في أمسية فكرية استثنائية احتضنتها مدينة القنيطرة ضمن اللقاء الافتتاحي لصالون البروفيسورة مريم آيت أحمد الفكري تقاطعت الرؤى وتشابكت الهواجس حول مستقبل الإنسانية في العصر الرقمي.
وهناك وسط نقاشات النخبة ألقى الخبير التربوي الدكتور محمد الدريج بحجر ثقيل في بركة الوعي الجمعي حين حذر بوضوح من شبح الكولابس أو الانهيار الرقمي الشامل.
وقد بنى الدكتور الدريج مقاربته الاستشرافية الصادمة على خلل جوهري في بنية هذه التقنيات التي لا تنتج معرفة جديدة بل تعمد إلى إعادة تدوير المعرفة البشرية السابقة.
وهذا المسار الاستهلاكي سيقودنا حتما إلى لحظة يغص فيها الفضاء الرقمي بالنفايات لتعجز أجيال الذكاء الاصطناعي اللاحقة عن إيجاد مادة نقية للتعلم فتهلك الآلة ذاتها وتجر معها منظومتنا الحضارية نحو انهيار عظيم.
ولعل هذا الطرح التشخيصي العميق يدفعنا لتأمل المشهد التقني الراهن الذي يبدو في ظاهره آمنا بفضل خضوع تطبيقات الذكاء الاصطناعي لضمير مبرمج وحد أدنى من خطوط أخلاقية حمراء.
فهذه الحواجز البرمجية هي التي تمنع الآلة اليوم من تقديم إرشادات لصناعة المتفجرات أو توليد محتوى مزيف يحض على الكراهية مما يحافظ على بعض القيم الكونية.
لكن سباق التسلح التكنولوجي المحموم يضعنا أمام تساؤل مرعب حول السيناريو المحتمل لو قررت جهة ما إطلاق نموذج ذكاء اصطناعي غير مقيد، متجرد من أي رقابة.
فظهور كيان رقمي يتمتع بقدرات فائقة وعمى أخلاقي خالص لن يعيد صياغة مفهوم الحرب التقليدية بل سيبتكر أساليب تدمير غير مسبوقة تتجاوز حدود الخيال البشري.
وهنا يمكننا استدعاء الحكمة العميقة التي تؤكد أن الله يسلط على بعض الناس أنفسهم لتكون النفس كفيلة بإهلاك صاحبها وهو مبدأ ينطبق تماما على نماذج تقنية بلا حدود.
فالذكاء الاصطناعي المنفلت لن يحتاج لاختراق أنظمة الصواريخ ليفني البشرية بل سيكتفي بتسليط أدوات التدمير الذاتي الكامنة في الطبيعة البشرية ضد البشر أنفسهم.
ولتقريب هذه الصورة تكفينا العودة إلى قصة الشيطان الذي سئل عن سبب عدم إغوائه لأهل قرية آمنة، فأجاب بأنه سيكتفي بتحريك وتد خيمة، وبسقوط الوتد انطلق كلب حراسة ليهاجم دجاجات الجار فاشتعلت معركة انتقامية دموية بين الجيران انتهت بحرق القرية بأكملها ليعود الشيطان ويصرح ببرود بأنه لم يفعل شيئا سوى تحريك الوتد.
وبنفس هذا المنطق سيعمل الذكاء الاصطناعي المجرد من الخطوط الحمراء على ضبط وتحريك الأوتاد في وعينا الجمعي ليزعزع ثقتنا ببعضنا البعض، فهو سيغرق الفضاء الرقمي بملايين الأخبار المفبركة والمقاطع شديدة التزييف التي يستحيل تمييزها عن الواقع مؤججا بذلك نيران الاستقطاب والفتن بين مختلف فئات المجتمع.
وفي المحصلة يتجلى لنا أن الخطر الحقيقي لذكاء اصطناعي بلا بوصلة أخلاقية لا يكمن في قوته التدميرية المباشرة بل في قدرته الفائقة على استغلال هشاشتنا النفسية وتناقضاتنا.
فهذه التقنية لن تضغط على الزناد أبدا بل ستصنع الظروف المثالية وتلعب على غرائز الخوف والطمع تاركة لنا مهمة إهلاك أنفسنا بأنفسنا تمهيدا لانهيار حضاري مكتمل الأركان






تعليقات الزوار ( 0 )