أخبار ساعة

22:14 - أطر الإدارات القانونية تطالب بإنصافها في مشروع قانون المحاماة وتكشف “امتيازات للأجانب”21:44 - المحكمة الدستورية تنهي جدل “الدفع بعدم الدستورية” وتعلن شغور مقعد برلماني20:59 - ترحيب حقوقي بمشروع رفع إجازة الأمومة والأبوة وتعتبره خطوة لحماية الطفولة19:36 - “البام” يحسم مرشحيه للدوائر الـ16 بجهة الدار البيضاء-سطات في الانتخابات التشريعية المقبلة19:03 - مصرع 30 شخصا وإصابة نحو 3000 آخرين في حوادث السير خلال أسبوع18:36 - السلطات الجزائرية تسلم المغرب دفعة جديدة تضم 34 مهاجرا غير نظامي عبر معبر “زوج بغال”18:27 - “بدائل للطفولة والشباب” تبحث قضايا المرافعة والعمل الاجتماعي في برلين18:00 - ديشان: المنتخب المغربي ضمن المرشحين للتألق في مونديال 202617:54 - هل العربية عرقٌ أم لسان؟17:50 - جدل تحت قبة البرلمان حول حصيلة عيد الأضحى.. أرقام التموين تصطدم بلهيب الأسعار ومطالب بهيكلة الأسواق
الرئيسية » فكر ونقد » استراتيجية تنظيم القاعدة بعد مقتل الظواهري وصعود الفروع الإقليمية

استراتيجية تنظيم القاعدة بعد مقتل الظواهري وصعود الفروع الإقليمية

المقدمة

يمثل تنظيم القاعدة ظاهرة استراتيجية معقدة في دراسات الإرهاب الدولي، خاصة بعد مرور أكثر من عقدين على هجمات 11 سبتمبر 2001. خلافا للتوقعات التي رأت في التنظيم كيانا ايلا للزوال بعد مقتل قياداته المتعاقبة أظهرت القاعدة قدرة فائقة على التكيف والبقاء. هذا التكيف لم يكن مجرد صمود بل تحول هيكلي واستراتيجي عميق مكنه من التغلغل في البيئات الأمنية والجيوسياسية المتغيرة. تستهدف هذه الدراسة تحليل التحول الاستراتيجي لتنظيم القاعدة من كيان مركزي صلب إلى شبكة لامركزية واسعة مع التركيز على استراتيجية العالمية المحلية والآثار المترتبة على هذا التحول لا سيما في الساحة الأفريقية التي أصبحت مركز ثقل التنظيم الجديد.

تتمحور إشكالية الدراسة حول التساؤل التالي: كيف ضمنت استراتيجية القاعدة اللامركزية والعالمية المحلية بقاءها وتحولها إلى تهديد مستدام وما هي آليات التمكين الإقليمي التي اعتمدتها فروعها في أفريقيا؟

أولا: اللامركزية والمرونة في الجماعات المسلحة

يعد مفهوم اللامركزية التنظيمية حجر الزاوية في فهم استراتيجية القاعدة الحالية. فبعد الضربات الأمنية المتلاحقة التي استهدفت القيادة المركزية  تحول التنظيم من نموذج هرمي صارم إلى بنية شبكية مرنة. هذه البنية تمنح الفروع الإقليمية استقلالية عملياتية وتكتيكية واسعة مما يجعل استهداف التنظيم ككل أمرا بالغ الصعوبة.

أما مفهوم العالمية المحلية فيمثل العقيدة الاستراتيجية التي تتبناها القاعدة. وهو مقاربة تجمع بين الأهداف الأيديولوجية العالمية للتنظيم (طرد النفوذ الغربي وإقامة الخلافة) وبين الانغراس العميق في القضايا والسياقات المحلية. لم يعد الهدف الأساسي هو تنفيذ هجمات خارجية ضخمة بل التغلغل داخل المجتمعات الهشة واستثمار النزاعات القبلية والإثنية وهو ما يفسر قدرة التنظيم على المرونة  والبقاء.

ثانيا: التحول الهيكلي وأزمة المركزية

 التحول من الهرمية إلى البنية الشبكية

شهد تنظيم القاعدة تحولاهيكليا جذريا انتقل فيه من نموذج القيادة المركزية الصارمة التي كان يمثلها أسامة بن لادن إلى نموذج شبكي لامركزي. هذا التحول لم يكن اختيارا استراتيجيا بالكامل بقدر ما كان نتيجة حتمية للضغط الأمني المستمر. في ظل هذا الواقع الجديد أصبحت الفروع الإقليمية هي المحرك الأساسي للعمليات الميدانية بينما تراجعت القيادة المركزية إلى دور رمزي وإرشادي.

 القيادة الرمزية وملاذ ايران

يعتقد اليوم على نطاق واسع استنادا إلى تقارير استخباراتية صادرة عن الأمم المتحدة والولايات المتحدة أن القيادة الفعلية لتنظيم القاعدة انتقلت إلى سيف العدل الضابط السابق في القوات الخاصة المصرية واسمه الحقيقي محمد صلاح الدين زيدان. ويكتسي هذا التحول دلالة خاصة ليس فقط بسبب شخصية العدل وخلفيته العسكرية الصلبة بل أيضا بسبب مكان إقامته المفترض في إيران منذ سنوات وهو ما يشكل مفارقة لافتة لتنظيم سني جهادي طالما بنى خطابه على العداء المذهبي. هذا الواقع يعكس تحولا عميقا في طبيعة القيادة المركزية للقاعدة التي لم تعد تمارس دور القيادة والتحكم العملياتي المباشر كما كان الحال في عهد أسامة بن لادن بل باتت تؤدي وظيفة رمزية وتنظيمية أشبه بمرجعية فكرية وإيديولوجية أو مجلس إدارة استراتيجي يعمل من الظل في مقابل منح الفروع الإقليمية هامشا واسعا من الاستقلالية في التخطيط والتنفيذ كما هو الحال بالنسبة لتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية أو حركة الشباب في الصومال.

ويزداد هذا المشهد تعقيد مع بروز شخصيات قيادية أخرى يعتقد بوجودها في إيران وعلى رأسها عبد الرحمن المغربي واسمه الحقيقي محمد أباطاي الذي يعد من أكثر الشخصيات نفوذا داخل التنظيم. فإلى جانب كونه صهر أيمن الظواهري وأحد أقرب مستشاريه اضطلع المغربي بأدوار محورية أبرزها إدارة مؤسسة السحاب الذراع الإعلامية لتنظيم القاعدة والإشراف على عمليات التنظيم في أفغانستان وباكستان قبل انتقاله إلى إيران. إن تواجد المغربي إلى جانب سيف العدل يعزز فرضية انتقالمركز الثقل القيادي للتنظيم إلى هناك ولو بشكل مؤقت أو غير معلن بما يعكس طبيعة العمل السري والبراغماتي الذي بات يميز القيادة العليا.

أما علاقة تنظيم القاعدة بإيران فهي علاقة معقدة ومتناقضة ظاهريا تقوم في جوهرها على تلاقي المصالح لا على الانسجام العقائدي. فبعد الغزو الأمريكي لأفغانستان عام 2001 وجد عدد من قادة القاعدة في إيران ملاذا آمنا نسبيا من الاستهداف المباشر وإن كان هذا الملاذ مشروطا بإجراءات صارمة شملت الإقامة الجبرية والقيود الأمنية. وبالنسبة لإيران شكل وجود هؤلاء القادة ورقة ضغط استراتيجية في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها وضمانة في الوقت ذاته لعدم قيام التنظيم بتنفيذ عمليات داخل أراضيها. ويظل العداء المشترك للولايات المتحدة هو العامل الأبرز الذي سمح بهذا التعايش الحذر رغم التناقضات المذهبية العميقة بين الطرفين.

إن هذا التحول في بنية القيادة وتراجع الدور العملياتي المباشر للمركز لصالح الفروع الإقليمية اللامركزية إلى جانب استقرار القيادة في بيئة سياسية وأمنية معقدة مثل إيران يفرض تحديات جديدة على جهود مكافحة الإرهاب. فلم يعد تحديد موقع القيادة العليا أو استهدافها كافيا لإضعاف التنظيم كما كان في السابق بل أصبحت الأولوية منصبة على فهم ديناميات الشبكات الإقليمية المستقلة وتفكيك قدراتها المحلية باعتبارها اليوم المحرك الفعلي لعمليات تنظيم القاعدة على الأرض.

أفغانستان كملاذ آمن وإعادة بناء القدرات

تشير معطيات متعددة وتقارير دولية متطابقة إلى أن أفغانستان منذ عودة حركة طالبان إلى السلطة في أغسطس/آب 2021 باتت مجددا بيئة حاضنة لتنظيم القاعدة رغم التعهدات التي قطعتها طالبان في اتفاق الدوحة بعدم السماح باستخدام الأراضي الأفغانية من قبل جماعات إرهابية تهدد الأمن الدولي.

العلاقة بين طالبان والقاعدة ليست وليدة اللحظة، بل هي علاقة تاريخية عميقة تعود إلى تسعينيات القرن الماضي ولم تنقطع فعليا رغم الضغوط الدولية. وقد شكل مقتل زعيم القاعدة السابق أيمن الظواهري في غارة أمريكية دقيقة وسط العاصمة كابول في يوليو 2022 دليلا صارخا على حجم هذا الارتباط إذ كشفت العملية أن الظواهري كان يقيم في منزل امن يخضع لحماية شبكة حقاني الجناح الأقوى داخل طالبان والمسيطر على وزارة الداخلية.

إعادة بناء القدرات في الظل

تفيد تقارير صادرة عن الأمم المتحدة بأن القاعدة لا تكتفي بحرية الحركة النسبية في ظل حكم طالبان بل تعمل بهدوء على إعادة تنظيم صفوفها وبناء قدراتها من جديد. وتشمل هذه الجهود إنشاء معسكرات تدريب في عدد من الولايات الأفغانية، يقدرر عددها بما يصل إلى ثمانية معسكرات إضافة إلى الاحتفاظ بمنازل امنة في مدن رئيسية مثل كابول وقندهار لتسهيل تنقل القيادات والعناصر.

كما تشير التقارير إلى محاولات تسلل لعناصر القاعدة إلى بعض مؤسسات طالبان وحصولهم على حماية مباشرة أو غير مباشرة من مسؤولين نافذين داخل الحركة ما يعكس عمق التشابك بين الطرفين خاصة داخل التيارات الأكثر تشددا.

طالبان بين الإنكار والواقع

رغم النفي الرسمي المتكرر من قبل طالبان لأي وجود للقاعدة على الأراضي الأفغانية فإن الوقائع الميدانية والتقارير الاستخباراتية الدولية ترسم صورة مغايرة. فالحركة ليست كتلة صماء بل تضم تيارات مختلفة في مقاربتها للعلاقة مع التنظيم، غير أن شبكة حقاني تُعد تاريخياً الحليف الأقرب للقاعدة.

وتعزز هذه المعطيات بيعة أيمن الظواهري السابقة لزعيم طالبان هبة الله أخوندزاده والتي عكست استمرار روابط الولاء والتحالف بين التنظيمين، بما يتجاوز الحسابات السياسية الظرفية.

ملاذ آمن بعيداً عن أعين الغرب

بعد الانسحاب الأمريكي وانهيار منظومة المراقبة الغربية في أفغانستان تراجعت بشكل كبير القدرة على تتبع تحركات الجماعات الجهادية. وفي هذا السياق يعيش عناصر القاعدة بمن فيهم قياديون في أفغانستان بسرية عالية مستفيدين من البيئة الأمنية والسياسية الجديدة.

ويحرص التنظيم على العمل في الظل لتفادي إحراج طالبان دوليا لكنه في الوقت ذاته يستغل الوضع لإعادة التجميع والتدريب والتخطيط بعيدا عن الضغوط المباشرة. وقد نسب إلى الزعيم الحالي للقاعدة سيف العدل توجيه دعوات للمقاتلين الأجانب للهجرة إلى أفغانستان باعتبارها ساحة آمنة للاستعداد لمعارك مستقبلية.

في المحصلة ورغم الإنكار الرسمي لطالبان، تؤكد الأدلة المتراكمة أن أفغانستان عادت لتلعب دور القاعدة الخلفية لتنظيم القاعدة بما يسمح له بإعادة بناء قدراته الاستراتيجية على المدى الطويل

ثالثا: العقيدة الاستراتيجية لـ “العالمية المحلية”

الأسس النظرية للعالمية المحلية  

يعكس تنظيم القاعدة في استراتيجيته الراهنة تبنّيًا واضحًا لمفهوم العالمية المحلية وهو مفهوم يجمع بين الأبعاد العالمية والخصوصيات المحلية، ويُستخدم لوصف كيفية تكييف الأهداف الكبرى مع السياقات المحددة التي تعمل فيها الفروع الإقليمية. هذا التحول لا يعني تخلي التنظيم عن طموحاته العابرة للحدود، بل يعكس محاولة براغماتية لإعادة التموضع في بيئة دولية وإقليمية باتت أكثر تعقيدًا وعداءً. فبعد أن تأسس التنظيم تاريخيًا على أولوية استهداف “العدو البعيد”، ممثلًا في الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، باعتبارهم الداعمين الرئيسيين للأنظمة الحاكمة في العالم الإسلامي، وهو المنطق الذي تُوّج بهجمات كبرى مثل أحداث 11 سبتمبر 2001، وجد نفسه مع مرور الوقت تحت ضغط غير مسبوق بفعل الحرب العالمية على الإرهاب، ومقتل قياداته المركزية، وتراجع قدرته على تنفيذ عمليات نوعية عابرة للقارات، إضافة إلى بروز منافسين أكثر عنفًا واندفاعًا مثل تنظيم “داعش”. في هذا السياق، أعاد التنظيم ترتيب أولوياته، وبرزت “العالمية المحلية” كإطار ناظم لمرحلة جديدة تقوم على تعزيز الجذور المحلية للفروع، ومنحها هامشًا واسعًا لتكييف خطابها وتحركاتها مع الواقع السياسي والاجتماعي الذي تنشط فيه. ووفق هذا المنطق، بات “العدو القريب”، المتمثل في الحكومات والجيوش المحلية التي يصفها التنظيم بالفساد والارتهان للخارج، هو الهدف التكتيكي الأكثر إلحاحًا، ليس فقط لسهولة استهدافه مقارنة بالعدو البعيد، ولكن أيضًا لما يوفره ذلك من فرص لكسب تعاطف أو حياد شرائح من المجتمع عبر استثمار المظالم المحلية كالفقر والتهميش وغياب العدالة. كما يتيح هذا التركيز تحقيق مكاسب ميدانية ملموسة تعزز صورة التنظيم كفاعل قادر على التأثير، وتساعده على بناء عمق استراتيجي من خلال السيطرة على مناطق أو ترسيخ نفوذ فيها، بما يوفر ملاذات للتجنيد والتدريب والتخطيط. وبهذا المعنى، تُفهم “العالمية المحلية” كخيار مرحلي محسوب، يسعى من خلاله تنظيم القاعدة إلى ضمان البقاء والاستمرارية، على أساس قناعة مفادها أن الوصول مجددًا إلى استهداف “العدو البعيد” يمر حتمًا عبر إضعاف “العدو القريب” وبناء قواعد قوة محلية صلبة تسمح له بالتكيّف مع التحولات المتسارعة في بنية الصراع الإقليمي والدولي.

آليات التغلغل الاجتماعي وكسب الشرعية

تتجلى هذه الاستراتيجية في سعي فروع القاعدة لكسب الشرعية المحلية من خلال آليات “القوة الناعمة” وتقديم “الحكامة البديلة”. هذا النهج يركز على:

1.حل النزاعات: تقديم خدمات قضائية واجتماعية بديلة عن الدولة الغائبة أو الضعيفة.

2.الاندماج الاجتماعي: عبر المصاهرة مع العائلات المؤثرة وبناء تحالفات قبلية طويلة الأمد.

هذا التكتيك منح القاعدة قدرة أكبر على الصمود والبقاء مقارنة بالتنظيمات التي تتبنى العنف المفرط والتصادم المباشر مع المجتمعات المحلية.

مقارنة استراتيجية القاعدة وداعش

تُظهر المقارنة بين استراتيجيتي القاعدة وتنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) التباين الواضح في نهج الجماعات الجهادية. بينما تبنى داعش استراتيجية “الصدام المباشر” و”إعلان الخلافة الفوري” مما أدى إلى خسارته السريعة للأراضي بعد مقاومة دولية، تبنت القاعدة نهجاً “صبوراً وتكيفياً”.

يعكس الاختلاف بين تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية تباينًا عميقا في الرؤية والاستراتيجية وأسلوب العمل رغم انطلاقهما من مرجعيات أيديولوجية متقاربة. فقد اختار تنظيم القاعدة مقاربة تقوم على ما يمكن وصفه بـالعالمية المحلية حيث يدمج بين الهدف العالمي المتمثل في مواجهة النظام الدولي، والعمل المحلي عبر التغلغل في المجتمعات وكسب الحاضنة الاجتماعية وبناء شرعية تدريجية، مع اعتماد بنية تنظيمية شبكية لامركزية تمنح فروعه مرونة عالية وقدرة على التكيف مع الضغوط. هذا النهج جعله يركز على إضعاف الدول وبناء النفوذ ببطء، بما يعزز قابليته للبقاء والاستمرار على المدى الطويل. في المقابل، تبنى تنظيم الدولة الإسلامية استراتيجية أكثر اندفاعًا تقوم على إعلان الخلافة الفورية والصدام المباشر مع الجميع، مع الاعتماد على العنف المفرط والفرض القسري للسيطرة، وهي مقاربة انعكست في هيكل هرمي مركزي بلغ ذروته خلال فترة تمدده السريع. وقد سعى التنظيم إلى تحقيق مكاسب إقليمية عاجلة، إلا أن هذا التوسع السريع، المقترن بالقسوة المفرطة واستعداء المجتمعات المحلية والقوى الإقليمية والدولية، جعله أقل استدامة وأكثر عرضة للانهيار. وبهذا، يمكن القول إن الفارق الجوهري بين التنظيمين لا يكمن فقط في الأهداف المعلنة، بل في فلسفة إدارة الصراع والزمن، حيث راهنت القاعدة على النفس الطويل والتكيف، بينما راهن تنظيم الدولة على الصدمة والسرعة مع ما ترتب عن ذلك من نتائج متباينة على مستوى البقاء والتأثير.

رابعا: التمكين الإقليمي في أفريقيا

تُعد إفريقيا حاليًا الساحة الأكثر حيوية لنشاط تنظيم القاعدة مستفيدة من عوامل متعددة تشمل هشاشة الدول، وتفشي الفقر وضعف المؤسسات وتراجع أولوية مكافحة الإرهاب لدى القوى الغربية.

حركة الشباب الصومال راس حربة القاعدة

تُعدّ حركة الشباب الصومالية، التي أعلنت مبايعتها الرسمية لتنظيم القاعدة سنة 2012، اليوم الفرع الأقوى والأكثر ثراءً داخل الشبكة القاعدية على المستوى العالمي. فقد تجاوزت الحركة منذ سنوات نموذج “الجماعة المتمردة” التقليدية، لتتحول إلى كيان متكامل أقرب إلى “دولة موازية” راسخة في مساحات واسعة من جنوب ووسط الصومال، مستفيدة من هشاشة الدولة المركزية، وضعف المؤسسات، واستمرار الفراغين الأمني والإداري. هذا التحول لم يكن عسكريًا فقط، بل شمل بناء منظومة حكم بديلة تسعى إلى ملء الفراغ الذي عجزت الدولة الرسمية عن سده.

في المناطق الخاضعة لسيطرتها، فرضت حركة الشباب نموذجًا خاصًا للحكم يقوم على مزيج من القسر والفاعلية. فقد أنشأت نظامًا قضائيًا يعتمد على تطبيق صارم للشريعة الإسلامية، الأمر الذي جعل بعض السكان يلجؤون إليه بوصفه أسرع وأكثر حسمًا مقارنة بالقضاء الحكومي المتهم بالفساد والبطء. وعلى المستوى الإداري، تولت الحركة تسيير شؤون الحياة اليومية، من إدارة الموارد إلى تنظيم العلاقات العشائرية المعقدة، واضعةً القانون الديني فوق الأعراف القبلية، في سابقة لافتة في السياق الصومالي. أما أمنيًا، فقد اعتمدت على جهاز “الحسبة” بوصفه شرطة دينية، وعلى جهاز استخباراتي بالغ الفاعلية يُعرف بـ“أمنيات”، يُعنى بجمع المعلومات وفرض السيطرة وملاحقة الخصوم بقبضة شديدة الصرامة.

ويُعدّ العامل الاقتصادي حجر الزاوية في قوة الحركة واستمراريتها. فقد نجحت في بناء محرك مالي مستقل يمنحها اكتفاءً ذاتيًا شبه كامل، حيث تُقدّر إيراداتها السنوية بمئات الملايين من الدولارات، ما يجعلها من أغنى التنظيمات المسلحة في العالم. وتعتمد هذه الموارد على شبكة واسعة من الضرائب والإتاوات تشمل فرض “الزكاة” بنسبة 2.5% على أرباح الشركات الكبرى، إلى جانب مدفوعات شهرية منتظمة، وفرض رسوم على حركة التجارة والبضائع المستوردة، وعلى الشاحنات التي تعبر الطرق الرئيسية. كما تمارس الحركة ابتزازًا مباشرًا للأفراد والمزارعين والتجار الصغار تحت التهديد بالعنف، فضلًا عن استثمارها المباشر في شركات وعقارات، أحيانًا بالقوة وأحيانًا عبر ترتيبات تبدو طوعية ظاهريًا. هذا الدخل الضخم لا يموّل عملياتها العسكرية ورواتب مقاتليها فحسب، بل يمنحها أيضًا استقلالية عملياتية شبه كاملة عن القيادة المركزية لتنظيم القاعدة.

وبفضل هذا التماسك المالي والتنظيمي، تحولت حركة الشباب إلى رأس حربة فعلي لتنظيم القاعدة في إفريقيا. فهي لا تركّز على العمليات العابرة للحدود بقدر ما تعتمد استراتيجية السيطرة الإقليمية طويلة الأمد، بهدف ترسيخ نفسها كقوة حاكمة دائمة. وقد جعلها نجاحها في تكييف الأيديولوجيا القاعدية مع الواقع المحلي، ضمن ما يُعرف بمنطق “العالمية المحلية”، نموذجًا مُلهمًا لبقية فروع القاعدة في القارة، ومصدر دعم وتمويل وخبرة تنظيمية لها. كما توفر الحركة ملاذًا آمنًا وتدريبًا لمقاتلين أجانب، وتنسّق مع أفرع أخرى داخل الشبكة القاعدية، بما يعزز من ثقلها الإقليمي وخطورتها الدولية.

في المحصلة، لم تعد حركة الشباب مجرد تنظيم مسلح يوصف بالإرهاب، بل أصبحت كيانًا هجينًا يجمع بين التمرد العسكري، والحكم الإداري، والقدرة الاقتصادية المستقلة. وهذا التحول العميق يجعل مواجهتها تحديًا مركبًا لا يمكن اختزاله في الحلول الأمنية والعسكرية وحدها، بل يتطلب فهمًا أوسع للبنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي مكّنتها من التحول إلى “دولة داخل الدولة”.

جماعة نصرة الإسلام والمسلمين الساحل  

تُعد جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM)، التي تأسست في مارس/آذار 2017 نتيجة اندماج عدة فصائل جهادية متمركزة في مالي، الذراعَ الرسمي لتنظيم القاعدة في منطقة الساحل الأفريقي. ومنذ تأسيسها، برزت الجماعة كأحد أكثر التنظيمات المسلحة نشاطاً من حيث عدد العمليات واتساع رقعتها الجغرافية، وهو ما يعكس قدرتها العالية على التكيف مع بيئة إقليمية تتسم بالهشاشة السياسية، وضعف الدولة، وتداخل العوامل الأمنية والاجتماعية. لقد تجاوزت الجماعة نموذج التنظيم المتمرد التقليدي لتتحول إلى فاعل محلي متجذر في المجتمعات التي تنشط فيها، مستفيدة من استراتيجية مرنة تقوم على الاندماج الاجتماعي أكثر من الاعتماد الحصري على القوة العسكرية.

تنشط الجماعة في فضاء الساحل وهو فضاء يعاني من اختلالات بنيوية عميقة أبرزها الغياب شبه الكامل للدولة في المناطق الريفية والنائية، وضعف الخدمات الأساسية، وانعدام الثقة في المؤسسات الرسمية. وقد زادت الانقلابات العسكرية المتتالية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر من حدة هذا الوضع، حيث أدت إلى تفكك الأجهزة الأمنية، وارتباك القرار السياسي وانسحاب أو تراجع أدوار الفاعلين الدوليين ما خلق فراغاً أمنياً وإدارياً واسعاً. وفي هذا السياق وجدت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بيئة مثالية للتوسع ليس فقط عبر تنفيذ الهجمات بل من خلال التغلغل في الصراعات المحلية والانقسامات القبلية والعرقية وتحويلها إلى رافعة تخدم مشروعها.

يقود الجماعة إياد أغ غالي وهو شخصية ذات وزن محلي وقبلي ما منح التنظيم بعداً محليا واضحاً وساهم في تسهيل اندماجه داخل النسيج الاجتماعي. فالجماعة لا تقدم نفسها ككيان وافد أو غريب بل كامتداد لمظالم محلية حقيقية مرتبطة بالتهميش وغياب العدالة واستغلال الدولة المركزية لبعض الفئات والمناطق. ومن هنا اعتمدت JNIM على ما يمكن وصفه باستراتيجية الاختراق الاجتماعي حيث تسعى إلى ملء الفراغ الذي تتركه الدولة، عبر توفير أشكال بديلة من الحكم والضبط الاجتماعي.

في هذا الإطار تركز الجماعة على بناء تحالفات قبلية والتفاوض مع زعماء محليين وتقديم نفسها كوسيط قادر على فض النزاعات وحماية المصالح الاقتصادية الأساسية للسكان. ففي المناطق التي يغيب فيها القضاء الرسمي أو يُنظر إليه كأداة فاسدة أو منحازة تتدخل الجماعة لفض الخصومات وتنشئ محاكم شرعية تفرض عقوبات انتقائية، ما يمنحها نوعاً من الشرعية الاجتماعية لدى شرائح من السكان الباحثين عن الأمن والاستقرار حتى وإن كان ذلك على حساب الحريات الفردية. كما تستهدف الجماعة بشكل خاص فئة الشباب المهمشين، وتوفر لهم موارد مادية وحماية وانتماء رمزيا ما يعزز قدرتها على التجنيد والاستمرارية.

اقتصاديا تعتمد جماعة نصرة الإسلام والمسلمين على نموذج تمويل محلي يضمن لها درجة عالية من الاستقلالية. فهي تفرض الجبايات على الطرق والمعابر والأنشطة التجارية وتؤمن في المقابل استمرار الحركة التجارية وحماية القوافل كما تستفيد من الحصول على فدى الرهائن واقتطاع حصص من تعدين الذهب الحرفي. هذا النموذج الاقتصادي لا يوفر فقط التمويل اللازم للعمليات العسكرية بل يرسخ أيضا منطق الحكم الموازي حيث تصبح الجماعة جزءا من الدورة الاقتصادية المحلية وليس مجرد فاعل عسكري عابر.

ويعكس هذا المسار نجاح سياسة المحلية التي تبناها تنظيم القاعدة خلال السنوات الأخيرة والقائمة على بناء فروع إقليمية متجذرة في بيئاتها وقادرة على دمج الأجندة الجهادية العالمية مع القضايا والمظالم المحلية. ففي حالة الساحل نجحت القاعدة عبر JNIM في إعادة صياغة خطابها وأدواتها بحيث تبدو أقرب إلى واقع المجتمعات المحلية وأكثر قدرة على استغلال الفشل البنيوي للدولة. وقد أدى هذا النجاح إلى تحويل الجماعة إلى أحد أخطر فروع القاعدة عالميا في وقت انصب فيه تركيز المجتمع الدولي على بؤر أخرى مثل أفغانستان والشرق الأوسط.

إن تجربة جماعة نصرة الإسلام والمسلمين تظهر بوضوح أن المواجهة العسكرية وحدها غير كافية لاحتواء هذا النوع من التنظيمات. فالجماعة لم تترسخ فقط بقوة السلاح بل بقدرتها على استثمار الهشاشة السياسية والاجتماعية والاقتصادية وبناء بدائل محلية للدولة ولو كانت قسرية. ومن ثم فإن أي مقاربة فعالة لمكافحة الإرهاب في الساحل تظل رهينة بمعالجة الجذور العميقة للأزمة وعلى رأسها غياب الدولة العادلة وتفكك النسيج الاجتماعي واستمرار التهميش والفقر وهي العوامل التي حولتها الجماعة إلى أدوات نفوذ واختراق داخل المجتمعات المحلية.

خلاصة

تؤكد هذه الدراسة أن تنظيم القاعدة لم ينته بل أعاد تعريف نفسه كشبكة عالمية محلية مرنة وقابلة للبقاء. إن مفتاح مرونة القاعدة يكمن في اللامركزية التنظيمية التي سمحت للفروع الإقليمية بالاستقلال العملياتي وفي العقيدة الاستراتيجية لـ العالمية المحلية التي مكنتها من كسب الشرعية والتغلغل الاجتماعي. لقد أصبحت أفريقيا بفرعيها الرئيسيين حركة الشباب وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين) مركز الثقل الجديد الذي يهدد الاستقرار الإقليمي.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع ذات صلة

المسرح المغربي الأرشيف الحي والزمن الذهبي بعيون إذاعة طنجة

16 يونيو 2026 - 2:50 م

تثمينا وعناية منها بذاكرة المغرب الثقافي التراثي وهو ما دأبت عليه منذ سنوات وسنوات، وباعتبارها صوتا رافعا وملتقى للمبدعين، وتعريفا

المكون اليهودي في منظومة الحكم بالمغرب بين الجذور التاريخية والتمثيلية السياسية

15 يونيو 2026 - 1:32 م

أثار استمرار وجود أندري أزولاي مستشاراً لكل من الملكين الحسن الثاني ومحمد السادس نقاشاً وانتقادات من اتجاهات مختلفة، لكن دوافع

د شقير يكتب: السلطة و الهجرة بالمغرب بين آليات التدبير السياسي ومظاهر التوظيف الدبلوماسي

13 يونيو 2026 - 4:04 م

انطلقت عملية “مرحبا 2026” بصفة رسمية ابتداء من منتصف ليلة 10 يونيو 2026، وذلك تنفيذا للتعليمات الملكية الموجهة إلى مؤسسة

أغماني يدعو من مكناس إلى تعاقد سياسي جديد مع الشباب ويستحضر تحولات المغرب بين الأمس واليوم

13 يونيو 2026 - 1:10 ص

احتضنت مدينة مكناس لقاء فكريا وثقافيا نظمته الجامعة الشعبية المغربية والمقهى الثقافي، بمناسبة الذكرى العاشرة لتأسيس هذه المبادرة الثقافية، خصص

ترجمة جديدة تستعيد خرائط الذاكرة ومسالك الحياة في الحواضر المغربية من خلال كتاب “المغرب بعيون رحالة أجنبي”

12 يونيو 2026 - 12:03 ص

يشكل صدور الترجمة العربية لكتاب «المغرب والمغاربة» للرحالة آرثر ليرد إضافة نوعية إلى خزانة التاريخ الاجتماعي وأدب الرحلات بالمغرب. فقد

اختر مدينتك
الفجرالشروقالضهرالعصرالمغربالعشاء
الرطوبة : %
الرياح : km/h
°
°
°