يبرز المغرب كواحد من أبرز النماذج العالمية في مجال التعايش الديني والتعددية الثقافية، مستندًا إلى إرث تاريخي طويل وسياسات مؤسساتية رسخت قيم الانفتاح واحترام التنوع داخل المجتمع. وفي وقت تواجه فيه العديد من الدول تحديات مرتبطة بالانقسامات الدينية والثقافية، يواصل المغرب تقديم تجربة تقوم على التوازن بين الهوية الوطنية والتنوع الحضاري.
وأكد عبد الرحمن ناجي، المدير بالإذاعة والتلفزة المغربية، في مقال نشره موقع “ذا ناشيونال”، أن ما يُعرف بـ”النموذج المغربي” في التعايش ليس مجرد شعار أو صورة ترويجية، بل واقع متجذر في البنية الدستورية للمملكة وفي ممارساتها اليومية، مشيرًا إلى أن المغرب نجح في بناء مجتمع تتعايش فيه الأديان والثقافات والتقاليد المختلفة ضمن إطار من الاحترام المتبادل والاستقرار الاجتماعي.
ويستند هذا النموذج إلى تاريخ عريق جعل من المملكة أرضًا لاستقبال مختلف المكونات الثقافية والدينية. فقد شكل المغرب ملاذًا للجاليات اليهودية عبر قرون، خاصة بعد وصول اليهود السفارديم الذين غادروا إسبانيا أواخر القرن الخامس عشر، ليستقروا في مدن مغربية عدة مثل فاس ومكناس وتطوان، حيث ساهموا في الحياة الاقتصادية والثقافية للمملكة.
كما ارتبط هذا الإرث بمواقف تاريخية بارزة، من بينها موقف الملك الراحل محمد الخامس خلال الحرب العالمية الثانية، عندما رفض التمييز بين المواطنين على أساس الدين، مؤكدًا وحدة الشعب المغربي بمختلف مكوناته، وهو الموقف الذي ما زال يُستحضر كأحد أبرز محطات الذاكرة الوطنية.
وتلعب المؤسسة الملكية دورًا محوريًا في تعزيز الاستقرار الديني وترسيخ قيم الاعتدال. ويحمل الملك محمد السادس صفة أمير المؤمنين، وهي مسؤولية دينية تكرس حماية حرية المعتقد وضمان التعايش بين مختلف الأديان داخل المملكة.
وفي هذا الإطار، اعتمد المغرب مقاربة تقوم على نشر الإسلام الوسطي المستند إلى المذهب المالكي والتقاليد الصوفية، إلى جانب تحديث مناهج التعليم الديني، وتكوين المرشدين والمرشدات الدينيات، وإنشاء معهد محمد السادس لتكوين الأئمة الذي يستقبل طلبة وباحثين من دول إفريقية وأوروبية لنشر قيم الاعتدال والحوار.
وتعكس الهوية المغربية مزيجًا حضاريًا متنوعًا تشكل عبر قرون من التفاعل بين مكونات متعددة. فالجذور الأمازيغية تمثل أحد الأعمدة الأساسية للشخصية المغربية، إلى جانب البعد العربي الإسلامي الذي أسهم في توحيد المجال الثقافي واللغوي. كما أضاف المكون الحساني الصحراوي خصوصيته الاجتماعية والثقافية، بينما أسهم الإرث الأندلسي في إثراء الفنون والعمارة والموسيقى وأنماط العيش داخل المدن المغربية.
وجاء دستور عام 2011 ليعزز هذا التوجه من خلال الاعتراف الرسمي بتعدد روافد الهوية المغربية. فقد نصت ديباجة الدستور على أن الوحدة الوطنية تستند إلى مكونات عربية إسلامية وأمازيغية وصحراوية حسانية، وتتغذى كذلك من الروافد الإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية، بما يكرس إطارًا قانونيًا لحماية التنوع الثقافي والديني.
ولا يقتصر التعايش في المغرب على النصوص القانونية، بل يتجسد في الواقع اليومي داخل العديد من المدن التاريخية، حيث تتجاور المساجد والكنائس والمعابد اليهودية في مشهد يعكس قرونًا من التفاعل المشترك بين مختلف المكونات الدينية.
وتعد مدينة الصويرة من أبرز النماذج التي تجسد هذا الإرث، حيث تحتضن فضاءات ثقافية وتاريخية تعكس تاريخ التعايش بين المسلمين واليهود. كما أصبحت المدينة منصة للأنشطة الثقافية والفنية التي تحتفي بالموروث الأندلسي المشترك وتدعم الحوار بين الثقافات.
وعلى المستوى الدولي، عزز المغرب حضوره في قضايا الحوار بين الأديان وحماية الأقليات الدينية. فقد احتضنت المملكة مبادرات ومؤتمرات دولية بارزة، من بينها إعلان مراكش الذي دعا إلى تعزيز حقوق الأقليات الدينية في الدول ذات الأغلبية المسلمة، كما شكلت زيارة البابا فرنسيس إلى المغرب محطة مهمة أكدت المكانة التي تحظى بها المملكة في مجال الدبلوماسية الدينية.
ويواصل المغرب ترسيخ هذا النموذج عبر برامج إصلاحية ومبادرات مؤسساتية تهدف إلى صون الذاكرة المشتركة وتعزيز قيم المواطنة. وتشمل هذه الجهود إدماج اللغة الأمازيغية في المؤسسات التعليمية والإدارية، إلى جانب مشاريع واسعة لترميم المعابد اليهودية والمقابر التاريخية والمدن العتيقة، حفاظًا على الشواهد المادية التي توثق تاريخ التعايش داخل المملكة.
وتؤكد التجربة المغربية أن إدارة التنوع لا تقوم على مجرد قبول الاختلاف، بل على تحويله إلى عنصر قوة يساهم في بناء مجتمع متماسك وهوية وطنية منفتحة قادرة على التفاعل مع مختلف الثقافات والأديان، مع الحفاظ على خصوصيتها الحضارية والتاريخية.




تعليقات الزوار ( 0 )