في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها سياسات الهجرة داخل الاتحاد الأوروبي، عاد ملف ترحيل المهاجرين غير النظاميين إلى صدارة النقاش العمومي والسياسي، مدفوعًا بصعود الخطابات الداعية إلى تشديد الرقابة على الحدود وتسريع إجراءات الإبعاد، وبينما تقدم الحكومات الأوروبية هذه الإجراءات باعتبارها جزءًا من استراتيجيات مكافحة الهجرة غير النظامية، يثير تنامي قرارات الترحيل تساؤلات متزايدة حول فعاليتها الفعلية وحدود تأثيرها على الظاهرة الهجرية.
وفي هذا السياق، تكتسب العلاقة بين المغرب والاتحاد الأوروبي أهمية خاصة بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي الذي يحتله المغرب ضمن منظومة تدبير الهجرة في الفضاء الأورو-متوسطي، فالمملكة ليست فقط بلدًا للمهاجرين المستهدفين بقرارات الإبعاد، بل تعد أيضًا شريكًا رئيسيًا في مراقبة الحدود وإدارة تدفقات الهجرة، وهو ما يجعل أي تحول في السياسات الأوروبية محملاً بانعكاسات سياسية واجتماعية وجيوسياسية تتجاوز الأرقام والإحصائيات.
تصاعد الأرقام
في ورقة تحليلية جديدة أعدها الباحث المتخصص في قضايا الهجرة واللجوء حسن بنطالب، ونشرتها منصة “ميغرابريس” بشراكة مع مختبر الدراسات الإفريقية للهجرة (LemAfri)، تم رصد ارتفاع ملحوظ في قرارات وإجراءات ترحيل المواطنين المغاربة من عدد من دول الاتحاد الأوروبي خلال السنوات الأخيرة.
وتشير المعطيات إلى أن ألمانيا سجلت ارتفاعًا بنسبة 75 في المائة في عمليات الإبعاد بين سنتي 2022 و2025، فيما ارتفعت عمليات الترحيل نحو المغرب من فرنسا بنسبة 20.7 في المائة خلال سنة واحدة، كما سجلت بلجيكا بدورها زيادة ملحوظة في عدد الإبعادات.
وتوضح الدراسة أن هذا المنحى التصاعدي يعكس توجها أوروبيا عاما نحو تشديد سياسات العودة والإبعاد، غير أن درجة التشدد تختلف من دولة إلى أخرى بحسب السياقات السياسية الداخلية ومستوى التعاون القائم مع بلدان المنشأ، وعلى رأسها المغرب.
كما تؤكد أن الارتفاع المسجل لا يعني بالضرورة نجاحا أكبر لسياسات الترحيل، بقدر ما يعكس رغبة متزايدة لدى الحكومات الأوروبية في إظهار الحزم أمام الرأي العام الداخلي.
فجوة التنفيذ
رغم الزيادة الكبيرة في قرارات الإبعاد، تكشف الدراسة عن مفارقة أساسية تتمثل في ضعف معدلات التنفيذ الفعلي، فخلال الربع الأخير من سنة 2024 أصدرت دول الاتحاد الأوروبي نحو 125 ألف قرار بالترحيل، بينما لم يتم تنفيذ سوى حوالي 28 ألفا و630 حالة، أي بمعدل لا يتجاوز 23 في المائة.
ويرى الباحث أن هذه الفجوة ليست نتيجة قصور إداري فقط، بل تعكس طبيعة بنيوية في سياسات الإبعاد الأوروبية، إذ تبقى عمليات الترحيل مرتبطة بشكل مباشر بتعاون بلدان المنشأ في تسليم الوثائق القنصلية والتأكد من هوية المرحلين.
ومن ثم فإن نجاح سياسات العودة لا تحدده الإجراءات الأمنية أو التشريعات الصارمة وحدها، بل يرتبط بدرجة أكبر بالعلاقات الدبلوماسية والتفاهمات السياسية بين الاتحاد الأوروبي والدول المعنية.
ميثاق جديد
تتوقف الورقة التحليلية عند تداعيات الميثاق الأوروبي الجديد للهجرة واللجوء، الذي يشكل منعطفًا مهمًا في مقاربة الاتحاد الأوروبي لقضايا الهجرة.
ومن أبرز ما يتيحه هذا الميثاق توسيع مساطر المعالجة السريعة للطلبات، وتقليص آجال البت في ملفات اللجوء، فضلا عن تعزيز إمكانيات الإعادة والترحيل.
وتشير الدراسة إلى أن إدراج المغرب ضمن قائمة “الدول الآمنة” يكتسي أهمية خاصة، لأنه يسمح للسلطات الأوروبية بالتعامل مع طلبات اللجوء المقدمة من مواطنين مغاربة على أساس افتراض مسبق بعدم استحقاقها للحماية الدولية، ما يسرع إجراءات الرفض والإعادة.
وترى الورقة أن هذا التوجه يحمل أبعادًا قانونية وإنسانية معقدة، خاصة بالنسبة للحالات الفردية المرتبطة بأوضاع هشاشة أو ملاحقة لا تنعكس بالضرورة في التصنيفات العامة للدول.
تصدير الحدود
من أبرز الخلاصات التي تتوقف عندها الدراسة تنامي ما يعرف بسياسات “تصدير الحدود”، حيث تسعى الدول الأوروبية إلى نقل جزء من مهام مراقبة الهجرة إلى دول جنوب المتوسط، ويعد المغرب أحد أهم الشركاء في هذه المقاربة بالنظر إلى موقعه الجغرافي ودوره في مراقبة طرق الهجرة نحو أوروبا.
وتوضح الورقة أن الاتحاد الأوروبي لم يعد يكتفي بحماية حدوده الداخلية، بل يعمل على توسيع نطاق الرقابة ليشمل دول العبور والمنشأ عبر برامج التعاون الأمني وتمويل أنظمة المراقبة واتفاقيات إعادة القبول.
وترى أن هذا التحول قد يجعل المغرب أكثر اندماجًا في منظومة الحكامة الهجرية الأوروبية، بما يفرض عليه تحديات متزايدة تتعلق بالتوازن بين التعاون الدولي والحفاظ على استقلالية قراراته السيادية.
رهانات مغربية
بحسب حسن بنطالب، يجد المغرب نفسه في موقع معقد يجمع بين ثلاث صفات متداخلة؛ بلد منشأ للمهاجرين، وبلد عبور للهجرة الإفريقية، وشريك استراتيجي للاتحاد الأوروبي في إدارة الحدود.
وأبرز الباحث أن هذه الوضعية تضع الرباط أمام ضغوط متزايدة لتسريع إجراءات إعادة القبول واستقبال المرحلين، مع المحافظة في الوقت نفسه على مصالحه الدبلوماسية والاقتصادية.
كما تنبه الدراسة إلى أن عودة أعداد متزايدة من المهاجرين المرحلين قد تطرح تحديات اجتماعية واقتصادية داخلية، خاصة في ظل محدودية برامج الإدماج وإعادة الإدماج المهني.
ولفتت إلى أن عددًا من المرحلين راكموا تجارب مهنية وشبكات اجتماعية في أوروبا، وقد يواجهون صعوبات حقيقية في إعادة الاندماج داخل سوق الشغل المغربي، ما يفرض التفكير في سياسات مواكبة أكثر فعالية.
أسئلة مفتوحة
تشير الورقة إلى أن تشديد سياسات الترحيل لا يعني بالضرورة الحد من الهجرة غير النظامية، إذ لا توجد أدلة قاطعة على وجود علاقة مباشرة بين ارتفاع معدلات الإبعاد وتراجع تدفقات الهجرة.
وأبرزت أن الإحصائيات الرسمية لا تقدم صورة كاملة عن مصير الأشخاص المرحلين بعد عودتهم، ولا عن احتمالات إعادة هجرتهم في المستقبل.
وأكدت الدراسة أن التحولات الجارية تتجاوز البعد الأمني أو الإداري الضيق، لتلامس أسئلة أعمق تتعلق بمستقبل العلاقات المغربية الأوروبية، وحدود السيادة في تدبير الهجرة، وموقع المغرب داخل هندسة الحكامة الهجرية الجديدة التي تتشكل بين أوروبا وإفريقيا.
وفي هذا السياق، يظل السؤال المركزي المطروح هو كيفية توفيق المغرب بين أدواره المتعددة كشريك أمني، وبلد منشأ، وبلد عبور، دون أن تتحول إحدى هذه الوظائف إلى عبء استراتيجي على حساب مصالحه الوطنية.



تعليقات الزوار ( 0 )