تشهد الدراما المغربية خلال السنوات الأخيرة تحسنا ملحوظا على مستوى الجودة التقنية والإخراجية وتطور آليات الإنتاج وهو ما انعكس في ارتفاع نسب المشاهدة خاصة خلال شهر رمضان الذي أصبح موسما دراميا بامتياز تتنافس فيه القنوات الوطنية على جذب الجمهور غير أن هذا التطور الكمي والتقني لا يخفي مفارقة أساسية تتعلق بطبيعة الفضاءات والمواضيع التي تتناولها هذه الأعمال إذ يلاحظ تمركزها الجغرافي والثقافي داخل محور الرباط الدار البيضاء بما يجعلها تعكس صورة جزئية عن المجتمع المغربي بكل غناه وتعدده.
فعلى الرغم من الانتقادات التي توجه أحيانا لبعض الأعمال بسبب جرأة بعض المشاهد أو طريقة تناولها لقضايا اجتماعية حساسة فإن الإشكال الأعمق يكمن في محدودية تمثيل التنوع الثقافي واللغوي والجغرافي الذي يميز المغرب ذلك أن أغلب المسلسلات التلفزية تدور أحداثها داخل أحياء محددة من المدينتين الإدراية والاقتصادية وغالبا ما تتكرر نفس الأمكنة ونفس الخلفيات الحضرية وكأن المغرب في امتداده الواسع يختزل في فضاءين اثنين.
إن المغرب بلد تشكل عبر قرون من التفاعل الحضاري والثقافي فقد تعاقبت على أرضه حضارات مختلفة من الفينيقيين والقرطاجيين والرومان والوندال والبيزنطيين ثم العرب المسلمين كما انفتح بحكم موقعه الاستراتيجي على إفريقيا جنوب الصحراء وعلى الفضاء المتوسطي وعلى أوروبا والمشرق فنتج عن ذلك نسيج ثقافي غني ومتعدد تجسد في مكونات أمازيغية وعربية وحسانية وأندلسية وإفريقية ويهودية وغيرها وقد انعكس هذا التعدد في اللغة والعادات وأنماط العيش والفنون الشعبية واللباس والمعمار.
هذا التنوع لم يعد مجرد معطى تاريخي بل أضحى مكرسا دستوريا منذ دستور سنة 2011 الذي نص على صيانة مختلف روافد الهوية الوطنية وإحداث مجلس وطني يعنى باللغات والثقافة المغربية بما يضمن حماية وتنمية هذه المكونات غير أن السؤال الذي يطرح بإلحاح هو إلى أي حد تعكس الدراما التلفزية هذا الغنى وتترجمه في صور وسرديات تحترم التعدد وتحتفي به.
في الواقع تبدو الهوة واضحة بين الخطاب الرسمي حول التنوع الثقافي وبين ما يقدم على الشاشة إذ نادرا ما نجد أعمالا درامية تصور في مدن الشرق مثل وجدة وبركان وفكيك أو في مدن الجنوب الشرقي كزاكورة وطاطا أو في الأقاليم الجنوبية كالعيون والداخلة والسمارة أو في مدن الأطلس المتوسط كأزيلال وخنيفرة أو في المدن المنجمية مثل خريبكة واليوسفية بكل خصوصياتها الاجتماعية والاقتصادية والبيئية كما أن قضايا سكان القرى والمناطق الجبلية والصحراوية لا تحضر إلا بشكل عابر أو نمطي رغم ما تزخر به من حكايات وتجارب إنسانية عميقة.
إن حرمان هذه الفضاءات من الحضور الدرامي لا يعني فقط إقصاء جغرافيا معينة بل يؤدي إلى إضعاف تمثل الجمهور لذاته داخل العمل الفني فالمشاهد في تلك المناطق لا يرى غالبا بيئته ولا يسمع لهجته ولا يتابع قضاياه المحلية مما يعمق الإحساس بالمركزية الثقافية ويكرس صورة غير متوازنة عن المجتمع المغربي.
وقد أبانت بعض التجارب المحدودة عن تعطش الجمهور لأعمال تخرج عن النمط السائد فعندما تم تصوير بعض المسلسلات في فضاءات مغايرة وبلهجات محلية متميزة لقيت إقبالا ملحوظا من المشاهدين ليس فقط لجودتها الفنية بل لأنها كسرت رتابة الصورة المعتادة وفتحت نافذة على عوالم جديدة داخل الوطن الواحد وهو ما يدل على أن الرهان لا يرتبط فقط بالمحتوى بل أيضا بالفضاء والهوية البصرية والثقافية للعمل.
إلى جانب البعد الجغرافي يطرح سؤال التمركز المؤسساتي نفسه بقوة فالانتاج الدرامي في المغرب يظل إلى حد كبير مرتبطا بإشراف وتدبير القناتين العموميتين خاصة في الموسم الرمضاني حيث تتكاثف المشاريع في فترة زمنية قصيرة مما يفرض ضغطا زمنيا وماليا ينعكس على خيارات التصوير والإنتاج وغالبا ما يتم اللجوء إلى أماكن قريبة من المركز لتقليص التكاليف وتسريع وتيرة الإنجاز.
غير أن الأمر لا يتعلق فقط بعوامل اقتصادية بل أيضا بطبيعة المساطر الإدارية التي تحكم عملية الإنتاج إذ تمر المشاريع بمراحل متعددة من القراءة والتقويم والمصادقة داخل بنية بيروقراطية مركزية قد تحد أحيانا من جرأة المقترحات ومن تنوعها المجالي فالمشرفون على هذه العملية يوجدون في العاصمة ويتحركون ضمن سياق إداري وثقافي محدد وهو ما قد يؤثر بشكل غير مباشر على تصورهم للمواضيع والفضاءات الجديرة بالمعالجة الدرامية.
إن استمرار هذا النمط من التدبير يعيد إنتاج منطق قديم عرفته الإذاعة والتلفزة في العقود السابقة حين كانت أغلب الأعمال تدور حول قضايا العاصمة ومحيطها ورغم التطور الحاصل اليوم في عدد شركات الإنتاج وفي الوسائل التقنية فإن منطق المركز ما زال مهيمنا على مستوى اختيار الفضاءات والسرديات.
وإذا كانت الدولة قد تبنت خيار الجهوية المتقدمة كإطار لإعادة توزيع الاختصاصات وتحقيق العدالة المجالية فإن من الضروري أن يمتد هذا التوجه إلى المجال الثقافي والفني فالعدالة المجالية لا تقتصر على الطرق والمستشفيات والمدارس بل تشمل أيضا الحق في التمثيل الرمزي والثقافي داخل وسائل الإعلام العمومية فكما يحتاج المواطن إلى بنية تحتية تضمن كرامته المادية فهو يحتاج أيضا إلى مرآة تعكس هويته وتاريخه وخصوصيته المحلية.
إن تنويع الفضاءات الدرامية من شأنه أن يفتح المجال أمام طاقات فنية جديدة من مختلف الجهات وأن يساهم في إبراز لهجات وأساليب عيش متنوعة وأن يغني المخزون السردي الوطني بحكايات مستمدة من الجبال والواحات والصحراء والسواحل والقرى والمدن الصغرى كما أنه يعزز الشعور بالانتماء المشترك داخل إطار تعددي يقر بالاختلاف ويحتفي به.
وعليه فإن تطوير الدراما المغربية في المرحلة المقبلة يقتضي الانتقال من منطق المركز إلى منطق الشبكة الوطنية المنفتحة على مختلف الجهات ومن تصور أحادي للفضاء إلى رؤية متعددة تعكس حقيقة المجتمع المغربي في تنوعه وتعدده فالمغرب ليس فقط الرباط والدار البيضاء بل هو أيضا قرى الأطلس وواحات الجنوب ومدن الشرق وسواحل الشمال وأقاليم الصحراء بكل ما تحمله من قصص وتجارب تستحق أن ترى النور على الشاشة.
إن الرهان الحقيقي لا يكمن في رفع نسب المشاهدة خلال موسم معين بل في بناء دراما وطنية قادرة على تمثيل المجتمع في شموليته وعلى تجسيد العدالة المجالية في بعدها الرمزي والثقافي بما يجعل الشاشة العمومية فضاء لكل المغاربة دون استثناء ويحول التنوع من شعار دستوري إلى ممارسة فنية يومية تعيد رسم صورة المغرب في غناه وتعدده ووحدته في آن واحد.






تعليقات الزوار ( 0 )