وضع التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، مصر أمام معادلة إقليمية معقدة تجمع بين الضغوط السياسية والمخاطر الاقتصادية، في وقت تسعى فيه القاهرة إلى الحفاظ على سياسة التوازن الاستراتيجي وتفادي الانخراط المباشر في الصراع.
وبحسب تقرير تحليلي لمجموعة الأزمات الدولية “Crisis Group”، فإن السلطات المصرية تعمل منذ اندلاع الحرب على الدفع نحو وقف إطلاق النار وتخفيف حدة التوتر، انطلاقا من مخاوف مرتبطة بتداعيات أي انهيار محتمل في إيران على استقرار الشرق الأوسط والأمن الإقليمي، إضافة إلى القلق من تنامي النفوذ الإسرائيلي في المنطقة وتأثير الحرب على الاقتصاد المصري المتأزم.
وأشار التقرير إلى أن القاهرة اختارت التموضع ضمن محور وساطة يضم تركيا وباكستان والسعودية، بهدف فتح قنوات تواصل غير مباشرة بين واشنطن وطهران، والعمل على بلورة ترتيبات تهدئة مقبولة للطرفين.
وأوضح أن مصر تحاول تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية من خلال هذا الدور، تتمثل في احتواء التصعيد، والحفاظ على علاقاتها مع دول الخليج، وتعزيز التنسيق العربي في مواجهة التحولات الإقليمية المتسارعة.
وفي هذا السياق، ترى القاهرة أن انهيار إيران أو تفككها قد يفتح الباب أمام سنوات طويلة من الفوضى وعدم الاستقرار في المنطقة، وهو ما تعتبره تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي.
وأضاف التقرير أن مصر كانت قد بدأت، قبل اندلاع الحرب، مسار تقارب تدريجي مع إيران بعد عقود من القطيعة السياسية، حيث ساهمت القاهرة في تسهيل محادثات بين طهران والوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن الملف النووي الإيراني خلال أواخر سنة 2025.
وأكد أن هذا الانفتاح لم يكن تعبيرًا عن تحالف سياسي مع طهران، بل جاء في إطار سعي القاهرة إلى امتلاك قنوات اتصال مستقلة مع مختلف الأطراف الفاعلة في المنطقة، خاصة في ملفات ترتبط بلبنان واليمن وأمن البحر الأحمر.
وفي المقابل، يواجه الموقف المصري انتقادات متزايدة من بعض العواصم الخليجية التي تعتبر أن القاهرة لم تُظهر دعمًا سياسيًا كافيًا لها في مواجهة الهجمات الإيرانية التي استهدفت منشآت وبنى تحتية داخل الخليج.
وأشار التقرير إلى أن دول الخليج تنظر إلى الحرب باعتبارها تهديدًا وجوديًا لأمنها الاقتصادي، خاصة في ظل المخاوف المرتبطة بأمن الملاحة في مضيق هرمز واستقرار أسواق الطاقة والاستثمارات والسياحة.
ويزيد هذا التوتر من حساسية الوضع بالنسبة لمصر، التي أصبحت تعتمد بشكل كبير على الاستثمارات الخليجية لإنقاذ اقتصادها من أزماته المتلاحقة.
وأوضح التقرير أن السعودية والكويت أودعتا مليارات الدولارات في البنك المركزي المصري، بينما ضخت الإمارات استثمارات ضخمة في مشاريع عقارية وسياحية، إلى جانب تعهدات استثمارية قطرية بمليارات إضافية.
وحذر من أن أي تراجع في الدعم الخليجي قد يضع القاهرة أمام ضغوط اقتصادية حادة، خصوصًا مع استمرار تراجع عائدات قناة السويس بسبب اضطرابات البحر الأحمر، وارتفاع أسعار الطاقة، وتراجع قيمة الجنيه المصري.
وذكر التقرير أن الحرب بدأت بالفعل تترك آثارًا مباشرة على الاقتصاد المصري، بعدما انخفضت إيرادات قناة السويس بنسبة 38 في المائة خلال الربع الأول من سنة 2026، بالتزامن مع تراجع قطاع السياحة وارتفاع تكاليف الاستيراد والطاقة.
كما لفت إلى أن الحكومة المصرية اضطرت إلى اتخاذ إجراءات تقشفية شملت رفع أسعار الوقود وتقنين استهلاك الكهرباء، وسط مخاوف من موجة تضخم جديدة قد تزيد من حدة الضغوط الاجتماعية.
وفي الجانب السياسي، أكد التقرير أن القاهرة تتمسك بسياسة “التوازن الاستراتيجي”، التي تقوم على تجنب الاصطفاف الحاد والحفاظ على قنوات التواصل مع مختلف القوى الإقليمية والدولية.
ويرى المسؤولون المصريون أن هذا النهج يمثل الخيار الأكثر واقعية في ظل محدودية القدرة الاقتصادية والعسكرية لمصر مقارنة ببعض القوى الإقليمية الأخرى.
وختم التقرير بالإشارة إلى أن استمرار الحرب أو توسعها قد يدفع مصر إلى خيارات أكثر صعوبة، خاصة إذا تعرضت المصالح الخليجية لمزيد من الضربات أو تعطلت الملاحة في باب المندب، وهو ما قد يفرض على القاهرة إعادة حساباتها الإقليمية تحت ضغط التوازنات الاقتصادية والسياسية الجديدة.



تعليقات الزوار ( 0 )