وسائل التواصل، ما عكس وفق المنظمين، تحول القضية إلى موضوع نقاش داخل الأوساط الأكاديمية في أميركا اللاتينية، خاصة في ظل سعي الجامعات ومراكز البحث إلى فهم التفاعلات الجيوسياسية في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل.
وهذا الزخم العلمي يعكس اتجاهاً نحو ما يعرف بالدبلوماسية الأكاديمية، حيث تصبح الندوات والبحوث المشتركة أدوات لتقريب وجهات النظر وبناء جسور معرفية قد تسبق أو تواكب التحولات في السياسات الرسمية.
-نموذج الحكم
عدد من الأكاديميين المكسيكيين المشاركين وصفوا مبادرة الحكم الذاتي بأنها مقاربة “واقعية واستراتيجية”، تجمع بين الحفاظ على السيادة الوطنية وتوسيع صلاحيات التدبير المحلي.
وجرى التأكيد على أن هذا النموذج يستند إلى منطق اللامركزية الديمقراطية، بما يسمح بإشراك الفاعلين المحليين في اتخاذ القرار التنموي.
وربط المتدخلون بين الخطة وأهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، معتبرين أنها تحاول التوفيق بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والاستدامة البيئية داخل الأقاليم الجنوبية.
ووفق هذا الطرح، فإن الحكم الذاتي لا يقدم فقط كحل سياسي، بل كإطار حوكمة قادر على تحفيز التنمية وتقوية المؤسسات المحلية.
وبعض الباحثين ذهبوا أبعد من ذلك، معتبرين أن التجربة المغربية قد تشكل مرجعاً في حالات نزاعات إقليمية طويلة الأمد، حيث يصبح الحل التوافقي القائم على تقاسم الصلاحيات بديلاً عن منطق الصفرية السياسية.
-تقارب استراتيجي
من أبرز محطات النقاش مداخلة السفير المكسيكي السابق لدى الرباط، أندريس أوردونييث، الذي شبه المكسيك والمغرب بـ“دولتين مرآتين تديران ظهرهما لبعضهما”، في إشارة إلى تشابه المسارات التاريخية والاقتصادية مقابل محدودية التعاون الثنائي.
أوردونييث رأى في ملف الصحراء ومبادرة الحكم الذاتي فرصة لإعادة نظر المكسيك في علاقتها بالقارة الإفريقية، عبر بوابة الشراكة مع المغرب.
وهذا التوجه بحسبه، قد يفتح أمام المكسيك أسواقاً ناشئة وموارد استراتيجية، ويمنحها موقعاً أكثر حضوراً في فضاء جيوسياسي يشهد تحولات متسارعة.
وأجمع المشاركون على أن ضعف الحضور المكسيكي في إفريقيا يمثل فرصة غير مستغلة، وأن التعاون الأكاديمي والمدني يمكن أن يلعب دوراً تمهيدياً لبناء شراكات اقتصادية ودبلوماسية أوسع.
-تنمية الصحراء
المداخلات المغربية ركزت على عرض مؤشرات التنمية في الأقاليم الجنوبية، من بنية تحتية ومشاريع الطاقات المتجددة إلى الاقتصاد الأزرق والفلاحة.
وتم تقديم هذه المشاريع كدليل على توجه استراتيجي لتحويل المنطقة إلى قطب اقتصادي يربط الأطلسي بعمقه الأفريقي.
وباحثون مكسيكيون زاروا المنطقة، أشاروا إلى أن تصور الحكم الذاتي كما يطرح، يتوافق في تقديرهم مع معايير الحوكمة الديمقراطية واحترام الحقوق الأساسية، وهو محور أثار نقاشاً موسعاً خلال الندوة، خاصة فيما يتعلق بضمان التوازن بين اللامركزية ووحدة الدولة.
وهذا البعد التنموي طرح باعتباره مكملاً للمسار السياسي، على أساس أن الاستقرار لا ينفصل عن خلق فرص اقتصادية وتحسين شروط العيش.
-بُعد إقليمي
النقاش لم يقتصر على الإطار الثنائي، بل امتد إلى الانعكاسات الإقليمية للمبادرة، خصوصاً في ظل هشاشة منطقة الساحل وتصاعد التهديدات الإرهابية وشبكات الجريمة العابرة للحدود.
والمشاركون رأوا أن نموذجاً مستقراً للحكم المحلي، مدعوماً بالاستثمار والتنمية، يمكن أن يشكل عامل توازن في محيط مضطرب.
وجرى التأكيد على أن الإمكانات الطاقية والمعدنية للمنطقة، إذا اقترنت بالاستقرار المؤسساتي، قد تسهم في تعزيز الأمن الطاقي والغذائي لبلدان أفريقية عدة، وهو ما يمنح المبادرة بعداً يتجاوز حدود النزاع المحلي.
-توصيات مشتركة
الندوة خلصت إلى حزمة توصيات ركزت على تحويل الحوار الأكاديمي إلى مسارات تعاون ملموسة، ومن أبرزها تكثيف برامج التبادل الجامعي، وإطلاق مشاريع بحث مشتركة حول الحوكمة والتنمية المستدامة، إضافة إلى تشجيع الشراكات الاقتصادية في مجالات الطاقات المتجددة والزراعة والتكنولوجيا.
وشدد المشاركون على دور المجتمع المدني ومراكز الفكر في الحفاظ على قنوات الحوار، حتى في فترات الجمود الدبلوماسي، مع الدعوة إلى تطوير استراتيجيات تواصل إعلامي لتعريف الرأي العام بطبيعة المبادرة وآفاق التعاون المكسيكي–المغربي.
-أفق مشترك
تقييم المنظمين أشار إلى أن الندوة نجحت في خلق فضاء نقاش رصين حول قضية حساسة جيوسياسياً، وأن التفاعل الواسع معها يعكس وجود اهتمام متزايد ببناء أجندة تعاون عابرة للأقاليم.
والطموح المعلن هو تحويل النقاش الأكاديمي إلى مبادرات عملية تُعزز الفهم المتبادل وتدعم مسارات التنمية والاستقرار.
وفي المحصلة، يبرز التقرير أن طرح الحكم الذاتي، كما جرى تناوله في هذا الإطار الأكاديمي، يتجاوز كونه مقترحاً سياسياً ليصبح نقطة التقاء بين رؤى تنموية واستراتيجية، قد تفتح الباب أمام إعادة تشكيل علاقات المكسيك بالمجال الأفريقي، في نموذج يسعى إلى الربط بين تسوية النزاعات وبناء الاستقرار الإقليمي.



تعليقات الزوار ( 0 )