يعتبر الكاتب والإعلامي عبد الصمد بن شريف أن الإعلام المغربي يعيش مفارقة حادة؛ فبينما يمتلك ترسانة قانونية وتاريخا من التعددية، فإنه يكافح من أجل استعادة دوره كفاعل مركزي في هندسة الرأي العام وصياغة سردية جماعية مشتركة تجمع المغاربة حول قضاياهم الكبرى في ظل هيمنة القوى الناعمة العابرة للحدود.
وأشار بن شريف خلال مشاركته في الندوة الفكرية التي نظمتها جريدة “الشعاع الجديدة” بمقرها في الرباط، تحت عنوان “الإعلام والقوة الناعمة بين التأثير وصناعة القبول”، إلى أن الإعلام هو مرآة تفاعلية تتقاطع فيها رؤى الدولة والمجتمع المدني والأحزاب.
وأردف أنه في المغرب لا يزال يعاني من تطور شكلي لم يستطع الرقي بالأداء الإعلامي ليصبح أداة تعبئة حقيقية تساهم في تحريك مجالات التفكير السياسي والاجتماعي.

واستعاد بن شريف، بكثير من الحنين والتحليل، حقبة السبعينيات والثمانينيات، حيث كان الإعلام الحزبي والمستقل يمثل فضاءً حقيقيا للنقاش العمومي.
وأوضح أن قوة الإعلام في تلك الفترة كانت مستمدة من قوة المشاريع الأيديولوجية والسياسية (يسارا ويمينا)، حيث كانت الصحف مثل “المحرر” (حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية) و”العلم” (حزب الاستقلال) و”البيان” (حزب التقدم والاشتراكية) مشاتل لتخريج المفكرين والأدباء، وفضاءات يكتب فيها قامات من عيار عابد الجابري وعبد الله العروي وعزيز بلال.
واعتبر الكاتب والإعلامي أن الإعلام آنذاك كان يمتلك “أنتلجنسيا – Intelligentsia” (نخبة مجتمعية مثقفة)؛ قوية تمنحه المصداقية والقدرة على التأثير العميق في الرأي العام.
وفي تشخيصه للوضع الراهن، أكد بن شريف أن تراجع الزخم السياسي وغياب التمايزات الواضحة بين الخطابات الحزبية جعل المواطن يشعر بنوع من التيه، وهو ما انعكس سلبا على الإعلام.
وتساءل بن شريف بمرارة: “إلى أي حد يجد المغاربة ذواتهم في إعلامهم الوطني دون اللجوء إلى الإعلام الخارجي؟”، معتبرا أن الرأي العام ليس مادة خاما يمكن تشكيلها بسهولة، بل هو كتلة واعية تحتاج إلى خطاب يسنده أخلاقيا وتمتلك فيه الثقة.
وتوقف بن شريف عند الدور التاريخي للإعلام السمعي البصري، مستشهدا بتجربة القناة الثانية (2M) في بداياتها، والتي وضعت بتوجيه ملكي في صلب التحول السياسي للتمهيد لحكومة التناوب.

وأشار إلى أن البرامج الحوارية والسياسية حينها كانت “الدينامو” الذي يجر قاطرة النقاش في البلاد، أما اليوم، فيرى بن شريف أن الإعلام المغربي مطالب بمواجهة “رخاوة” الحقل السياسي عبر استعادة الجرأة في طرح الأسئلة الجوهرية والارتباط بهموم المجتمع الكونية والوطنية.
ولفت بن شريف في مداخلته إلى أن “القوة الناعمة” للإعلام لا يمكن أن تتحقق في ظل غياب “النموذج الاقتصادي” المستقل؛ فالصحفي الذي يعيش في وضعية اجتماعية هشة ولا يضمن استقراره المادي، لا يمكنه إنتاج صحافة تحقيق أو مضامين ذات جودة تنافسية.
ودعا إلى ضرورة تحويل المقاولات الصحفية إلى صناعات إبداعية حقيقية، تمتلك الموارد البشرية والمؤهلات الفكرية والتمويل الذاتي، لضمان استقلالية الخط التحريري، مشددا على أن المصداقية هي العملة الوحيدة التي يمكن للإعلام المغربي أن يشتري بها “قبول” الرأي العام وتأثيره في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء إعلاميا.

ويشار إلى أن الندوة ستنشر كاملة بالصوت والصورة على جريدة الشعاع الجديد والمنصات التابعة لها مساء اليوم الجمعة.


تعليقات الزوار ( 0 )