أخبار ساعة

18:00 - بعد أشهر من الملاحقة.. سقوط أخطر مبحوث عنه في مدينة الفقيه بنصالح17:30 - قبل قمة البرازيل.. أشرف حكيمي يرفع التحدي ويؤكد جاهزية المغرب لمواجهة عملاق الكرة العالمية في كأس العالم16:12 - اتفاق التبادل الحر بين المغرب والصين.. هل تربط الرباط الشراكة الاقتصادية بموقف بكين من الصحراء؟16:11 - الهجرة المتجددة: من الذاكرة إلى هندسة التغيير16:04 - د شقير يكتب: السلطة و الهجرة بالمغرب بين آليات التدبير السياسي ومظاهر التوظيف الدبلوماسي15:30 - الملك يهنئ تشارلز الثالث بعيد ميلاده ويؤكد متانة العلاقات بين المغرب والمملكة المتحدة15:15 - شلل مرتقب بالمحاكم المغربية.. المحامون يعلنون توقفا شاملا عن الترافع احتجاجا على تصريحات وهبي15:15 - “تايمز سكوير” تتحول إلى قطعة من المغرب.. آلاف المشجعين يغزون قلب نيويورك دعما لأسود الأطلس قبل موقعة البرازيل14:27 - عملية مغربية إسبانية مشتركة تحبط تهريب نحو 5 أطنان من الحشيش بمضيق جبل طارق بعد مطاردة بحرية وجوية13:30 - رئيس وزراء باكستان يعلن التوصل إلى اتفاق سلام بين واشنطن وطهران خلال 24 ساعة
الرئيسية » الرئيسية » د شقير يكتب: السلطة و الهجرة بالمغرب بين آليات التدبير السياسي ومظاهر التوظيف الدبلوماسي

د شقير يكتب: السلطة و الهجرة بالمغرب بين آليات التدبير السياسي ومظاهر التوظيف الدبلوماسي

انطلقت عملية “مرحبا 2026” بصفة رسمية ابتداء من منتصف ليلة 10 يونيو 2026، وذلك تنفيذا للتعليمات الملكية الموجهة إلى مؤسسة محمد الخامس للتضامن من أجل مواكبة استقبال المغاربة المقيمين بالخارج خلال موسم العودة الصيفية. وفي سياق تاريخ السلطة والهجرة بالمغرب، يمكن النظر إلى الانطلاق الرسمي لعملية “مرحبا 2026” باعتباره تجسيداً حديثاً لدور الدولة في تنظيم حركة السكان عبر الحدود، لكن هذه المرة في إطار مؤسساتي وخدماتي يركز على مواكبة المواطنين المهاجرين بدل التحكم في تنقلاتهم أو إعادة توزيعهم كما كان يحدث في بعض المراحل التاريخية السابقة. فمن من زاوية تاريخية وسياسية ، يمكن اعتبار عملية “مرحبا” امتدادا حديثا لدور الدولة المغربية في تدبير حركة السكان. فبعد أن كانت السلطة في الماضي تنظم تنقل القبائل أو تستثمر الهجرات لأهداف سياسية وعسكرية، أصبحت اليوم تدير حركة ملايين المهاجرين المغاربة في إطار مؤسساتي حديث يجمع بين الاعتبارات الاقتصادية والإنسانية والسيادية.

وهكذا تحولت الهجرة من قضية حدودية إلى مجال لإبراز قدرة الدولة على التنظيم والحضور والرعاية. وبالتالي ، فقد شكل موضوع الهجرة أحد المفاتيح المهمة لفهم تاريخ السلطة في المغرب، إذ ارتبط بناء الدولة وتوطيد النفوذ السياسي عبر القرون بحركات السكان، سواء كانت طوعية أو قسرية.فقد اعتمدت الأسر المتعاقبة على حكم المغرب على استقدام جماعات بشرية أو تشجيع استقرارها في مناطق معينة لتحقيق أهداف سياسية وعسكرية واقتصادية. فخلال عهد إدريس الأول استقرت قبائل عربية وأمازيغية مختلفة حول مراكز السلطة الناشئة. كما اعتمد المرابطون والموحدون على نقل القبائل الموالية لهم لتعزيز السيطرة على المناطق البعيدة. بينما شجع السعديون ثم العلويون استقرار قبائل معينة في مناطق استراتيجية لحماية الطرق التجارية والحدود.

1- التهجير كوسيلة للضبط السياسي

استعملت السلطة أحياناً التهجير أو إعادة توزيع القبائل للحد من التمردات أو تفكيك مراكز القوة المحلية ، من خلال نقل بعض القبائل من مواطنها الأصلية بعد تمردها على السلطة المركزية.فقد ارتبط عهد الأسرة السعدية) بمحاولات متواصلة لترسيخ سلطة مركزية قوية في مواجهة القبائل والزوايا والقوى المحلية. وفي هذا السياق، استعمل السلاطين السعديون، مثلهم مثل عدد من الحكام في تاريخ المغرب، سياسة نقل بعض الجماعات القبلية أو إعادة توطينها عندما كانت تشكل تهديداً للسلطة المركزية. وهكذا أشارت بعض المصادر التاريخية المغربية بما فيها مناهل الشرفا للفشتالي إلى أن السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي اتخذ إجراءات ضد بعض بطون قبائل الخلط بعد تمردها و معارضتها للسلطة المركزية، حيث كان من بين هذه الإجراءات ما يُعرف في بعض الكتابات التاريخية بـ”التغريب”، أي نقل جماعات من موطنها الأصلي في وسط المغرب نحو مناطق أبعد في الغرب أو الجنوب الغربي لإضعاف قدرتها على التمرد. نظرا لأن قبائل الخلط كانت من القبائل العربية ذات النفوذ في منطقة تامسنا والشاوية وما جاورها، حيث شكلت أحياناً قوة عسكرية مهمة يمكن أن تكون سنداً للسلطان أو مصدر تهديد له بحسب الظروف السياسية. وبالتالي ، فقد كان من أهداف التغريب التي سلكها السلطان المنصور تفكيك التكتلات القبلية المتمردة ، وإبعاد القبائل عن مراكز نفوذها التقليدية. وإعادة توزيع السكان بما يخدم الأمن المخزني، بالاضافة إلى توطين جماعات قبلية في مناطق تحتاج إلى تعزيز الوجود السلطاني فيها. وقد واصل السلاطين العلويون ، استخدام سياسات أكثر تنظيماً في نقل القبائل وإعادة توزيعها وربطها بالمخزن، مستفيدين من إعادة توحيد السلطة المركزية بعد مرحلة الاضطراب التي أعقبت انهيار نظام الحكم السعدي.

فقد لجأ بعض السلاطين العلويين إلى سياسات نقل القبائل أو إعادة توطينها كوسيلة لترسيخ سلطة المخزن، خاصة خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، عندما كانت الدولة تعمل على إخضاع المجالات القبلية وتعزيز حضورها في مختلف جهات المغرب. ويعد عهد مولاي إسماعيل (1672-1727) أبرز مثال على ذلك، إذ اعتمد سياسة تهدف إلى إضعاف القبائل التي تكرر تمردها على السلطة ، و تفكيك التحالفات القبلية التي قد تشكل خطراً على المخزن وتوطين جماعات قبلية في مناطق استراتيجية لحراسة الطرق أو دعم الحاميات العسكرية. بالاضافة إلى تأمين المدن والمراكز الاقتصادية ضد الاضطرابات القبلية. وقد ارتبطت هذه السياسة غالباً بإنشاء القصبات والحصون العسكرية وتوزيع قبائل أو جماعات سكانية حولها لضمان التموين والحماية. ولم يكن تغريب القبائل دائماً تهجيراً جماعياً شاملاً، بل اتخذ صوراً متعددة: منها نقل بطون أو فروع من القبائل إلى مناطق أخرى ، أو تشتيت التجمعات القبلية الكبيرة، أو إعادة توزيع الأراضي وحقوق الانتفاع بالمراعي، أو فرض إقامة بعض القبائل قرب المراكز المخزنية أو الثغور. حيث كان الهدف الأساسي هو جعل الولاء للسلطان يتقدم على الولاء للقبيلة. لذلك ارتبطت سياسة نقل القبائل بسياسات تعيين القواد والباشوات، وفرض الجبايات ، و بناء شبكة من القصبات والمخازن السلطانية و الاعتماد على جيش منظم، وخاصة جيش عبيد البخاري في عهد مولاي إسماعيل. لكن على الرغم من نجاح هذه “السياسة التهجيرية “خاصة في فترات قوة السلطة المركزية، فإنها لم تؤد إلى القضاء نهائياً على التمردات القبلية، إذ ظلت بعض المناطق الجبلية والبعيدة تحتفظ بهامش واسع من الاستقلال الذاتي، وكانت العلاقة بين المخزن والقبائل تقوم على التفاوض بقدر ما تقوم على القوة.

2-الهجرة والحفاظ على التوازن السياسي

من أهم الهجرات التي أثرت في تاريخ الدولة بالمغرب: هجرة القبائل العربية، خاصة قبائل بني هلال وبني معقل، والتي ساهمت في إعادة تشكيل التوازنات القبلية والسياسية بالمغرب. وكذا استقبال المغرب للمهاجرين الأندلسيين بعد سقوط الأندلس، حيث لعبوا أدواراً اقتصادية وإدارية وثقافية مهمة داخل الدولة. و استقرار جماعات يهودية مهاجرة من الأندلس، التي ساهمت في التجارة والدبلوماسية والمالية المخزنية. كما شهدت فترة الحماية الفرنسية والإسبانية تهجيراً داخلياً واسعاً: تمثل في انتقال السكان من البوادي إلى المدن الاستعمارية الجديدة من خلال هجرات مرتبطة بالمناجم والموانئ ومراكز الإنتاج. مما أدى إلى إعادة تشكيل المجال العمراني بما يخدم أهداف الإدارة الاستعمارية. وقد ساهم ذلك في ظهور أحياء حضرية جديدة وتغير العلاقة التقليدية بين القبيلة والسلطة. منذ الاستقلال، ارتبطت السلطة أيضاً بإدارة ظاهرة الهجرة: سواء من خلال تشجيع الاستقرار في بعض المناطق الحدودية أو الصحراوية عبر الاستثمار العمومي. أو التعامل مع الهجرة القروية المكثفة نحو المدن الكبرى.أو تعزيز الروابط مع الجالية المغربية بالخارج باعتبارها رصيداً اقتصادياً وسياسياً مهماً. طرح أحياناً في الأدبيات التاريخية والسياسية فرضية مفادها أن الدولة المغربية كما تم تشجيع وتسهيل هجرة شباب الريف إلى الخارج بعد أحداث وتمرد 1958-1959 من أجل تخفيف التوتر السياسي والاجتماعي في المنطقة. فبعد أحداث الريف التي واجهتها السلطة بقوة في أواخر الخمسينيات، عرفت المنطقة تهميشاً اقتصادياً نسبياً مقارنة ببعض الجهات الأخرى، مما دفع أعداداً متزايدة من أبناء الريف إلى البحث عن فرص العمل في الخارج، خصوصاً في أوروبا خلال ستينيات وسبعينيات القرن العشرين. وقد أصبحت مناطق مثل الناظور والحسيمة والدريوش من أهم خزانات الهجرة المغربية نحو هولندا وبلجيكا وألمانيا. حيث يرى بعض الباحثين أن الدولة لم تمانع هذه الهجرة، بل استفادت منها لعدة أسباب: من أهمها تخفيف الضغط الاجتماعي والبطالة في منطقة شهدت احتجاجات وتمرداً سابقاً. و تقليص احتمالات عودة التعبئة السياسية المحلية. إلى جانب الاستفادة من تحويلات المهاجرين التي ساهمت في تحسين أوضاع الأسر الريفية. وكذا إدماج المنطقة بشكل غير مباشر في الاقتصاد الوطني عبر الأموال المحولة من الخارج. وهكذا أدت هذه الهجرة إلى تهدئة جزء من الاحتقان الاجتماعي في الريف، والحد نسبيا من آثار تمرد 1958-1959 تحديداً.

كما استفاد نظام الملك الحسن الثاني السلطة سياسياً من بعض آثار الهجرة لأنها بالإضافة إلى تخفيفها من حدة البطالة والاحتقان الاجتماعي، فقد أبعدت جزءاً من النخب المعارضة عن الساحة الداخلية ، و جعلت بعض أشكال المعارضة تتم خارج البلاد بدلاً من الشارع المغربي.غير أن المنفى لم يؤد دائماً إلى إضعاف المعارضة؛ فقد أصبحت مدن مثل باريس وبروكسل فضاءات مهمة لنشاط معارضين مغاربة وإصدار صحف ومنشورات تنتقد النظام.

3- الهجرة اليهودية وتكريس الشرعية الدينية والتعددية

شكلت الهجرة اليهودية من المغرب خلال عهد الملك الراحل الحسن الثاني ملفاً ذا أبعاد داخلية وخارجية معقدة، ولا يمكن اختزاله في عامل واحد. حيث وظف الملك الحسن الثاني هذا الملف في إطار اعتبارات دبلوماسية واقتصادية وسياسية. ففي مطلع عهد الملك الحسن الثاني، تم التوصل إلى ترتيبات غير معلنة سمحت بهجرة أعداد كبيرة من اليهود المغاربة إلى إسرائيل، فيما عُرف تاريخياً بعملية عملية ياخين (1961-1964). وخلال هذه الفترة غادر عشرات الآلاف من اليهود المغرب. حيث يرى بعض المؤرخين أن الدولة المغربية سعت من خلال ذلك إلى: معالجة ملف حساس كان يثير ضغوطاً دولية. و تحسين علاقاتها مع الدول الغربية، خاصة الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية. بالإضافة إلى الحصول على موارد مالية ومساعدات غير مباشرة مرتبطة بتنظيم الهجرة. أما على البعد الدبلوماسي، فقد استفاد المغرب من وجود جالية يهودية مغربية كبيرة في إسرائيل وفي بلدان غربية أخرى لبناء قنوات تواصل غير رسمية مع أطراف دولية مؤثرة.

وقد ساهمت الروابط الثقافية والعائلية المستمرة بين اليهود المغاربة ووطنهم الأصلي في تعزيز صورة المغرب كبلد للتعايش الديني. فقد حرص الملك الحسن الثاني على تقديم نفسه باعتباره حامياً لجميع رعاياه، بمن فيهم اليهود الذين اختاروا البقاء في المغرب. واستمرت المؤسسات الدينية اليهودية والمقابر والمعابد في العمل تحت حماية الدولة. غير أنه إذا كان الملك الحسن الثاني قد وظف الجالية اليهودية أساساً في إطار الدبلوماسية غير الرسمية والوساطات الدولية، فإن الملك محمد السادس وسع هذا التوظيف ليشمل أبعادا أوسع. إذ في عهد الملك محمد السادس، لم يعد الحديث عن “توظيف الجالية اليهودية” مقتصراً على الجانب الدبلوماسي التقليدي، بل أصبح جزءاً من رؤية أوسع تقوم شهد فترة حكمه اهتماماً غير مسبوق بالتراث اليهودي المغربي، توج بتكريس الروافد العبرية في دستور 2011 باعتبارها أحد مكونات الهوية الوطنية المغربية. كما جرى ترميم عدد كبير من المعابد والمقابر والمواقع التراثية اليهودية في مختلف مناطق المملكة. ومن خلال ذلك، قدم المغرب نفسه كنموذج للتعايش الديني والتعددية الثقافية في المنطقة. حيث يشكل اليهود المغاربة المنتشرون في إسرائيل وفرنسا وكندا والولايات المتحدة جسراً بشرياً وثقافياً بين المغرب وهذه البلدان. وقد استفاد المغرب من هذه الروابط في: تعزيز صورته الدولية. وتنمية السياحة المرتبطة بالذاكرة والتراث اليهودي المغربي.وتشجيع الاستثمارات والعلاقات الاقتصادية. بالإضافة إلى توسيع شبكات التواصل مع نخب سياسية واقتصادية وثقافية ذات أصول مغربية. خاصة بعد استئناف العلاقات الرسمية بين المغرب وإسرائيل سنة 2020. حيث برز دور اليهود المغاربة المقيمين في إسرائيل كحلقة وصل إنسانية وثقافية واقتصادية بين البلدين.

وتزايدت زيارات أفراد الجالية اليهودية المغربية إلى المدن والقرى التي تنحدر منها عائلاتهم، كما نمت المبادلات السياحية والاقتصادية. أما فيما يتعلق بالبعد الديني والرمزي، فقد واصل الملك محمد السادس، بصفته أمير المؤمنين، التأكيد على حماية أماكن العبادة اليهودية وصيانة التراث اليهودي المغربي. حيث ينظر إلى هذا البعد باعتباره عنصراً مهماً في تعزيز شرعية نموذج التعايش الديني الذي يقدمه المغرب.لذلك يرى عدد من الباحثين أن الجالية اليهودية في عهد محمد السادس أصبحت مورداً دبلوماسياً وثقافياً واستراتيجياً، أكثر من كونها مجرد قناة اتصال سياسية كما كان الحال في مراحل سابقة.

4- الدولة وسياسة الهجرة الافريقية بالمغرب

شهدت سياسة الدولة المغربية تجاه الهجرة الإفريقية تحولاً مهماً خلال العقود الأخيرة. فبعد أن كان المغرب يُنظر إليه أساساً كبلد عبور للمهاجرين القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء في طريقهم إلى أوروبا، أصبح أيضاً بلد استقبال وإقامة لجزء من هؤلاء المهاجرين. فخلال تسعينيات القرن العشرين وبداية الألفية الثالثة، ارتبطت سياسة الهجرة أساساً بضبط الحدود ومكافحة الهجرة غير النظامية، خاصة مع تزايد محاولات العبور نحو أوروبا عبر مضيق جبل طارق أو عبر مدينتي سبتة ومليلية. لكن شكلت سنة 2013 منعطفاً مهماً مع إطلاق الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء، التي تبنت مقاربة أكثر شمولاً تقوم على:تسوية أوضاع عدد من المهاجرين المقيمين بالمغرب، وتسهيل الولوج إلى التعليم والصحة ، وتعزيز الإدماج الاجتماعي والاقتصادي، وحماية الفئات الهشة من المهاجرين.

وفي هذا السياق، فقد جرت عدة عمليات استثنائية لتسوية الوضعية الإدارية لآلاف المهاجرين المنحدرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء. وبالتالي ، فقد ارتبطت هذه السياسة أيضاً بالتوجه الإفريقي للمغرب في عهد محمد السادس، والذي تجسد في تعزيز العلاقات الاقتصادية والسياسية مع دول إفريقيا جنوب الصحراء وعودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017.وفي هذا السياق، قدّم المغرب نفسه مدافعاً عن مقاربة تعتبر الهجرة عاملاً للتنمية والتعاون، وليس مجرد قضية أمنية. حيث تنظر الدولة إلى المهاجرين الأفارقة باعتبارهم مورداً بشرياً يمكن أن يساهم في بعض الأنشطة الاقتصادية. و جزءاً من الحضور الإفريقي المتزايد بالمغرب.وبالتالي ، يمكن تلخيص سياسة الدولة المغربية تجاه الهجرة الإفريقية في ثلاثة أهداف رئيسية: ضبط الحدود ومحاربة الهجرة غير النظامية.و إدماج جزء من المهاجرين المقيمين بالمغرب عبر سياسة تسوية الأوضاع والخدمات الاجتماعية.بالاضافة إلى توظيف ملف الهجرة ضمن السياسة الإفريقية للمملكة وتعزيز مكانتها كشريك إقليمي في قضايا الهجرة والتنمية. لذلك فقد انتقلت السياسة المغربية من مقاربة يغلب عليها الطابع الأمني إلى مقاربة أكثر تنوعاً تجمع بين الأمن والإدماج والدبلوماسية الإفريقية، مع استمرار النقاش حول مدى نجاح هذه السياسة والتحديات التي تواجهها على أرض الواقع. إذ تتعرض السياسة المغربية للهجرة لانتقادات من اتجاهات مختلفة تتمثل في بعض المنظمات الحقوقية التي تطالب بمزيد من الحماية القانونية للمهاجرين. و بعض الأصوات داخل المغرب التي تعبر عن مخاوف مرتبطة بالاندماج أو المنافسة في سوق العمل.

كما يواجه المغرب ضغوطاً مرتبطة بدوره في تدبير تدفقات الهجرة نحو أوروبا. خاصة وأنه يحصل على تمويلات ودعم من الاتحاد الأوروبي في إطار سياسات الهجرة وإدارة الحدود والتنمية، حيث تُقدم هذه التمويلات رسمياً في إطار برامج تعاون وشراكة متعددة المجالات، وليس كمقابل مالي مباشر لاستقبال المهاجرين الأفارقة أو توطينهم في المغرب. ولذلك يبقى الملف موضوع نقاش سياسي بين من يعتبره تعاوناً متوازناً ومن يرى أنه يحمّل دول العبور جزءاً من أعباء إدارة الهجرة نحو أوروبا.

5- الدلالات السياسية والرمزية لتنظيم عملية مرحبا

ساهمت الدولة في تشجيع الهجرة إلى الخارج في إطار سياسة عامة للهجرة العمالية، لأنها كانت تحقق عدة أهداف أساسية منها تخفيف البطالة، والحد من الضغوط الاجتماعية، و جلب العملة الصعبة عبر تحويلات المهاجرين. وكذا المساهمة في تحسين أوضاع الأسر القروية. وبالتالي ، فقد بدأ اهتمام الدولة المغربية بتنظيم عبور الجالية المغربية المقيمة بالخارج بشكل تدريجي منذ سبعينيات القرن العشرين، مع تزايد أعداد العمال المغاربة المهاجرين إلى أوروبا وعودتهم الموسمية خلال فصل الصيف. ففي عهد الملك الحسن الثاني، كانت عملية العبور تتم أساساً عبر موانئ مثل ميناء طنجة وميناء الناظور، وشهدت تدخلاً متزايداً من السلطات الأمنية والإدارية والجمارك لتنظيم تدفقات المسافرين والسيارات. ومع ارتفاع أعداد أفراد الجالية، بدأت الدولة في تعزيز المراقبة الحدودية. وتوسيع قدرات الموانئ ، و كذا التنسيق مع شركات النقل البحري و تخصيص موارد بشرية إضافية خلال موسم الصيف. وبالتالي ، فإذا كان التنظيم الإداري لعبور الجالية قد بدأ فعلياً مع توسع الهجرة المغربية نحو أوروبا خلال السبعينيات، فإن التنظيم المؤسساتي الحديث لهذا العبور تبلور تدريجياً خلال التسعينيات، قبل أن يبلغ مرحلة النضج مع إطلاق عملية مرحبا سنة 2001، التي أصبحت الإطار الرسمي السنوي لاستقبال ملايين المغاربة المقيمين بالخارج أثناء عودتهم الصيفية إلى المملكة.

وهكذا أصبح ملف الجالية المغربية بالخارج أكثر أهمية في السياسات العمومية، حيث بدأ الحديث عن تحسين ظروف الاستقبال وتبسيط الإجراءات الإدارية، مع تزايد التحويلات المالية للمهاجرين وأهمية الجالية للاقتصاد الوطني. وهكذا شهدت سنة 2001 نقطة تحولات أساسية بإطلاق عملية مرحبا تحت الرئاسة الفعلية للملك محمد السادس عبر مؤسسة محمد الخامس للتضامن. حيث نقلت هذه العملية تدبير العبور من مجرد تنظيم أمني وإداري إلى منظومة متكاملة تشمل: الاستقبال والمواكبة الاجتماعية ، والمساعدة الطبية، و الإرشاد الإداري والقانوني، و التنسيق بين مختلف الإدارات والمتدخلين، و مراكز استقبال داخل المغرب وخارجه.

غير أن تنظيم عبور الجالية لا يقتصر على الجانب اللوجستي فقط، بل يحمل أيضاً بعداً رمزياً وسياسياً يتمثل في:

ـ تجسيد البعد الأمني والسيادي حيث تظهر العملية قدرة الدولة على تدبير أحد أكبر تدفقات العبور بين أوروبا وإفريقيا، من خلال ضمان انسيابية المرور بالموانئ والمعابر.و مراقبة الحدود وتأمين حركة الأشخاص والمركبات.و التنسيق المغربي الإسباني المباشر لتفادي الاكتظاظ والاختناقات.

ـ استعراض البعد المؤسساتي واللوجستيكي حيث تتولى مؤسسة محمد الخامس للتضامن الإشراف الميداني على هذه العملية بإشراك مصالح وزارة الداخلية، ومصالح الأمن الوطني، والدرك الملكي، والجمارك، والسلطات المينائية والمطارية، إضافة إلى السلطات الإسبانية والأوروبية في التنسيق العملياتي.

بالإضافة إلى تعزيز شبكة الاستقبال لتشمل 26 فضاء بالمغرب وأوروبا، موزعة بين الموانئ والمطارات والمعابر الحدودية ومناطق الاستراحة. وتخصيص ترتيبات استثنائية للنقل البحري والجوي لمواكبة التدفقات المتوقعة التي تقدر بحوالي 3.6 ملايين فرد من أفراد الجالية المغربية بالخارج خلال موسم الصيف.

ـ تكريس البعد الرمزي والسياسي حيث لا تقتصر عملية “مرحبا” على كونها عملية نقل وعبور، بل تحمل دلالات سياسية ورمزية تتمثل في تجسيد العلاقة الخاصة بين الدولة والجالية المغربية بالخارج، و إبراز الرعاية الملكية للمغاربة المقيمين بالخارج. وكذا تحويل العودة الصيفية إلى مناسبة لإعادة ربط المهاجرين بالوطن ومؤسساته.

وإجمالا، يمكن القول إن تاريخ السلطة في المغرب لم يكن منفصلاً عن الهجرة والتهجير، بل إن إدارة حركة السكان كانت إحدى أدوات بناء الدولة وترسيخ النفوذ. فالهجرة ساهمت في إنشاء مراكز حضرية جديدة وتقوية الاقتصاد، بينما استُخدم التهجير أحياناً كوسيلة لإعادة تشكيل التوازنات السياسية والقبلية وضمان استقرار السلطة المركزية. وهكذا تبدو العلاقة بين السلطة وحركة السكان علاقة بنيوية رافقت تطور الدولة المغربية منذ نشأتها إلى اليوم.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع ذات صلة

قبل قمة البرازيل.. أشرف حكيمي يرفع التحدي ويؤكد جاهزية المغرب لمواجهة عملاق الكرة العالمية في كأس العالم

13 يونيو 2026 - 5:30 م

يبدأ المنتخب المغربي رحلته في كأس العالم 2026 بمواجهة قوية أمام المنتخب البرازيلي، في لقاء يحظى بمتابعة كبيرة من الجماهير

اتفاق التبادل الحر بين المغرب والصين.. هل تربط الرباط الشراكة الاقتصادية بموقف بكين من الصحراء؟

13 يونيو 2026 - 4:12 م

تتجه العلاقات الاقتصادية بين المغرب والصين نحو مرحلة جديدة من النقاش، في ظل تزايد الحديث عن إمكانية التوصل إلى اتفاق

شلل مرتقب بالمحاكم المغربية.. المحامون يعلنون توقفا شاملا عن الترافع احتجاجا على تصريحات وهبي

13 يونيو 2026 - 3:15 م

تتجه المحاكم المغربية إلى مواجهة اضطرابات محتملة في سير عدد من القضايا والجلسات خلال الأيام المقبلة، عقب إعلان هيئات المحامين

“تايمز سكوير” تتحول إلى قطعة من المغرب.. آلاف المشجعين يغزون قلب نيويورك دعما لأسود الأطلس قبل موقعة البرازيل

13 يونيو 2026 - 3:15 م

اجتاحت موجة حمراء وخضراء، مساء الجمعة، ساحة “تايمز سكوير” الشهيرة في قلب منطقة مانهاتن بنيويورك، حيث احتشد مئات المشجعين المغاربة

عملية مغربية إسبانية مشتركة تحبط تهريب نحو 5 أطنان من الحشيش بمضيق جبل طارق بعد مطاردة بحرية وجوية

13 يونيو 2026 - 2:27 م

نجحت السلطات المغربية والإسبانية في إحباط عملية كبيرة لتهريب المخدرات بمضيق جبل طارق، بعدما أسفرت عملية أمنية مشتركة عن حجز

اختر مدينتك
الفجرالشروقالضهرالعصرالمغربالعشاء
الرطوبة : %
الرياح : km/h
°
°
°